أنا أؤمن بأنه توجـد عدالة سماويّة, وأن جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدنيا من مُنغصات انَّ هـو الاّ جـزاءٌ وفاق لِما أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور.ولهـذا يجب علينا أن نستقبلَ كلّ مـا يحـلّ بنـا من آلامِ الحياةِ ومآسيها غير مُتبرّمين ولا متذمّرين , بل قانعين بعدالةِ السماء ونُظمها السامية.

Highlighter
أحبُّ الكُتُبَ حبَّ السُكارى للخمر , لكنَّني كلَّما أزددتُ منها شرباً, زادتني صَحوا
ليس مّنْ يكتُبُ للهو كمَن يكتُبُ للحقيقة
الجمالُ والعفّــة فـردوسٌ سماويّ .
لا معنى لحياةِ ألأنسان اذا لم يقم بعملٍ انسانيٍّ جليل .
اعمل الخير , وأعضد المساكين , تحصل على السعادة .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقـوم بأعمالِ الخير نحـو ألأنسانيّة .
الموتُ يقظةٌ جميلة ينشُدها كل مَنْ صَفَتْ نفسه وطَهرت روحه , ويخافها كلّ من ثقُلت أفكاره وزادت أوزاره .
ان أجسامنا الماديّة ستمتدّ اليها يـد ألأقـدار فتحطِّمها , ثمّ تعمل فيها أنامل الدهـر فتتَّغير معالمها , وتجعلها مهزلةً مرذولة . أمّا ألأعمال الصالحة وألأتجاهات النبيلة السّامية , فهي هي التي يتنسَّم ملائكة اللّه عبيرها الخالد .
نأتي إلى هذا العالمِ باكين مُعولين، و نغادره باكين مُعولين! فواهً لك يا عالمَ البكاء والعويل!
جميعنا مُغترٌّ مخدوعٌ ببعضه البعض.
العدلُ كلمة خُرافية مُضحكة.
أمجادُ هذا العالم وهمٌ باطل، و لونٌ حائل، و ظلٌّ زائل.
لا باركَ الله في تلك الساعة التي فتحتُ فيها عينيّ فإذا بي في مكانٍ يطلقون عليه اسم العالم .
أنا غريبٌ في هذا العالم، و كم احنُّ إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.
الحياةُ سفينةٌ عظيمة رائعة تمخرُ في بحرٍ، ماؤه الآثام البشريَّة الطافحة، و امواجه شهواتهم البهيميَّة الطامحة، و شطآنه نهايتهم المؤلمة الصادعة.
كلّنا ذلك الذئبُ المُفترس , يردع غيره عن اتيانِ الموبقاتِ وهو زعيمها وحامل لوائها , المُقوّض لصروح الفضيلة , ورافع أساس بناءِ الرذيلة .
الحياةُ سلسلة اضطراباتٍ وأهوال , والمرءُ يتقلَّب في أعماقها , حتى يأتيه داعي الموت, فيذهب الى المجهولِ الرهيب , وهو يجهلُ موته , كما كان يجهلُ حياته .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقومَ بأعمالِ الخير نحو الانسانيّة .
المالُ ميزان الشرِّ في هذا العالم .
السعادةُ ليست في المال , ولكن في هدوءِ البال .
كلُّ شيءٍ عظيمٍ في النفسِ العظيمة , أمّا في النفسِ الحقيرة فكلُّ شيءٍ حقير .
الرُّوح نسمةٌ يُرسلها الخالق لخلائقه لأجل , ثم تعودُ اليه بعجل .
الرُّوح نفثةٌ الهيَّة تحتلُّ الخلائق , وكل منها للعودة الى خالقها تائق .
الرُّوح سرٌّ الهيٌّ موصَدْ لا يعرفه الاّ خالق الأرواح بارادته , فمنه أتتْ واليه تعود .
أنا أؤمن بأنه توجـد عدالةٌ سماويّة , وأنَّ جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدُّنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدارٍ انَّ هـو الاَّ جـزاء وفاق لمِا أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور . ولهـذا يجب علينا أن نستقبل كلَّ مـا يحـلُّ بنـا من آلام الحياة ومآسيها غير م
الحرّيةُ منحة من السماءِ لأبناءِ ألأرض .
الموتُ ملاكُ رحمةٍ سماويّ يعطف على البشر المُتألّمين , وبلمسةٍ سحريّة من أنامله اللطيفة يُنيلهم الهناء العلويّ .
ما أنقى من يتغلّب على ميولِ جسده الوضيع الفاني , ويتبع ما تُريده الرُّوح النقيّة .
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
الراحة التامّة مفقودة في هذا العالم , وكيفما بحثت عنها فأنت عائدٌ منها بصفقةِ الخاسر المَغبون .
ليس أللّــه مع الظالم بل مع الحقّ.
ان الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الكاذب.
ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين وغوث الملهوفين والحنو على القانطين , وما أقلَّ تنفيذهم القول.
يظنُّ بعض ألأنذال ألأدنياء أنّهم يُبيّضون صحائفهم بتسويدِ صحائف الأبرياء , غير عالمين بأنَّ الدوائر ستدور عليهم وتُشهّرهم.
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السَّلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
رهبة المجهول شقاء للبشرِ الجاهلين للأسرارِ الروحيَّة , وسعادة للذين تكشّفت لهم الحقائق السماويَّة .
الموتُ نهاية كل حيّ , ولكنه فترة انتقال : امّا الى نعيم , وامّا الى جحيم .
الحياةُ خير معلِّمٍ ومُؤدِّب , وخيرَ واقٍ للمرءِ من الأنزلاقِ الى مهاوي الحضيض .
حين تشكُّ بأقربِ المُقرَّبين اليك تبدأ في فهمِ حقائق هذا الكون .
مَنْ يكون ذلك القدّيس الذي لم تخطرُ المرأة في باله ؟ لو وجدَ هذا لشبَّهته بالآلهة .
المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السُّلطان. و هي تحملُ بيدها سيفاً قاطعاً لو حاولَ رجالُ الأرض قاطبةً انتزاعه منها لباؤوا بالفشلِ و الخذلان .

الأستاذ ماجد مهدي

كاتبٌ لبنانيٌّ الأصل مقيم في كندا. باشر دراسة الطب في تولوز بفرنسا، لكن وفاة والده حملته على تركها والانصراف إلى الشأن التربوي، فتولى إدارة مدرسة النهضة العِلمية في عليّ النهري (البقاع) عدة سنوات. ثم هاجر إلى مونريال حيث أسس وكالة للطباعة والنشر. ألقى عام 1970 محاضرةً عن الدكتور داهش والداهشية في "قصر المؤتمرات" بتولوز. صدرَ له "كيف آمنتُ بالداهشية" (1973). وله عدَّة دراسات ومقالات منشورة في الصحف.

 

أضواءٌ على نظريَّة السيالات الروحية

في فكر الدكتور داهش

لم يخلُ القرن العشرون من وجوهٍ مُشرقة حملت كل معاني النُّبل والرفعة والإنسانية، وأدت دورًا رياديًا في التنوير ونُصرة الخير على الشر. وقد كان الدكتور داهش واحدًا من أبرزها. فبفضل مُعجزاته العجيبة، وفلسفته الروحية، وأدبه الإنساني، واستبساله في الدفاع عن الحقوق والحريات، ترتسمُ أمام الأجيال صورةٌ متكاملةٌ للحياة المُثلى يمكنُ الاقتداءُ بها، بعيدًا عن الشرور، ومفاسد المادة، وكل أشكال التعصب، الديني والمذهبي والعرقي. تلك الصورة شكلت جوهر رسالته الإنسانية النبيلة التي أسهمتْ، وما برحتْ تُسهم، وإن على نطاقٍ فرديّ، في إصلاح النفس البشرية، والارتقاء بها نحو الكمال الأسمى. وقد رأيتُ وفاءً مني لشخصه، وهو الرجل الذي أدينُ له بالشيء الكثير في مسيرة عمري، والذي جمل أمامي وجه الحياة، وجعلهُ مُشرقًا بنور الأمل، والذي ترسمتُ آثار خطواته، واتخذتُ من سيرته وفكره نبراسًا أبديًا لي، أن أقدم، في ذكراه، مُقاربةً لموضوع "السيالات الروحية" في فلسفته، لأن "السيال الروحي" يُشكل القاعدةَ – الأساس التي تقومُ عليها. وإذا كان مصطلح "السيال" معروفًا قبل الداهشية فإن مدلوله فيها يختلفُ كثيرًا عن مدلولاته السابقة؛ الأمر الذي يضيقُ المجالُ بتبيانه في هذا البحث.

          إن مفهوم "السيال الروحي"، على الرغم من جدَّته، يكتسبُ أهمية عُظمى على الصعيد الإنساني. فهو يُقدمُ، وأطنني غير مبالغٍ في ما أقول، تفسيراتٍ لكثيرٍ من شؤون الحياة والكائنات. ففي ضوئه ينقشعُ الغموضُ عن أسباب الكثير من أحداث الحياة التي يَحارُ الإنسان في تفسيرها، ويخفُّ بالتالي وقع الصدمات النفسية التي تواجهه في حياته.

          ومن خلال مفهوم السيال أيضًا، يتضحُ السببُ في التباين بين توجهات المرء ومشاعره المختلفة، أو في التوافق والتناسق في ما ينها. كما تنجلي حقيقةُ الدافع الموجه لسلوكيات الإنسان والكائنات جميعًا، الذي يتسبب بقيام الصراع بين الخير والشر، فيهم وبينهم، ويتم من خلاله ارتقاؤهم الروحي أو سقوطُهم، وبالتالي تقدمهم أو تقهقرهم في كافة الشؤون، والذي يتوجه إليه ويتناوله كل إرشادٍ وتوجيهٍ إصلاحي بغية

إحداث تغيير فيه باتجاه الخير.

          قبل الخوض في هذا البحث لا بد من الإشارة إلى المراجع التي استندتُ إليها في كتابته. ومن أجل ذلك، رأيت من الضرورة أن ألفت النظر، أولاً، إلى أمرٍ مهم، وهو أن الدكتور داهش لم يعتمد اللغة الفلسفية المجردة في التعبير عن فكرة الفلسفي، وقصر استخدامها على بعض شروحه.

          والقارئ لمؤلفاته الأدبية يُدركُ، في الحال، أن أدبهُ لا ينفصل قط عن فلسفته، شأنه في ذلك شأن الفلسفة الإغريق قبل سقراط، وفولتير، ونيتشه، والأدباء العرب القُدامى، أمثال التوحيدي، "أديب الفلاسفة"، ومسكويه، "فيلسوف الأدباء"... فأدبُه وفلسفتُه ينبثقان، مُتمازجين، من ينبوع ذاته وقد ارتُويا من أحاسيسه ومشاعره المُرهفة الصادقة، وتأملاته البعيدة، ويسريان معًا في وحدةٍ مُمتماسكة لتأدية الهدف المنشود. وقد صرَّح الدكتور داهش بذلك بنفسه، في أكثر من مناسبة، أمام سائليه عن كتاب عقيدةته الفلسفية، مُجيبًا إياهم: "عقيدتي في كُتبي".

          تجدُرُ الإشارة إلى أنه، على الرغم من تواجُد حقائقه الفلسفية في معظم الفنون الأدبية التي كتبَ فيها، فإن الفن القصصي كان، من بينها، الأوفر حظًا من تلك الحقائق. ولعل أبلغ وصفٍ لأسلوبه في إيصالها إلى جميع الناس، على تفاوت مُستوياتهم، هو ما قيلَ فيه من أنه "الأسلوبُ النبوي" الذي يتوسلُ القصص والأمثال، والإشارات إليها، والذي يُعدُّ "اأصلح في التعبير عن الحقائق الروحية"1. وهذا التوجُّه عند الدكتور داهش في التعبير عن فكره الفلسفي جعلني أُعوِّلُ، في هذا البحث، على نصوصه الأدبية، أولاً، من دون أن أتخلى عن الشروح الفلسفية التي كتبها بنفسه، أو عن تلك التي نُقلت عنه، أو عن أحاديثه معي، أو عما هو مقررٌ في العقيدة الداهشية، وذلك في حال الحاجة إليها، أو من أجل مزيدٍ من التوضيح. على أنني نأيتُ بنفسي عن أية تأويلاتٍ أو تفسيراتٍ صدرت في الموضوع، قد تكون صائبةً، وقد لا تكون، إذ إن كثيرين بحثوا فيه، وكثيرين سيبحثون. كما إنني لم أتطرق في البحث إلى الإثباتات المادية الملموسة التي كان الدكتور داهش يُقدمها، عبر المعجزات التي كان يأتيها، دليلاً على صحة طروحاته النظرية؛ فذلك يستوجبُ بحثًا موسعًا لا مجال لاستيعابه في هذا الكتاب، إضافةً إلى أنني فضلتُ قصر البحث في الموضوع على الجانب الفكري النظري منه دون سواه.

                                      *******

          يُميِّزُ الدكتور داهش بين الروح والنفس، فيعتبرُ أن الأرواح كائناتٌ نقيةٌ موجودةٌ في عوالم الروح التي لا تشوبُها المادة. أما النفس، فيعتبرها مجموعةً من "السيالات الروحية".

          هذه السيالات، في منظوره، قُوًى إشعاعية حية قادرةٌ غير منظورة هي امتداد للروح في العوالم المادية. وهي "جميعها ذاتُ إدراكٍ وإرادةٍ ونزعات، لكن على درجاتٍ متفاوتة... وهذه الخصائص النفسية ليست في الإنسان فقط، بل هي أيضًا في الحيوان والنبات وكل ما يُسمى "مادة".2 "فالسيالاتُ هي في أساس جميع الكائنات المادية"3. وهي لا تزولُ ولا تفنى، و"خلودُها لا شكَّ فيه، سواءٌ أكانت في الإنسان أم الحيوان أم النبات أم الجماد"4.

---------------------------------------------------------------------

1" تقييم مؤلفات الدكتور داهش بأقلام أدباء وشعراء وكتاب وصحافيي البلاد العربية، (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980)، ص 309 – 318).

2 "معجزات وخوارق الدكتور داهش يرويها الصحفي لطفي رضوان"، ص 2 (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1997)، ص 87 – 89.

3 الدكتور فريد أبو سليمان: "في رفقة الهادي الحبيب"، (الدار الداهخشية للنشر، نيويورك 1997)، ص 436 -= 438.

4" معجزات وخوارق الدكتور داهش يرويها الصحفي لطفي رضوان"، ط 2 (الدار الدهشية للنشر، نيوروك 1997)، ص 87 – 89.

-----------------------------------------------

والسيالات الروحية هي قوامُ المجموعات في الكون كله. ويتمتع كل سيالٍ منها بدرجةٍ روحيةٍ مُعينة. "وبحسب رُقيِّ السيال أو تدنيه يكونُ تجسدُه. وبتعبير آخر، فإن كل درجةٍ في السلم الروحي تتناسبُ مع شكلٍ ماديٍّ مُعين."1 والسيالات تبقى بين هبوطٍ وصعود، فترتقي بقدر ما يأتي الإنسان من الخير، وتهبط كلما أمعنَ في النشر. وتجتمع في الإنسان سيالات ذات مستويات روحيةٍ مختلفة. وهذا الفارقُ في المستوى يُنتجُ صراعًا داخليًا بين ما هو أعلى وما هو أدنى، بين ما هو خيرٌ وما هو شرّ. "أما جسدُنا، فهو المستودعُ وآلةُ التجربة التي تأتي إليها هذه السيالات لتتجرب وتُمتحن، وظروفُ الحياة التي تمرُّ فيها هي التي تخلقُ ذاك الامتحان. فإذا انتصرت سيالاتُ الخير على النزاعات الشريرة في الإنسان انسحقت تلك السيالات الشريرة، ثم تهذبت وارتقت إلى السماء لتتصل بأخواتها، والعكس وبالعكس. وهذا يعطي فكرةً عن أسباب تنوع الناس في نزعاتهم وميولهم"2 أما كيفية الترابط بين الجسد والسيالات، فقد وصفها الدكتور داهش بعبارة "امتزاجُ السيالات بالأجسام."3

ويعتقد الدكتور داهش أن للأرض، كما لكل كوكبٍ، حدًّا أعلى وحدًّا أدنى في السُلَّم الروحيّ. فإذا ارتقى أحد السيالات، متخطيًا الحد الأعلى لدرجة الأرض الروحية، نتيجة تغلُّبه على التجارب الأرضية، فإنه ينطلقُ من الإنسان إلى العالم العلوي الذي يتوافقُ مع درجتِه، حيث تنتظرُه السعادةُ والهناء. أما إذا تدنت درجتُه دون الحدِّ الأدنى لدرجة الأرض، نتيجة إغراقه في الشر، فإنه ينطلقُ إلى العالم السفليّ الذي يوافقُ درجته، حيث يلقى فيه مُرَّ العذاب. وحقيقة الارتقاء والهبوط هذه تنطبقُ، في منظورة، على الكائنات في الأرض وفي سائر العوالم، العلوية منها والسفلية.

          كما يؤمنُ بوجود سيالاتٍ مشتركة، سواءٌ بين الناس من ذوي القربى، والأصدقاء أو بين أُناسٍ لا تربطُ بينهم رابطة، ولا تعارفَ بينهم. فإذا تمكن المرء من ترقية سياله، بمُمارسة الخير ونَبذ الشر، ينعكسُ هذا الرقيُّ إيجابًا على سيالاته الأُخرى الموجودة.

--------------------------------------------

1 الدكتور فريد أبو سليمان: "في رفقة الهادي الحبيب"، (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1997)، ص 436- 438.

2 الشاعر حليم دمُّوس: "أغرب الأسرار الداهشية"، مجلة "الدبُّور"، الحلقة 20,21 حزيران 1949.

3 الدكتور داهش: من أحد شروحه الروحية.

--------------------------------------------

في مَن هم على صلةٍ روحيةٍ به. أمَّا إذا أسقط درجة سياله، بانتهاج سُبُل الشر، فإن ذلك ينعكسُ سلبًا على تلك السيالات.

          ويعزو الدكتور داهش المواهب الإبداعية في الإنسان إلى سيالات روحية مميزة، نظير سيالات الفن والأدب والشعر والعلم وغيرها. ويعيدُ الأسباب البعيدة للأمراض لمعتقدٍ ما، يتمُّ، في نظره، بنسبة انسجام سيالاته الروحي مع تعاليم تلك الأديان والعقائد.

          ويعتبر أن الأنبياء يتمتعون بسيالاتٍ روحيةٍ نبويةٍ سامية تهبطُ، بأمر الله، من سماواته الرفيعة، لنشر الرسالات الإلهية في الأرض. كذلك يتمتع الهداةُ والمصلحون والعباقرة، في رأيه، بسيالاتٍ علوية تؤدي دورها في زرع بذور الخير والهداية من أجل إصلاح النفس البشرية. ويذهب إلى أبعد، فيرى أن الأنبياء "شخصٌ واحد متعددُ السيالات. فكلُّ نبيٍّ منهم هو سيَّالٌ من الشخص الأساسي، وهذا النبيُّ أوصلَ سيالاته إلى درجاتٍ مختلفة العلوّ والدنوّ، بالنسبة لأعماله؛ وقد زاروا جميعًا كوكبَ الأرض في أوقاتٍ مختلفة، وبأسماء مختلفة، بينما حقيقتُهم نبيٌّ واحد يُرسَلُ إلى الأرض ليؤسس ديناً يناسبُ مع سيالات أبنائها في العصر الذي يتجسَّدُ فيه".1

وبما أن سيالات الإنسان تنطلق منه، صعودًا أو هبوطًا، خلال حياته، تبعًا للنظام الإلهي الذي نخضعُ له، فإن الموت يحدُث بمجرد انطلاق السيال الأخير منه. "وعندما تنطلقُ هذه السيالاتُ من الجسم، بواسطة الموت، تَرى في لحظةٍ واحدة نتيجة تصرُّفها في المدة التي أعطيت لها كي تتجرب على الأرض. فإما صعودٌ وهناء، وإما هبوطٌ وشقاء؛"2 إذْ ينتقلُ الإنسان عند ذاك إلى حياةٍ أُخرى جديدة، ويفتحُ عينيه ليجدَ نفسهُ في "واقعة" الجديد.3

---------------------------------------------

1الدكتور داهش: "قصص غريبة وأساطير عجيبة"، الجزء 3 (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1981)، ص 75 – 29.

2 الشاعر حليم دمُّوس: "أغرب الأسرار الداهشية"، مجلة "الدبور"، الحلقة 20,61 حزيران 1949.

3 الدكتور فريد أبو سليمان: "في رفقة الهادي الحبيب"، ص 445 – 448 . عبر الدكتور داهش، وهو بعدُ في ربيع شبابه، عن نظراته إلى الموت بالقول إنه: "يقظةٌ فتانة يحنُّ إليها كلُّ من صفتْ نفسُه وسَمَتْ رُوحُه، ويخافُها مَن كَثُفتْ أفكارُهُ وكَثُرت أوزاره." أما وجهُ الزوت الأشوهُ المرعب الذي يقضُّ، عادةً، مضاجعَ البشر، ويهدمُ أحلامهم، ويُدمِّرُ هناءة عيشهم، فإنه يبدو في أدبه، كما في فلسفته، وجهًا بهيًا، مُِرقًا بالنور، يقيضُ حُبًّا وحنانًا ورحمة.

--------------------------------------------

لكن، لا بد من التنويه بأن الدكتور داهش كان يعي تمامًا ضراوةَ التجارب التي يتعرض لها الإنسانُ في حياته، وضعفَه في مواجهتها. وكان يؤمنُ بأن العناية الإلهية تمنحُهُ الفُرص للتغلب عليها، وللارتقاء بسيالاته، وذلك عبر تقمصاتٍ متكررة.

          والتقمُّصُ، في نظره، ذو وجهين: الأول منهما يرمزُ إلى انتقال الإنسان من الحياة في الأرض إلى حياةٍ في عالم آخر من الكون. أما الثاني، فيرمزُ إلى الانتقال من حياةٍ إلى أخرى ضمن عالم الأرض نفسه. (سواءٌ أبلغها ارتقاء من عوالمَ سُفلية أم سُقوطًا من عوالمَ علوية) فإنه – أي ذلك الشخص – يتجسدُ مُجددًا على الأرض. كما إنه إذا كان له، في حياته أو بعد انطلاقه، سيالاتٌ ضمن درجة الأرض، ولكن في مستوى غير المستوى البشري، فإنه يتجسد عليها في مخلوقٍ أرضي آخر يُناسبُ مستواه مُستوى تلك السيالات. وفي هذه الحالة، فإن رُقيه أو تدنيه يكونان مُرتبطين بالنظام الخاص بهذا النوع من المخلوقات.

"وخلاصةُ القول إن سيالات الإنسان يمكنُها أن تتجسد أو تحلَّ في مخلوقاتٍ أرضية أُخرى، سواءٌ أكانت حيوانًا أم نباتًا أم جمادًا. والعكسُ صحيحٌ أيضًا؛ فإذا استحق سيَّالٌ متجسدٌ في مخلوقٍ أرضي غير بشريٍّ أن يتحول إلى الطبيعة البشرية، فإنه ينتقل إلى الإنسان الذي يستحقُّه"1.

          "أما اختلافُ الأديان والألوان البشرية، فهو ناتجٌ عن اختلاف السيالات وما يخلقُ هذا الاختلاف من أهلياتٍ واستحقاقاتٍ في المرء. فمن الأديان مثلاُ ما هو قريبٌ إلى المادة، وهو صالحٌ لفئةٍ من الناس. ومن الأديان ما هو في نصف الطريق بين المادة والروح، وهو صالحٌ لفئةٍ أخرى من الناس. ومن الأديان ما هو روحيٌّ محض، وهو صالحٌ لفئةٍ أخرى من الناس. ولكن جميع هذه الأديان ضروريةٌ تتممُ بعضها بعضًا، ويتدرجُ فيها البشَر على مرِّ العصور، فيأتي كل امرئٍ في اللون والدين الذي يستحقه ويتقبلُه ويستطيعُ أن يسيرَ بموجب تعاليمه، إذ إن رحمةَ الله وعدالتَه تغمران الكائنات بأسرها ولا تستثنيان أحدًا على الإطلاق".2

-------------------------------------------

1 الدكتور فريد أبو سليمان: "في رفقة الهادي الحبيب"، ص 436 – 438.

2 الشاعر حليم دمُّوس: "أغرب الأسرار الداهشية"، مجلة "الدبُّور"، الحلقة 4,62 تمُّوز 1949.

-------------------------------------------

          ويذهب الدكتور داهش مذهبًا خاصًا في ربطه طبيعة الأديان وتكيفها ومصيرها بمستوى سيالات البشر الروحية وتبدلها، فيقول: "إن الأديان المتعددة الموجودة بين الشعوب والأمم قد وُجدت لغايةٍ روحية، وإلا لما كانت. فالبوذيُّ يملكُ سيالاتٍ يستحقُّ عليها أن يكون بوذيًّا؛ والكونفوشيوسيُّ أيضًا؛ ومثله المسلمُ والمسيحيُّ... إذاً، فالأديانُ المختلفة ما كانت لتُوجَد لو لم تكن لها غاية"1.

          ويعتبر الدكتور داهش أن الإنسانَ "يولدُ عند والدين يكون قد أوصلً سيالاته ليُولدَ منهما."2 ومن المقرر في العقيدة الداهشية أن السيالات تنتقلُ بالزواج من الرجل أو المرأة، أو من كليهما، إلى أولادهما، بكل ما تحملُهُ تلك السيالاتُ من صفاتٍ جسديةٍ أو معنوية. وقد تتأتى للإنسان سيالاتٌ أخرى من غير والديه، سواءٌ في أثناء ولادته، أو في خلال مراحل حياته المختلفة، وهي سيالاتٌ عائدةٌ إليه من تقمصاتٍ أخرى له، في الأرض، أو في عوالمَ أخرى من الكون، أي إنها، في جميع الحالات، سيالاتٌ ذات صلةٍ به، وليست غريبةً عنه، على الإطلاق. ويتم انتقالُ تلك السيالات واكتسابها، على غير إرادةٍ من الإنسان، ووفق نظام إلهي دقيق وعادلٍ وضعهُ الله لجميع أبناء البشر، يخضعون له من دون أن تكونَ لهم يدٌّ في التحكم به. وهو يَسري عليهم بنسبة استحقاقهم في تقمصاتهم السابقة، وأعمالهم في حياتهم الحاضرة.

          ومن التفسيرات التي يُقدمُها مفهومُ "السيالات الروحية" لبعض غوامض الحياة أن "وجود السيالات في البشر، على تفاوُتٍ في العدد والميزة والدرجة بين فردٍ وفرد، هو الذي يُسببُ تباين القدرات الجسدية والعقلية، واختلافَ الميول والمذاهب النفسية عندهم. كما إن انسجامها وسُمُوَّها في الإنسانَ يبعثان السلامَ والاتزانَ في نفسه، وتناقُضَها وانحطاطها يُسببان الاضطرابَ والاختلال. كذلك، فإلى تشابُهها أو تبايُنها في الأشخاص والجماعات يعودُ التجاذُبُ والتحابّ أو التنافُرُ والتباغُض."3

---------------------------------------

1 من رسالةٍ مخطوطةٍ بقلم الدكتور داهش وجهها إلى الداهشيين تتضمن شروحًا وإيضاحاتٍ فلسفية.

2 الدكتور فريد أبو سليمان: "في رفقة الهادي الحبيب"، (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1997)، ص 445 – 448.

3 "معجزات وخوارق الدكتور داهش يرويها الصحفي لطفي رضوان"، ط 2 (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1997)، ص 87 – 89.

---------------------------------------------

ويُؤكد الدكتور داهش "أن الفناءَ الذي يطرأُ على الأشياء إنما هو تبدُّلٌ محصًورٌ في مظهرها الحسي النسبي، ولا يمسُّ جوهرها الحي... إذ إن السيالات التي كانت فيها خالدةٌ لا تفنى."1

          ولانقراض الكائنات العملاقة من الأرض تعليلٌ روحيٌّ في ضوء نظرية السيالات. ففي هذه النظرية أن "المخلوقات كانت في العصور الأولى أقل رُقيًّا ممَّا هي عليه الآن، أي إن نزعاتها الشريرة كانت هي المُتغلبة على النزعات الطيبة تغلبًا تامًّا.

          وهذا الوضع يتجلى في أشكالها الجسدية إذْ كانت تلك الأجساد قبيحة المنظر، مُرعبةَ الهيئات، تحيا طويلاً على الأرض، وكانت في حربٍ دائمة، كالديناسور والأُكتيوزور والماموث إلخ...

          "وعلى مرِّ العُهود وتوالي الأجيال، وبعد المحَن التي مرَّت بها الأرض ومَن فيها، ارتقَت تلك السيالات نوعًا، فكان من نتيجتها أن ارتقت الأشكالُ الجسدية التي تأخذها هذه السيالات في عصرنا الحاليّ. ونحنُ في تقدُّم دائم بفضل التلقيح السماويّ الذي يأتينا بصورةٍ مستديمةٍ من السماء، والمُتجلي بالأنبياء والمُصلحين والهُداة والعُلماء والحُكماء الذين يأتونَ إلى الأرض في كلِّ أُمَّةٍ من الأمم وفي كل شعبٍ من الشعوب وفي كل دورٍ من أدوار التاريخ الأرضيّ، إلى أن يحل ملكوتُ الله المُتنبأُ عنه والذي سيتمُّ بعد انتصار الخير الساحق على الشرِّ الباطل".

          وفي السياق نفسِه، تؤكد النظرية أمرًا مهمًا مَفادُه أن البشر مسؤولون مسؤوليةً جماعية، فضلاً عن مسؤوليتهم الفردية، في تحقيق هذا الانتصار: "أما نحن، معشر البشر، فعمالٌ في هذا العراك الغير المنظور. ومن نتيجة أعمالنا، إما أن يتأخر مجيءٌ ذلك العهد الروحيِّ العادل، وإما أن يتقدم أجلُه.

          و"القضيةُ مُهمَّةٌ جدًّا بالنسبة إلى كلِّ فردٍ منَّا، إذ لا يمكننا التملُّصُ من نتائج الأحوال العامة التي يخلقُها في المجتمع انتصارُ الخير أو انتصارُ الشرّ.

          "هذه هي مسؤوليتنا الجماعية. أما مسؤوليتنا الفردية، فهي تامةٌ ثابتة بموجب قوانين غير منظورة..."2

----------------------------------------

1 المرجع السابق، ص 87 – 89.

2 الشاعر حليم دمُّوس: "أغرب الأسرار الداهشية، مجلة "الدبُّور"، الحلقة 20,61 حزيران 1949.

-----------------------------------------

ولنظرية السيالات، أيضًا، دورٌ كبيرٌ في مجال معرفة النفس وتهذيبها، وبالتالي في تحقيق الارتقاء بها نحو الأسمى. فهي تُسلطُّ الضوء على ما خفي عن الإنسان في ذاته، فتبدو صُورتُها أمامه، كما هي على حقيقتها، لا كما صورتها له خيالاتُهُ وأوهامُه. فبدلَ أن يرى فيها تمامَ الكمال، ويعمى عما فيها من قبيح، يراها بكل ما فيها من قبيحٍ وحسن. وفي هذه الحال، يُمكنُهُ، إذا شاءَ مَحْو الشوائب عنها بالمُجاهدة والثبات، وبعدم الانصياع لما فيها من نَزعاتٍ شوهاءَ باطلة.

          ففي مفهوم "السيالات" أن مُيول المرء وتوجهاته في الحياة هي سيالاتٌ روحيةٌ ذات درجاتٍ روحيةٍ مختلفة؛ فمنها الخيرة، ومنها المادية، ومنها الشريرة التي تدفعُ إلى ارتكاب الشرور. "فالبُخل سيَّالٌ درَّاكٌ مسؤول؛ وهكذا الكرم. والظُّلمُ سيَّالٌ درَّاكٌ مسؤول؛ وهكذا العدل؛ والكسَلُ والنشاط، والبُغضُ والحُبّ، والشراهةُ والاعتدال، والطمعُ والقناعة، وهكذا قُل عن بقيَّة النزاعات والنزوات التي يِشعُرُ بها كلُّ إنسان...

          والحربُ مُشتعلةٌ بين الحسن والقبيح، أي بين الخير والشرير. ومصيرُ الروح مُتعلقٌ بنتيجة معركة سيالاتها الأرضية..."1

          وفي قصةٍ بعنوان: "حُلمٌ مهيبٌ رهيب"، يكشفُ الدكتور داهش النقاب، في ما يكشف، عن السبب الرئيس الذي يقفُ وراءَ ارتكاب الإنسان للمحرمات، وانقياده للرغبات السفلية، والذي لا يعدو كونه سيالاتٍ عائدة له، كما سيأتي.
          يروي الدكتور داهش في قصته مُشاهداته حُلم تراءَى له، جابَ في خلاله "محيطات الأوقيانوسات الفضائية"، كما يقول، وأُخذ بما رآهُ من "كوكبَ نيرةٍ، أبعادُها مختلفة، ومن سُدُمٍ يَعمرُ بها محيطُ السماوات، ورُجوم تتناثرُ، وبُروقٍ تتصافحُ فتنيرُ المسافات الشاسعة!... ومن مُكوناتٍ إلهيةٍ مُذهلة..." ويُضيفُ قائلاً: "واستمر سبحي، واستمرت المشاهدُ المُذهلة تَترى، والشوقُ بي يزدادُ لاكتشاف أسرار هذه المجهولات الموصدة الأبواب منذ تكوينها. أخيرًا، وجدتُني أقتربُ من كوكب الطمأنينة الغارق بسعادته الخالدة الأبدية المُتع، وكانت سُرعتي مُضاعفةً مراراً عن سرعة النُّور".

          في ذلك الكوكب، يلتقي الدكتور داهش غادةً قال فيها إن البدرَ يخجلُ إذا التقاها، "فجمالها أُسطورةٌ تُروى، فهو فوق الوصف البشري المحدود التعريف".

-----------------------------------------

1 المرجع السابق

------------------------------------------

ثم يتابعُ قائلاً: ورحبتْ بي بعبارةٍ اخترقت برقتها شغافَ روحي، فشعرتُ بسعادة السماء تغمرُني، وتلفُّ وجودي، وتُغلِّفُ كياني...".

          هنا يَلفتُ الدكتور داهش إلى جانبٍ هامّ من فلسفته، وهي إمكانية وجود سيالاتٍ روحيةٍ للإنسان مُتجسدةٍ في عوالمَ علويةٍ، في الوقت الذي ما يزالُ فيه حيًّا على الأرض. فبعد أن أرتهُ الغادةُ بعض غرائب ذلك العالم العلوي الذي وصل إليه، أعلمتُه بأنها سيَّالة، وأنه قد أوصل هذا السيال إلى هذا العالَم، إذ لو لم يكن له سيَّالٌ فيه لما سُمح له بالدخول إليه.

          بعد ذلك، تكشف له هناك أن سيالات الإنسان موزعةٌ في عوالمَ مختلفة الدرجات، وأن بعضها يؤثرُ في بعض عبر تلك العوالم. كما عرفَ سبب انجذاب الإنسان إلى الشر، وانسياقه الأعمى وراءَ الرغبات والأهواء الدنيئة. وقد أوضح ذلك في قصته بالقول:

"... واقتادتني ] الغادة[ إلى جبل المعرفة، ومن قمته كنتُ أُشاهدُ سيالاتي الموجودة بعوالمَ عديدة، منها عوالمُ لا بأس بها، ومنها عوالمُ تعيسة. وبعين العجب العظيم كنتُ أُشاهدُ سيالاتي الموجودة بعوالمَ منحدرة الدركات وهي تُرسلُ إشعاعاتها لسيالاتي الأخرى الكائنة في عوالمَ رفيعة، حاضنةً إياها على ارتكاب الممنوعات والمحرمات بغية إسقاطها وسحبها إلى الدركات المُنحدرة بالأَغوار السحيقة حيث تقبعُ سيالاتي.

          "... ففهمتُ، إذ ذاك، أن ما يُساورنا من رغباتٍ لارتكاب المحرمات هو منا وفينا، أي إنَّ سيالنا الموجود بدركٍ سحيق هو الذي يعملُ جاهدًا ليدعنا نسقُط؛ فإما يفشل أو يُكتب له الفوز. إذاً لا يستطيع أيُّ سيَّالٍ خارجي أن يدعنا نسقُط، فهذا الأمرُ ممنوع منعًا باتًا. وإذا سقطنا فيكونُ سقُوطنا من سيالنا الذي نحنُ أوصلناهُ بأعمالنا إلى دركٍ سُفليّ، فأصبحَ يرغبُ في الانتقام منا، وجعلنا ننقادُ لإيحائه بواسطة الإشعاع الذي يُرسلُه ليُوقعنا بشباكه، وهنا الطامَّةُ الكبرى".

          ويَخلصُ الدكتور داهش إلى القول إن موقف الإنسان من إيحاءات هذا السيَّال السُفلي يترتبُ عليه ارتقاءُ الإنساغ، وبالتالي مكافأتُه بعالَم عُلويٍّ سعيد، أو سُقوطُه، وبالتالي معاقبتُه بعالمٍ سُفليٍّ يَشيعُ فيه الشقاءُ والعذاب. والارتقاءُ والسقوط يتحققان بنسبة مقاومته لهذا السيَّال ومُجاهدته، أ, الانصياع لأمره والاستسلام لإرادته، ومن خلالهما تتحققُ العدالةُ الإلهية، ثوابًا أو عقابًا. وبذلك، يؤكدُ الدكتور داهش، من جديد، أن الإنسان مخيَّرٌ، غير مسيَّر، وهذا ما يجعلُه مسؤولاً تمامًا عمَّا يأتيه من خيرٍ أو شرٍّ في حياته. بل إنه يذهبُ، في قصته، إلى أبعد من ذلك، فيجزمُ بأن الإنسان هو الذي يكافئ نفسه أن يجازيها، وذلك وفقَ قوله:

"إذا رُقينا أو انحدارُنا يكونُ بنسبة مُقاومتنا وجهادنا أو خصوعنا واستسلامنا لوسوسات سيالنا السفلي. فإذا انصعنا لرغبته فنفذنا أوامرَه وارتكبنا الممنُوعات، فإذا ذاك لا بُدَّ من أن نسقُط وننحدرَ لدركه. وإذا لم ننصع لأوامره ونواهيه، نرفعُ سيالنا ونُوصلُه إلى ملإٍ عُلويّ. وهذه هي العدالةُ الإلهية إذ يُجازي كلٌّ منا بحسب عمله، أو بالأحرى نحنُ الذين نُجازي أنفسنا فنُوصلُ سيالاتنا إلى درجة علويةٍ، أو دركةٍ سُفليةٍ، وما ربُّكَ بظالمٍ لخلائقه، إنما لأنفسهم يظلمُون."1

          يظهرُ، من خلال ما تقدَّم، أن الدكتور داهش أبرزَ، في قصته، جانبًا مُهمًّا من فلسفته يتعلِّقُ بموضوع السيالات الروحية، وبالتحديد توزُّع سيَّالات الإنسان في العوالم المختلفة الدرجات، وكيفية تأثير سيالاته المتجسدة في العوالم السفلية على سيالاته في الأرض، بُغية إسقاطها. لكنه، وإن قصرها على تأثير سيالات الإنسان الأدنى من مستوى الأرض على سيالاته الأرضية، فهو لم يُغفل الجانبَ الآخر منها، أعني كيفية التأثير بين سيالاته الموجودة في العوالم العُلويَّة وسيالاته في الأرض. وقد اخترتُ، للكشف عنه، قطعةً أدبيةً له بعنوان "شجرة معرفة الخير والشرّ"، سبقتْ كتابتُهُ لها كتابةَ القصَّة السابقة بسبع سنوات، وأبرزَ فيها، ليس فقط تأثيرَ ما هو عُلويٌّ على ما هو في الأرض، بل التاثيرَ المُتبادَل بينهما.

          في هذه القطعة، يروي الدكتور داهش مُشاهداته في حُلمٍ رآه، فقال:

          "حلُمتُ أنني أرتعُ في جنةٍ دانيةٍ قُطوفُها، ورائعةٌ أزهارُها، وباسقةٌ أشجارُها، وصادحةٌ أطيارُها، وعذبةٌ أنهارُها، ومُذهلٌ ليلُها ونهارُها! وسرتُ بين الورود والرياحين، والأضاليا والنسرين، والبنفسج والياسمين!... وكان الفراشُ يُحوِّمُ حول هذه الأزهار وهو مُوشًّى بألوانٍ عجيبةٍ تُذهلُ من يراها".

          ويُتابع الدكتور داهش عرضه لتلك المشاهد بوصفه شجرة معرفة الخير والشر الغريبة الثمر، ويؤكدُ وجودَ السيالات في ذلك العالم السعيد، فيقول:

--------------------------------------------

"الدكتور داهش: "قصصٌ غريبة وأساطير عجيبة"، الجزء 3، ص 75 – 92.

----------------------------------------------------------

"وفجأةً شاهدتُ شجرةً عجيبة، غضة الأغصان، باسقة الأفنان، وراعني منها آلاف من الأثمار المتنوعة، كل منها شهيّ. فدنوتُ منها، وكانت مثقلةً بما تحملُّه من الفواكه اللذيذة. وذَهلتُ إذْ شاهدتُ كل ثمرةٍ ينبثقُ منها خيطٌ نُورانيٌّ ممتدٌّ بصورةٍ لا نهائية، ووجهتُه كُرتُنا الأرضية. وكانت آلافٌ من السيالات تجوبُ هذه الحديقة العجيبة الغريبة، وكلٌّ منها يتذوَّقُ ثمرةً منها".

          بعد ذلك يصفُ الدكتور داهش كيفية تأثير السيال منها على سيَّال الشخص الأرضيّ الذثي يتبعُ له، وبالعكس؛ فكأنَّ المرءَ في الأرض كنايةٌ عن شبكةٍ من السيالات مُتصلة الحلقات ما بين العوالم، تُؤثرُ كلُّ حلقة منها في الحلقات الأخرى، دون أن تُلغى الوحدةُ الجوهريةُ بينها، ودون أن تُمسَّ حريَّةُ اختيار الإنسان ما بين الخير والشرّ، لانتفاء وجودي أي سيالٍ خارجي مؤثرٍ فيه، على حد قوله. فسيالاتُ الإنسان المُوزَّعة بين الأرض والعوالم تُشكِّلُ في مُجملها شخصيته، وكلُّ سيَّالٍ من تلك السيالات فقط يؤثرُ فيها، سلبًا أو إيجابًا. وهذا بعضُ ما جاءً من وصف في القطعة:
          "تملَّكتني حيرةٌ شديدة!... وفجأةً دوَّى صوتٌ رهيبٌ مَهيب، قائلاً لي:

          "- إنَّ كلَّ سيَّالٍ يتذوقُ من هذه الثمار هو تابعٌ لمخلوقٍ بشري يعيشُ في (دنيا الأرض) حيث أنت تعيشُ أيضًا. فإذا تذوق السيَّالُ ثمرةً لذيذة، أثر مذاقثها في الشخص الموجود بدُنياكم. وبعكس هذا إذا تذوق السيَّالُ ثمرةً ما لا تحتوي سيَّالاً عُلويًّا، فإنه يؤثرُ بالسيال الموجود في عالَم الأرض، فيرتكبُ الشخصُ عملاً غير شريف يدَعُهُ يَسقط؛ وما سُقوطُه إلاَّ بسبب تذوُّق السيَّال لثمرةٍ من الممنوعات. وهكذا الشخصُ الموجود في عالَم الأرض باستطاعته أن يدَعَ السيَّالَ الموجود في هذا العالَم يرتقي أو يسقط بواسطة أعماله...".

          ويُنهي الدكتور داهش قصَّته بالقول:

          "وصمتَ الصوت. وكانت السيَّالاتُ مُنهمكةً بتناول شتَّى أنواع الثمار، من ممنُوعةٍ وغير ممنُوعة..."1

                                                ***********

----------------------------------------

1 الدكتور داهش: "حدائق الآلهة تُوشيها الورود الفردوسيَّة"، الجزء 4: "التائه في بيداء الحياة" (دار النسر المُحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980)، ص 87 – 89.

-------------------------------------------

هذا البحث لا يعدو كونَه مدخلاً موجزًا إلى نظرية السيالات في فكر الدكتور داهش، أشرتُ فيه إلى عدة موضوعاتٍ تتصلُ بها، وتضعنا أمام رؤية جديدةٍ للحياة. وهو مقصورٌ على الجانب المتعلق بالإنسان في النظرية دون الحيوان والنبات والجماد، وذلك لضيق الحيز المُتاح. وحريٌّ بالقول إن الوقوفِ عليها (أي على النظرية) يتطلبُ قيامَ أبحاثٍ عدة تتناولُ مظاهرَ السيالات، وعلاقاتٍ بعضِها ببعض، وأثرها في مسيرة الحياة. حسبُ الدكتور داهش أنَّه قدم نظرةً قد تُدنينا من الحقيقة التي رَهنَ عُمرَه من أجلها، وتشوَّقَ للاندماج بها. ومَن يدري، فلعلَّ الحقيقة لا تُسلمُ قيادَها إلا لأمثاله.

Developed by WARM Studios        Copyright 2017 This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.nfo All Right Reseved This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.