أنا أؤمن بأنه توجـد عدالة سماويّة, وأن جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدنيا من مُنغصات انَّ هـو الاّ جـزاءٌ وفاق لِما أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور.ولهـذا يجب علينا أن نستقبلَ كلّ مـا يحـلّ بنـا من آلامِ الحياةِ ومآسيها غير مُتبرّمين ولا متذمّرين , بل قانعين بعدالةِ السماء ونُظمها السامية.

Highlighter
أحبُّ الكُتُبَ حبَّ السُكارى للخمر , لكنَّني كلَّما أزددتُ منها شرباً, زادتني صَحوا
ليس مّنْ يكتُبُ للهو كمَن يكتُبُ للحقيقة
الجمالُ والعفّــة فـردوسٌ سماويّ .
لا معنى لحياةِ ألأنسان اذا لم يقم بعملٍ انسانيٍّ جليل .
اعمل الخير , وأعضد المساكين , تحصل على السعادة .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقـوم بأعمالِ الخير نحـو ألأنسانيّة .
الموتُ يقظةٌ جميلة ينشُدها كل مَنْ صَفَتْ نفسه وطَهرت روحه , ويخافها كلّ من ثقُلت أفكاره وزادت أوزاره .
ان أجسامنا الماديّة ستمتدّ اليها يـد ألأقـدار فتحطِّمها , ثمّ تعمل فيها أنامل الدهـر فتتَّغير معالمها , وتجعلها مهزلةً مرذولة . أمّا ألأعمال الصالحة وألأتجاهات النبيلة السّامية , فهي هي التي يتنسَّم ملائكة اللّه عبيرها الخالد .
نأتي إلى هذا العالمِ باكين مُعولين، و نغادره باكين مُعولين! فواهً لك يا عالمَ البكاء والعويل!
جميعنا مُغترٌّ مخدوعٌ ببعضه البعض.
العدلُ كلمة خُرافية مُضحكة.
أمجادُ هذا العالم وهمٌ باطل، و لونٌ حائل، و ظلٌّ زائل.
لا باركَ الله في تلك الساعة التي فتحتُ فيها عينيّ فإذا بي في مكانٍ يطلقون عليه اسم العالم .
أنا غريبٌ في هذا العالم، و كم احنُّ إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.
الحياةُ سفينةٌ عظيمة رائعة تمخرُ في بحرٍ، ماؤه الآثام البشريَّة الطافحة، و امواجه شهواتهم البهيميَّة الطامحة، و شطآنه نهايتهم المؤلمة الصادعة.
كلّنا ذلك الذئبُ المُفترس , يردع غيره عن اتيانِ الموبقاتِ وهو زعيمها وحامل لوائها , المُقوّض لصروح الفضيلة , ورافع أساس بناءِ الرذيلة .
الحياةُ سلسلة اضطراباتٍ وأهوال , والمرءُ يتقلَّب في أعماقها , حتى يأتيه داعي الموت, فيذهب الى المجهولِ الرهيب , وهو يجهلُ موته , كما كان يجهلُ حياته .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقومَ بأعمالِ الخير نحو الانسانيّة .
المالُ ميزان الشرِّ في هذا العالم .
السعادةُ ليست في المال , ولكن في هدوءِ البال .
كلُّ شيءٍ عظيمٍ في النفسِ العظيمة , أمّا في النفسِ الحقيرة فكلُّ شيءٍ حقير .
الرُّوح نسمةٌ يُرسلها الخالق لخلائقه لأجل , ثم تعودُ اليه بعجل .
الرُّوح نفثةٌ الهيَّة تحتلُّ الخلائق , وكل منها للعودة الى خالقها تائق .
الرُّوح سرٌّ الهيٌّ موصَدْ لا يعرفه الاّ خالق الأرواح بارادته , فمنه أتتْ واليه تعود .
أنا أؤمن بأنه توجـد عدالةٌ سماويّة , وأنَّ جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدُّنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدارٍ انَّ هـو الاَّ جـزاء وفاق لمِا أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور . ولهـذا يجب علينا أن نستقبل كلَّ مـا يحـلُّ بنـا من آلام الحياة ومآسيها غير م
الحرّيةُ منحة من السماءِ لأبناءِ ألأرض .
الموتُ ملاكُ رحمةٍ سماويّ يعطف على البشر المُتألّمين , وبلمسةٍ سحريّة من أنامله اللطيفة يُنيلهم الهناء العلويّ .
ما أنقى من يتغلّب على ميولِ جسده الوضيع الفاني , ويتبع ما تُريده الرُّوح النقيّة .
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
الراحة التامّة مفقودة في هذا العالم , وكيفما بحثت عنها فأنت عائدٌ منها بصفقةِ الخاسر المَغبون .
ليس أللّــه مع الظالم بل مع الحقّ.
ان الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الكاذب.
ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين وغوث الملهوفين والحنو على القانطين , وما أقلَّ تنفيذهم القول.
يظنُّ بعض ألأنذال ألأدنياء أنّهم يُبيّضون صحائفهم بتسويدِ صحائف الأبرياء , غير عالمين بأنَّ الدوائر ستدور عليهم وتُشهّرهم.
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السَّلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
رهبة المجهول شقاء للبشرِ الجاهلين للأسرارِ الروحيَّة , وسعادة للذين تكشّفت لهم الحقائق السماويَّة .
الموتُ نهاية كل حيّ , ولكنه فترة انتقال : امّا الى نعيم , وامّا الى جحيم .
الحياةُ خير معلِّمٍ ومُؤدِّب , وخيرَ واقٍ للمرءِ من الأنزلاقِ الى مهاوي الحضيض .
حين تشكُّ بأقربِ المُقرَّبين اليك تبدأ في فهمِ حقائق هذا الكون .
مَنْ يكون ذلك القدّيس الذي لم تخطرُ المرأة في باله ؟ لو وجدَ هذا لشبَّهته بالآلهة .
المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السُّلطان. و هي تحملُ بيدها سيفاً قاطعاً لو حاولَ رجالُ الأرض قاطبةً انتزاعه منها لباؤوا بالفشلِ و الخذلان .

الدكتور محمد علي شمس الدين

شاعرٌ لبناني. يحمل دكتوراه دولة في التاريخ من الجامعة اللبنانية. عضو الهيئة الإدارية في "اتحاد الكتاب اللبنانيين" وعضوٌ في "اتحاد الكتاب العرب" بدمشق. شارك في عدة مؤتمرات وملتقيات شعرية وفكرية وأدبية في لبنان وخارجه. ترجم شعره إلى لغاتٍ أجنبية، وكان موضوعًا لدراسات وأبحاث كثيرة. من أعماله الشعرية: "قصائد مهربة إلى حبيبتي آسيا" (1975)، "أناديك يا ملكي وحبيبي" (1979)، "الشوكة البنفسجية" (1981)، "منازل النرد" (1999)، "شيرازيات" (2005). ومن مؤلفاته النثرية: "رياحٌ حجرية" (1981)، "كتاب الطواف" (1987).

 

"نشيد الأنشاد"

قصيدة الحبِّ الخالد

سيرة الكتاب

بين مؤلفات الدكتور داهش(1909 – 1984) الأدبية التي تربو على المئتين، شعرًا ونثرًا وسيرة، يأخذ كتابهُ الجميل في الحب "نشيد الأنشاد" موقعًا خاصًا. فهو يُعيد من خلاله صياغة قصة الحب الخالدة المنسوبة للملك سُليمان، كما وردت في أحد أسقار العهد القديم، مع إضافاتٍ وافتراضاتٍ إبداعية، بلُغةٍ شعريةٍ شفافة، ومن خلال أناشيد متتالية في الحب والرغبة، هي أشبهُ ما تكون بأمواجٍ هادئةٍ للبحر العظيم الذي هو بحر الحب، تتدافع على شاطئ الوجود.

          كتب المؤلف هذا السفر الجميل في العام 1943، أو على وجه الدقة، كما ورد في الصفحة الأخيرة منه، في 25 نيسان 1943، يوم الأحد، في بيروت؛ أي بعد عام ونيفٍ من تأسس العقيدة الداهشية، وإعلان دعوته في 23 آذار 1942. واهتمامُه بالحب هو جزءٌ من اهتمامه الروحي الشامل؛ ذلك أن الحب من العالم هو بمثابة القلب من الجسد. والمؤلف مبكر في صيرورته الكتابية؛ "فنشيد الأنشاد" هو العشرون في سلسلة تراثه الإبداعي. ولعل دافعَه إلى كتابته، على ما وردَ في الصفحة الأولى منه، هو رغبتُه في إدراك كُنه الحياة، وملامسةِ سرِّها العميق الخفي المتمنع على سعي الكائن البشري مهما أوتي من العظمة والقدرة على الغرائب والمعجزات. فهو يقول مخاطبًا الإنسان.

          "ليت شعري، أيها المرءُ... إذ مهما كنتَ عظيمًا] ...[ فإن في أعماق الحياة شيئًا لا يُدرك، ولا تُعرف ماهيته وكُنهه".

          كما إنه، في إشارةٍ له كتبها في الولايات المتحدة الأميركية (الساعة الخامسة بعد ظهر 3- 1 – 1983)، يلخص قوة الحب والمرأة من خلال سلطتها على "نبي كريم وملكٍ عظيم وذكيًّ فهيم ولوذعي حكيم" هو الملك سُليمان، النبي الخالد الذي يُهدي إليه كتابه. وقد صدر بطبعةٍ قشيبةٍ مُزينةٍ بالرسوم الطبيعية والفنية، ومخطوطةٍ بقلم الشاعر الفنان ياسر بدر الدين، عن "الدار الداهشية للنشر" (نيويورك، 1985). فالدكتور داهش، مفتونًا بنشيد الملك العظيم النبي سليمان الحكيم الذي أنشدهُ قبل ثلاثة آلافٍ من الأعوام، يُعيد إلى النبع ما أخذه، ولكنه يكون قد اغتسل بماء النبع، وتعمَّد بمعموديته.

نشيد الأنشاد: النص الخصب

عُرف هذا السفر العبري القديم من العهد العتيق من الكتاب المقدس، المكتوب بالآرامية، وشاع باسم"نشيد الأناشيد". ومثلما يقال "معنى المعنى" أو "روح الروح"، فإن "نشيد الأناشيد" هو النشيد الأسمى بين الأناشيد، أو الأفضل. وإذا كانت "الأنشاد"، كما في عنوان الدكتور داهش، جمْعَ نشيد، مثلما هي الأناشيد، فيكون المعنى واحدًا. أما إذا كانت كلمة "إنشاد" بالهمزة المكسورة لا المفتوحة، فيغدو الإنشاد مصدرًا، فالمعنى يختلف قليلاً، ولكنه لا يبتعد عن الأصل، والقصدُ جوهرُ الأناشيد. وقد وقعتُ في العربية على ترجمات لـ"نشيد الأناشيد"، بعضُها عن الفرنسية وبعضها عن الإنجليزية. من بينها ترجمةُ الكاتب الفلسطين محمود شُريح التي ضمنها كتابه "نشيد الأناشيد وصِلتُه بأغاني الزفاف الفلسطينية في سورية القديمة" (دار نلسن، ط1، 2008). كما إن الشاعر اللبناني أُنسى الحاج ألَّفَ نصًا على "نشيد الأناشيد"، سمَّاه التسمية نفسها، واعتبر صنيعه هذا "توزيعًا" جديدًا للنص الأم، وأعطاهُ شكل قصيدة النثر، ووزعه على مطلعٍ وأربع عشرة قصيدةً وخاتمةٍ. كما إنه جرده من تسمية النبي سليمان، والصبية العاشقة المعشوقة، الشولمية، وبنات أورشليم، ليجعل الأناشيد على لسان العاشق الذي يسميه "هو"، والعاشقة التي يرمز إليها بـ"هي"، والجوقة... وهذا الصنيع هو نصٌ على نص، بأخذ روحه وكيانه من النشيد الأم. وهو من منشورات "دار النهار للنشر"، الطبعة الأولى 1967.

          من خلال المقارنة، نلاحظ أن الدكتور داهش قد سبق بكتابه "نشيد الأنشاد" كلاً من كاتب النص على النص، أُنسي الحاج، بحوالى ربع قرن (بين 1943 و1967)، ومترجمِ "النشيد" إلى العربية من الإنكليزية محمود شريح بخمسةٍ وستين عامًا (بين 1943 و2008). فهو، على عذوبة نصه الشعري، أسبقُ مبادرة، وأكثر تبكيرًا من سواه، للارتواء من نبع الحب السرمديِّ "نشيد الأناشيد". وكتابة الدكتو داهش في كتابه ليست ترجمة للكتاب الأم، ولكنها نصٌّ شعريٌّ على نص آخر. لهذه الناحية، فإن كتاب أنسي الحاج مسبوقٌ بكتاب الدكتور داهش. وهناك تغييرٌ آخر عن النص الأم يجريه الدكتور داهش، ويتعلق بالصبية؛ فهي هنا الملكة سبأ، كما يسميها، ولعل المقصود "بلقيس" ملكة سبأ في اليمن التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، وما كان بينها وبين الملك سليمان من قصة، وتباري الجن في سرعة نقل عرشها إلى قصر الملك...

هذا، على أن "نشيد الأناشيد"، كما هو في أصله من العهد القديم في الكتاب المقدس، يجعل الصبية المعشوقة المتيمة من بلاد كنعان؛ ففي النص المقدس ذكرٌ لبعض الأماكن السورية القديمة، ولم يرد فيه ذكر لسبأ واليمن وبلقيس. يقول العاشق:

          "هلمي معي من لبنان أيتها العروس، معي من لبنان، انظري من رأس أمانة، من راس سنير وحرمون، من مرابض الأسود، من جبال النمور." (8:4 – ص 61، شريح، محمود: "نشيد الأناشيد") ؛ كما ثمة ذكر لأرز لبنان:

"ساقاه عمودًا رخام موضوعان على قاعدتين من إبريز، وطلعته كلبنان. هو مختار كالأرز." (15:5 – ص 66، شريح، المرجع السابق). ويرد أيضًا ذكر مكان في لبنان: "باتر"، وجبل جلعاد في فلسطين:

          "شعرك كقطيع معزٍ يبدو من جبل جلعاد" (4:6 – ص 67، شريح، المرجع السابق).

          وهكذا، فالإشارات المكانية في النص الأم هي لبلاد كنعان، ولبنان، وسورية القديمة. لكن ما يستوقفنا هو وصف الصبية لنفسها بالسواد. والسواد ليس لونَ سكان تلك المناطق، بل لعله أقرب من سكان اليمن؛ وهو لون بلقيس ملكة سبأ. جاء في "نشيد الأناشيد" نصًا:

          "أنا سوداء، لكني جميلةٌ، يا بنات أُورشليم، كأخبية قيدار، كسرداق سليمان. لا تلتفتنَ إلى كوني سوداء، فإن الشمس قد لوحتني. قد غضب عليَّ بنو أُمِّي، فجعلوني ناطورةً للكروم، والكرم الذي لي لم أنظُرْه" (4:1 و 5:1 "نشيد الأناشيد"، ص 51 و52، شريح)

          هناك، أيضًا، في "نشيد الأنشاد" للدكتور داهش مقطعٌ يتكرر على لسان العاشق "سليمان" موجَّه إلى بنات أورشليم، يقسم فيه عليهنَّ بالاَّ يوقطن حبيبته إلا حين تشاء:

          " يا بناتِ أورشليم،

          أقسمُ عليكنَّ

          بخشفِ الغابِ

          وبمهى الأدغال،

          أن لا توقظنَ فاتنتي

          حتَى تشاء!..." (ص 40،"نشيد الأنشاد")

          يُعادُ الطلب ذاتُه ص (50) وص )106) مرتين، وهو بلسان الملك سليمان، وذلك على خلاف ما وردَ في الأصل من "نشيد الأناشيد" من حيث أن الطلب معكوس؛ فهو يردُ على لسان الصبية ويتعلق بعدم إيقاظ سليمان، وليس العكس.

          "أستحلفكنَّ، يا بنات أُورشليم، بظباء وأيائل الصحراء أن لا تُنهضن ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء". (2:7 – ص 55، شريح). كذلك يتكرر الطلب نفسُه في أماكنَ أُخرى بالصيغة نفسها. (5:3 – ص 58 و 4:8 – ص 73)

          حافظ الدكتور داهش في نصِّه الشعريِّ على روح "نشيد الأناشيد" لجهة أنَّه إنشادٌ رعويٌّ للحبِّ والرغبة، كما حافظَ على الشكل الحواريِّ المسرحيِّ لأناشيد الحبِّ المتتالية. فنحن في الحقيقة، وعلى وجه الدقَّة، لسنا أمام عملٍ مسرحيٍّ لجهة الأشخاص والمصائر والحوار والمسرح، سواءٌ كان ذلك بالمفهوم اليونانيِّ القديم للمسرح أو بالمفهوم الحديث. ولكننا أمام أناشيد متتالية، على لسان كل من العاشق والعاشقة وبنات أُورشليم (الجوقة أو الجماعة المُنشِدة)؛ وهي أقرَبُ لأن تكون مونولوجات (خطابات إفرادَّية) أكثرَ ممَّا هي ديالوجات (حوارات بين اثنين وأكثر). كما إن المسرح شاسعٌ واسع هو بمساحة مملكة النبي سليمان القديمة. وعلى الرغم من أن الكاتب يجعل الصبية هي الملكة سبأ، أي يُخرجها من صفوف عامَّة الناس أو الرعية الرعوية، فإنَّه يحافظ على الصيغة الثلاثية لأشخاص الأناشيد، وهم: صوت الملك النبي العاشق سليمان، وصوت العاشقة الملكة سبأ، وصوت الجماعة أو الجوقة المتمثل بعذارى أورشليم أو بنات صهيون. كما حافظ على جعل علاقة الحب والغزل تنشأُ فقط بين كلٍّ من الملك سليمان والملكة سبأ، ولم يُدخل إلى هذه العلاقة عنصرًا ثالثاً يحوِّرها أو يصرفها عن أساسها.

          فـ"نشيد الأناشيد"، في أساسه، أناشيدُ حبٍّ يبلغ عددها مئةً وسبعةَ عشرة، موزعةً على ثمانية فصول، تتبادلها صبيَّةٌ عاشقة مع عاشقها في بيئةٍ رعويَّة أو في بريَّةٍ رعويَّة – هي في حدود البيئة السورية القديمة، المتمثلة أساسًا في فلسطين ولبنان وسورية – وقطبا العشق: الصبية الراعية والعاشق الراعي، والراعي هو "ملكها"، كما تناديه؛ وهذا ما ترك احتمالاً لدى بعض المحللين للنص الأم يرى إلى علاقة الحب الرعوية على أنها ثلاثيةٌ لا ثُنائية، أي هي قائمة بين الصبية الراعية العاشقة والراعي العاشق، يدخل على هذه العلاقة الثنانية الملكُ سليمان، فتغدو العلاقة ثلاثية؛ فهو يستميلها إليه بقوته وجمالها وجبروته، وينقلها إلى قصره، لكنها تبقى وفيةً لحبيبها الراعي، فيعيدُها الملك إليه.

          وكان أوَّل من أشار إلى هذا الاحتمال الباحث اليهودي ابن إزرا Ibn Ezra الذي يرى العلاقة ثلاثية، وليست ثنائية. ولكن ما العمل بمناداة الملك وتسميته في الأناشيد؟

          يرى الباحث Wetzstein، في بحثٍ له نشره في العام 1873 ودرس فيه عاداتِ وتقاليدَ الأعراس والزواج في بلاد الشام والألقابَ التي كان يطلقها الفلاحون على كل من العريس والعروس خلال احتفالات الزواج، أنهم كانوا يعاملون العريس والعروس، على امتداد أيام الاحتفال السبعة، على أنهما ملك وملكة. لذلك فإن تسمية الملك، ليست مخصصة للملك الحاكم الفعليّ، بل هي لقبٌ مؤقت لكل عريس على امتداد سبعة أيام العرس. وقد رأى باحثٌ آخر هو Budde في نشيد الأناشيد "مجموعة أغانٍ فلسطينية تُنشد في الأعراس" (يُنظر شريح، ص 79 – 80). وثمة من رأى من الباحثين أن "نشيد الأناشيد" لم يُكتبْ في عصرٍ واحدٍ هو عصرُ الملك سليمان (في القرن الخامس عشر قبل الميلاد)، بل هو مكتوبٌ على امتداد عشرة قرون تبدأ من القرن الخامس عشر وتنتهي في أيام الحكم الفارسي في القرن الخامس قبل الميلاد. وهذا الرأي يراه غوردس Gordis في العام 1954. كما كان رأي جاسترو Jastrow، في العام 1911، أن مؤلف الأناشيد ليس واحدًا، بل عدَّةُ مؤلفين، وبالتالي فهو تراثٌ شعبيٌ يضيف الخلفُ فيه للسلفَ على غرار ما هو كتاب "ألف ليلة وليلة" في العربية.

          إلا أن كلا الرأيين (لكل من غورديس وجاسترو) تنقصُه وحدةُ أسلوب الأناشيد، وعدمُ تغيّره بين نشيدٍ وآخر، الأمر الذي يُرجِّح أن كاتب الكتاب واحد، قد يكون الملك سليمان نفسه، أو قيل على لسانه. كما إن اتِّساقَ الأناشيد، ووحدةَ أسلوبها، وتسلسُلها الحكائيَّ النمطيّ، تُشيرُ إلىا أنها كُتبت في عصرٍ واحد.

          ومثلما تمَّ الاختلاف حول أصل الأناشيد، وكاتبها، كذلك برزَتْ وجهاتُ نظرٍ في تأويلها، والبحث عن أبعادها ومراميها. فمن الملاحظ أن "نشيد الأناشيد"، على الرغم من أنه أحد أسفار العهد القديم، في الكتاب المقدس، ليس نصًا دينيًّا، لا في معانيه ولا لغته ولا طقوسه. فلا يَرِدُ ذكرُ الله فيه إلا مرةً واحدة. وهو لا ينطوي على أية عِبرةٍ دينية أو موعظةٍ دينية؛ فهو كتاب عشقٍ من الدرجة الأولى. وما انطوى عليه من عباراتٍ ومقاطع تلامس حدود البوح بالرغبة الجسدية جعل بعضَ الباحثين، مثل روس Reuss 1879، يدعو إلى إخراجه من الكتاب المقدس. لكن هذا النص الموحي والخصب لم يعدم مَن يُخضعه للتأويل الديني المسيحي، تارةً الكاثوليكي باعتبار الصبية هي مريم العذراء، والعاشق هو المسيح. لكنَّ ذلك لا يستقيم نظرًا لبعض الأوصاف الحسية في النص، في حين أن لوثر مؤسس البروتستانتية رأى أن العروس هي الدولة. ورأى الفيلسوف إيمانويل بن سلومون Immanuel ben Salomon أن العلاقةت بين النبي العاشق والصبية المعشوقة (والعاشقة) هي رمزٌ لعلاقة العقل الفعَّال بالعقل المنفعل (حسب الأفلاطونية الحديثة والفلسفة الهلنستية). ورأى آخرون في النشيد علاقة الماضي بالمستقبل وشيئًا من معنى الزمان من خلال الحب الخالد بحسب تارغوم Targum.

          لكنْ، في التأكيد، ومن خلال "نشيد الأناشيد"، يتغلب الحبُّ بين الرجل والمرأة على القوة والحكمة المتمثلتين بالنبي الملك سليمان. وهذه هي فلسفة النص على ما نرى، بل جوهرُه وقيمتُه.

          وقد يُضاف إلى التأويلات الدينية المسيحية أو اليهودية للنص تأويلاتٌ أسبقُ من الديانات السماويَّة، وهي التأويلات الوثنية المتعلقة بأساطير سُومر وأكاد وبلاد كنعان، حول أدونيس وتمُّوز وعشتروت، وما وصفته لنا هذه الأساطير من خلال ما اكتشف من رُقُم وحفريَّات في رأس شمرا وأوغاريت وتلّ العمارنة، من حبٍّ وموتٍ وولادةٍ جديدة، وتحوُّلٍ مع الفصول...

          وفي وسط الاحتمالات والدراسات والافتراضات، يقف نصُّ "نشيد الأناشيد" نصًا خصبًا وقابلاً للاستعادة والتوليد، بل هو نصٌّ فحلٌ أو نصٌّ أبويٌّ أموميٌّ في تاريخ البشرية.

         

"نشيد الأَنشاد"

          نستطيع أن نعتبر "نشيد الأنشاد" للدكتور داهش فرعًا أو غصنًا جميلاً من شجرة "نشيد الأناشيد". وهو هنا نشيدٌ فردوسيّ، يتكامل فيه الحبُّ في أسمى معانيه. لذلك غالبًا ما يتكرَّر في الأناشيد المقطع التالي: "أنا لحبيبي، وحبيبي لي".

          والكتاب، في طبعته القشيبة الصادرة عن "الدار الداهشية للنشر" (نيويورك، 1985) من خلال إخراجه، والصور الطبيعية والفنية التي تَحفُّ بالأناشيد، يظهرُ وكأنه مودع في بستان أو فردوس. لكنَّ فردوسيته ليست من خلال اللوحات والمناظر الطبيعية والصور التي توشِّي الصفحات، والخطوط الشعرية الحساسة التي ابتكرها الشاعر ياسر بدر الدين، فحسب، بل هي من جوهر أشعاره ومناخها وأوصافها لجهة الطبيعة البكر الغناء، والبيئة الرعوية، وفطرة العناصر، وكأن طرفي العشق (العاشق الرجُل والعاشقة المرأة) يعيشان في الجنة أو في الفردوس الأول، قبل الطرد من الجنة.

          إن النشيد الأول في الكتاب يحدث في حديقةٍ غناء، حيث تعزفُ "الملكة سبأ" على قيثارها أنشودة الحبِّ الخالد.

          والنشيد يبدأ بدعوة العاشقة لحبيبها، للقبلات:

          "قبلني بقبلاتِ فمك،
فإن حبك العذب

          أطيبُ من أعتق الخمور،

          وعطر جسدك

          أعبَقُ من أفخر العطور".

          ثم تنتقل الملكة سبأ، في هذا النشيد، إلى وصف نفسها، فهي لا تخرج أيضًا عن الوصف الحسيِّ لمفاتن الجسد من لونٍ وعَبَق:

          "بشرتي كقطعةٍ من بخورٍ سمراء،

          ولكني رائعةُ الفتنة.

          يا عذارى أُورشليم...

          لا تحدِّقن في سمرتي،

          فشمسُ تمُّوز قد خضَّبتني".

          وهي إذ تخاطب حبيبها الفاتن "سليمان" فإنها تخاطبه وكأنه راعٍ للأغنام.

"أنبئني في أي مكانٍ أنت؟

          وفي أية غابةٍ تظلل نعاجك؟

          ولِمَ أنا تائهةٌ عن قطعانك؟"

          وقد يكون هذا النداءُ الرعويُّ حقيقيًّا. وقد يكون محمولاً على محمل الرمز. ولكنه، فثي كلا الاحتمالين، يرسم الحدودَ الرعويَّة لمسرح الحب بين الحبيبين المتناجيين.

          في النشيد الثاني، وهو على لسان سليمان، وصفٌ للمحبوبة وللمكان. وهو وصفٌ حسيٌّ بدوره لجهة التشبيه والاستعارة. فهي "أَبهى من الشمس وألطَفُ من نور البدر". وهي أيضًا "كفرس الملاك جبرائيل" بين الغيوم، "شفتاها بلون المرجان،" و"بنانُها عقدٌ من الجُمان"... وهو يُمنِّيها، إذا تبعَته، بعقود الذهب الخالص المطعَّم بأنقى الفضة.

          والبيئة أيضًا، كما يظهر من النشيد، بيئةُ رَعْي:

          أطلقي سراح عنزاتِك البيضاء

          في هذا الفردوس الفسيح"

          في النشيد الثالث، خطابٌ للملكة سبأ، تصفُ فيه نشوتها بعناق سليمان، إذ إنَّه بلسمُ الشفاء لقلبها المتيم، وباقةٌ من حَبَق الغاب تضمُّها بين نهدَيها، وعنقودٌ ناضجٌ من كرمة المدينة المقدسة.

          ولا يخرجُ خطاب سليمان، في النشيد الرابع القصير، وخطابُ ملكة سبأ في النشيد الخامس المختصَر، عن كلام الحبِّ المتبادل بين حبيبين على بساط اللذة، وهو هنا "بساط الطبيعة الدائمة الاخضرار"... وليست الأناشيد التالية (السادس والسابع والثامن والتاسع) سوى محطاتِ حوارٍ مُستطرد بين العاشقين على بساط اللذة: هو يَعِدُها بأن يبني لها قصرًا عظيمًا من خشب أرز لبنان الخالد، يُزخرفه بالسرو والشربين، وهي تصف نفسها بنرجسة الوادي وسوسنة الجبال الزرقاء. هو يؤكد رغبته فيها، وهي تمتدحُ رائحته كشجر التفاح بين الأزدرخت، وتدعوه لإدخالها في "قُدس أقداسه"... ثم توجه نداءها إلى نساء المدينة لكي يطيبن قلبها بالزبيب وينعشن روحها بالتفاح الذهبي الأحمر...

          "فإنيِّ من عمق حبي مريضة!

          آهٍ يا سليمان،

          احتط جسدي بشمالِك،

          وداعبني بيمينك".

          يضع الشاعر هنا فاصلاً كستارةٍ تُسدَل على المسرح، إذ إنه يجعل العاشقين يستغرقان في سُباتٍ عميق. لكنه سرعان ما يستأنف الحوار بينهما، وهو على صورة كلام منفرد لكلِّ طرفٍ على حدة أكثرَ مما هو حوار يدور بين اثنين في علائق الكلام المتبادل. ففي النشيد العاشر، ينادي "سليمان" على بنات أورشليم وهو يتأمل حبيبته نائمة بين يديه:

          "أقسم عليكُنَّ.

          بخِشف الغاب

          وبمهى الأدغال،

          أنْ لا توقظن فاتنتي

          حتى تشاء!..."

          وحين تفتح الملكة سبأ، في النشيد الحادي عشر، عينيها، تستأنف كلامًا سابقًا لها حول معبودها، وتنظر إليه وهو يقفز على رؤوس الجبال ويعدو بين باسق الأشجار وكأنه رجل الغابات، أو إنسان البرار والأدغال:

          "أراه أسرع من غزال الصحراء

          وقطا المروج".

          يجري ويدعوها للحاق به قبل أن ترقد الشمس؛ فقد انتهى فصل الأمطار، وبدأت الحقول تتزين بالورود والرياحين. الطيور تشدو على الأفنان واليمامة تسجع بين الزروع. شجرة التين نضج ثمرها وعبقت روائح الكرمة الزكيَّة.

          هو يدعوها إلى لقائه "كاليمامة":

          "أسرعي، يا يمامتي اللطيفة،

          فالكرمة قد أزهرتْ،

          والطبيعة قد ثملتْ وابتسمتْ."

          وهذا النداء البشريُّ من الحبيب لحبيبته هو نداءُ الحب العميق الرائع المعقودِ بين الرجل والمرأة وغيرِ المفصول عن نداءات الطبيعة بكافة عناصرها من شجرٍ وجبالٍ وطيرٍ وحيوان... والمسافات والجبال التي افترضها الشاعر قد فرَّقت بين الحبيبين هي مسافات الزمن وتحولاته... وهي التحولات التي تُدخل عنصرَ الخوف على الحب. لذلك، فإن نداء سليمان لحبيبته كي تلحق به في الوديان والجبال، تستجيبُ له هي بدعوته للعودة بخفة الظبي، وقطع التلال والجبال التي فرقت بينهما. وهي، إذ تفتقدُه ولا تجدُه، تهيم في المدينة على وجهها تسأل عنه، وقد اصطدمَتْ بالعَسَس وسألتهم: هل شاهدتم من أهواه؟ فأجابوها بالنفي. لكنها، حين ابتعدت عنهم، وجدَتْ مَن اختارته روحُها، فأخذته إلى المنزل بشغف، وأدخلته إلى الغرفة الفاخرة التي حملَتْ فيها أُمُّها بها.

          "وجدتُ مَن اختارته روحي!

          فطوَّقتُه بمعصمي،

          ولم أدَعْه ينجو منِّي،

          وذهبتُ به إلى بيت أُمِّي

          وأدخلتُه الحجرة الفاخرة

          التي حبلَتْ فيها

          أُمِّي بي!"

          ينتهي المشهد الحادي عشر لكي ينفتح النشيدُ الثاني عشر بما يشبه اللازمةَ المكررة التي تشكل مُراوَحةً بين مشهدين، فنرى سليمان يستحلفُ مجددًا عذارى أورشليم بألا يوقطن الأميرة النائمة التي اختارتها روحه إلا حين تشاء. ويوالي تأمُّله في النشيد الثالث عشر فيقول، كمن يتخيل تخيُّلاً، ما هو راهنٌ ومُحقَّق أمامه وبين يديه:

          "مَن هي تلك الصاعدة من أعماق الوادي.

          كعمودٍ من دخان ناصع البياض،

          مضمَّخةً بالمرّ واللبان،

          وبأحقاقٍ من البخور الأشقر؟!"

          فيعلو نشيدُ الجوقة، في النشيد الرابع عشر، وهو يمجِّد عظمة الملك سليمان الذي يحفُّ به ستُّون جبَّارًا من الجبابرة، متقلدين سيوفَهم المرهفة الحد الجاهزةَ لجزِّ رؤوس أعدائه، ويمجِّد عظمة سريره الملكي المصنوع من الصندل وخشب الأرز، أسلاكثه من ذَهَب وأعمدتُه من فضَّة، وهو مرصَّعٌ بالياقوت، وفراشُه من أجنحة الفراش... أما تاجُه المرصَّع على رأسه، فقد توَّجته به أمُّه في يوم فرح قلبه.

          وهذا النشيد حول أُبهة وجبروت وعظمة الملك سليمان يظهرُ وكأنه يُومئ إلى أن عظمة سليمان تخضع للجمال والحبّ. ففي النشيد التالي (الرابع عشر)، وهو نشيد طويل، بل لعله الأطولُ بين الأناشيد، ينفردُ سليمان في وصف جمال الملكة سبأ، الصغيرة البهية، ذات العنيني الحالمتين كحمامتين مودعتين تحت نقابها الشفاف، وذاتِ الشعر الذي هو كقطعي ماعز يغتسل بماء الأردن، والأسنان البيضاء وكأنها مجموعةُ نعاجٍ مجزوزةٍ صحيحة وسليمة تتمرَّغ على الشاطئ، والشفتعين المتحلبتين بالرضاب الشهي، والفمِ السحري، والخد الملتهب بلون الأفق كقلب رمانة أُضجت حباتها بأشعة الشمس، والعتق الذي هو صرحٌ من العاج موشى بألوان المساء، والثديين الشقيقين بل التوأمين من بطن غزالة نافرة... ثم يدعوها للمسارعة إليه قبل أن تزولَ معالمُ هذا الجمال، ويناديها يا عروستي، ليتنعما في قمة البخور، في أودية لبنان، ويصعدا إلى قمة حرمون، ويدخلا إلى كهف الفهود، حيث تقطن الأسود، ليتوجها هناك على عرش قلبه.

          وهو يناديها يا عروسي وأختي، وحبها أشهى من ماء الكوثر، ويقول لها:

          "أنتِ الشجرة ذات الثمرة المحرمة،

          ولكن قلبي يشتهيها!..."

          ليستعيدَ من خلال هذا النشيد الرائع كلَّ ذكريات الفردوس والمرأة والثمرة المحرمة التي تفيض بها الكتب السماويَّة، وتعبق بها الميثولوجيا الدينية.
          بعد النشيد الرابع عشر الذي يظهرُ وكأنَّه وصفٌ للجنة والمرأة والثمرة الجميلة المحرَّمة، تفتح الملكة سبأ، في النشيد الخامس عشر، لحبيبها باب الجنة، وتدعوه إليها لكي يجني أشهى ثمراتها: فيدخل مُلبيًا مذهولاً، ويقتحمُ ملذات حبيبته، يقطفُ زهرها، ويأكل العسل، ويغمس أصابعه في الخمر واللبن. ثمَّ يدعو صحابه لمثل هذه الوليمة:

          "كلوا حتّى تتخموا،

          واشربوا حتى تثملوا.

          فالحياة دون حبٍّ ليل رهيب ثقيل الوطأة!" (النشيد السادس عشر)

          في النشيد السابع عشر، أوصافُ بلقيس للحظات الوصال.

          "أدخل حبيبي يده من الكوَّة الجميلة،

          فتحرَّكت جوانحي".

          ولكنَّ الوصال لا يدوم، فيظهر وكأنَّه حلم، ما إن تفيق منه العاشقة حتى يختفي ويزول. فتتبعُه في المدينة، وتسأل عَسَسَ الليل عن حبيبها أين هو، وهل رآه أحد منهم. فيضربُها العَسَس ويجرحونها، ويرفع عنها حرس الأسوار إزاها... وهنا تستحلف عذارى أورشليم أن يُعلمنَ حبيبها، إذا التقين به، بأنَّها من الحبِّ مريضة. فيرتفع صوت الجوقة، في النشيد التالي (الثامن عشر)، بلسان عذارى أورشليم وهنَّ يسألنها عن هذا الحبيب المميَّز بين الناس مَن هو، فتأتي أوصافُه بلسانها أَنَّه كالفضَّة المعجونة بالذهب، عالٍ يفوق الربوات،رأسُه من الذهب الخالص، وغدائره تتمَّوج كليلة شتائية، وعيناه حمامتان تستحمَّان على شواطئ لبنان، وشفتاه كطيب الناردين، ويداه طوقان من الذهب، وجسدُه عاجٌ نحتَتْه يدُ نحَّات حاذق، وساقاه عمودان من الرخام وقد قاما على قاعدتين من الألماس.

          "إنَّه جميل مثل (وادي قاديشا)!

وجليلٌ في تهاديه كأسدٍ إفريقي!

وفي خفَّته كالنمر الهنديّ!" (النشيد الثامن عشر)

تعود العذارى فيسألْن، كجوقةٍ، إلى أيِّ البقاع رحل حبيبُها، كي يبحثن معها عنه (النشيد التاسع عشر)، فتجيبُ بأنه يجوس الفردوس ويرعى قطيعه بين الجبال. وتعيد قائلة:

"أنا لحبيبي وحبيبي لي!" (النشيد العشرون)

هنا يظهر سليمان وهو يناجي نفسه، أو يناجي حبيبته بقوله إنها أجملُ من عشتروت، ورائعة كأُورشليم، ومَهيبة كجحافل ذاتِ بنود، شَعرثها كقطيع ماعز رابض في أرض جلعاد، وأسنانها جحافل نعاج خارجة من الماء،

"ومن بين ستين ملكةً وألفِ حظية،

من بين عذارى لا يُعرَف عددهنّ،

أنت وحدكِ أمنيتي." (النشيد الحادي والعشرون)

تردِّد الجوقةُ بلسان نساء القصر، وكأنهنَّ يكملن ما كان بدأه سليمان من أوصاف الملكة، فيسألن عن تلك المرتدية وشاحَ الفجر، المتوَّجة بأشعة البدر، النقية كنور الشمس، الرهيبة كجحافلَ كاملةِ الأعلام. (النشيد الثاني والعشرون).

فيُسمع همس الملكة سبأ وهي تتحدَّث عن شوقها العظيم، وتفقدها لحدائق الجوز ويناع الكروم، وإزهار الرمَّان، وانتثار شقائق النعمان... وكأنها تبحث فيها عن حبٍّ ضاع منها، أو حبٍّ تنتظر عودته إليها (النشيد الثالث والعشرون).

فيعلو صوتُ بنات صهيون (الجوقة) يناشدنها العودة (النشيد الرابع والعشرون).

          في النشيدين الخامس والعشرين والسادس والعشرين، يتكلم سليمان مباهيًا بحبيبته ويمامته "بنات صهيون"، مستطردًا إلى أوصاف مليكته بقدميها الصغيرتين واستدارة فخذيها كمعجزتين، وسُرَّتها ككوبٍ بلوريٍّ بشرابٍ ملكيٍّ، وببطنٍ طريٍّ معجونٍ من حنطة الله، وثديين خِشفَين رضيعين من بطن ظبية نافرة، وعنقٍ برجٍ من عاجٍ نادر، وعينين كبحيرة تانا الحبشية، وأنفٍ شامخ كأرز لبنان، ورأسٍ قائم كجبل الكرمل، وشَعرٍ كالحرير الناعم الممزوج بالأرجوان... ويصفها بين يديه في ساعة الملذات:

          "أنت نخلةٌ، وثدياك ثمرها؛

          أُحدِّث نفسي

          أن اعتليها وأُمسكَ بسَعَفها.

فليكن ثدياك كالعناقيد الناضجة!"

وكصدى لصوت سليمان، يأتي صوت الملكة سبأ لتكرِّر قولها القديم:

"أنا لحبيبي وحبيبي لي,"

ولتستعيدَ أوصافه حيث الشهدُ يقطر من فمه، والرحيقُ ينسكبُ من بين شفتيه. ثم تدعوه للخروج إلى المروج والهيام في الغابات، للسؤال عن زهنر الر مَّان وتفتحُّ الورود وصوْغ زهر البيلسان...

"آه!...

ليتك كاخٍ لي

الراضع من ثدي مَن ولدتني

كي أقبلك أمام الملإ

دون أن يُخزوني!...

ليتني أذهب بك إلى مضجع أمِّي؛

وهناك هي تُدرِّبني،

فأسقيك من خمرة حبي المعتقة

الممزوجة بشهوة أماني..." (النشيد السادس والعشرون)

هنا تغرق الملكة في سباتٍ عميق، فيعيد سليمان اللازمة مستحلفًا فتيات أورشليم أن لا يوقظن حبيبته حتى تشاء (النشيد السابع والعشرون). فيعلو سؤال النساء وهنَّ يحطن بسليمان وملكة سبأ: مَنْ هذه الصبية الساحرة المتوكئة على ذراع مليكها؟ (النشيد الثامن والعشرون)

وتنتهي الأناشيد، وعددُها أربعة وثلاثون، بستَّة أناشيد في المناجاة بين سليمان والملكة سبأ، تُستعاد فيها أوصافُ جمال كلٍّ من الحبيبين، وقوة الحبّ، وقدرته على الموت. تقول الملكة سبأ في نشيد من أجمل أناشيد الكتاب:

"يا مليك قلبي!

          صُغني خاتمًا واطبعْ به فؤادك،

          أو اجعلْني حلقةً أدخلْها في ذراعك،

          لأنَّ حبِّي لك

          أقوى من صولة الموت البطَّاش."

وتنتهي الأناشيد بنشيدٍ لسبأ تدعو فيه سليمان للهروب إلى قمم الجبال والعيش هناك:

"أنفرْ يا حبيبي بخفةٍ،

مثلما ينفر ظبْيُ الأدغال!

وأسرعْ

كأَيِّل المروج،

ولنقطُنْ هناك بعيدًا

على قمَّة الجبال الفوَّاجة العبير!"

Developed by WARM Studios        Copyright 2017 This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.nfo All Right Reseved This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.