أنا أؤمن بأنه توجـد عدالة سماويّة, وأن جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدنيا من مُنغصات انَّ هـو الاّ جـزاءٌ وفاق لِما أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور.ولهـذا يجب علينا أن نستقبلَ كلّ مـا يحـلّ بنـا من آلامِ الحياةِ ومآسيها غير مُتبرّمين ولا متذمّرين , بل قانعين بعدالةِ السماء ونُظمها السامية.

Highlighter
أحبُّ الكُتُبَ حبَّ السُكارى للخمر , لكنَّني كلَّما أزددتُ منها شرباً, زادتني صَحوا
ليس مّنْ يكتُبُ للهو كمَن يكتُبُ للحقيقة
الجمالُ والعفّــة فـردوسٌ سماويّ .
لا معنى لحياةِ ألأنسان اذا لم يقم بعملٍ انسانيٍّ جليل .
اعمل الخير , وأعضد المساكين , تحصل على السعادة .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقـوم بأعمالِ الخير نحـو ألأنسانيّة .
الموتُ يقظةٌ جميلة ينشُدها كل مَنْ صَفَتْ نفسه وطَهرت روحه , ويخافها كلّ من ثقُلت أفكاره وزادت أوزاره .
ان أجسامنا الماديّة ستمتدّ اليها يـد ألأقـدار فتحطِّمها , ثمّ تعمل فيها أنامل الدهـر فتتَّغير معالمها , وتجعلها مهزلةً مرذولة . أمّا ألأعمال الصالحة وألأتجاهات النبيلة السّامية , فهي هي التي يتنسَّم ملائكة اللّه عبيرها الخالد .
نأتي إلى هذا العالمِ باكين مُعولين، و نغادره باكين مُعولين! فواهً لك يا عالمَ البكاء والعويل!
جميعنا مُغترٌّ مخدوعٌ ببعضه البعض.
العدلُ كلمة خُرافية مُضحكة.
أمجادُ هذا العالم وهمٌ باطل، و لونٌ حائل، و ظلٌّ زائل.
لا باركَ الله في تلك الساعة التي فتحتُ فيها عينيّ فإذا بي في مكانٍ يطلقون عليه اسم العالم .
أنا غريبٌ في هذا العالم، و كم احنُّ إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.
الحياةُ سفينةٌ عظيمة رائعة تمخرُ في بحرٍ، ماؤه الآثام البشريَّة الطافحة، و امواجه شهواتهم البهيميَّة الطامحة، و شطآنه نهايتهم المؤلمة الصادعة.
كلّنا ذلك الذئبُ المُفترس , يردع غيره عن اتيانِ الموبقاتِ وهو زعيمها وحامل لوائها , المُقوّض لصروح الفضيلة , ورافع أساس بناءِ الرذيلة .
الحياةُ سلسلة اضطراباتٍ وأهوال , والمرءُ يتقلَّب في أعماقها , حتى يأتيه داعي الموت, فيذهب الى المجهولِ الرهيب , وهو يجهلُ موته , كما كان يجهلُ حياته .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقومَ بأعمالِ الخير نحو الانسانيّة .
المالُ ميزان الشرِّ في هذا العالم .
السعادةُ ليست في المال , ولكن في هدوءِ البال .
كلُّ شيءٍ عظيمٍ في النفسِ العظيمة , أمّا في النفسِ الحقيرة فكلُّ شيءٍ حقير .
الرُّوح نسمةٌ يُرسلها الخالق لخلائقه لأجل , ثم تعودُ اليه بعجل .
الرُّوح نفثةٌ الهيَّة تحتلُّ الخلائق , وكل منها للعودة الى خالقها تائق .
الرُّوح سرٌّ الهيٌّ موصَدْ لا يعرفه الاّ خالق الأرواح بارادته , فمنه أتتْ واليه تعود .
أنا أؤمن بأنه توجـد عدالةٌ سماويّة , وأنَّ جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدُّنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدارٍ انَّ هـو الاَّ جـزاء وفاق لمِا أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور . ولهـذا يجب علينا أن نستقبل كلَّ مـا يحـلُّ بنـا من آلام الحياة ومآسيها غير م
الحرّيةُ منحة من السماءِ لأبناءِ ألأرض .
الموتُ ملاكُ رحمةٍ سماويّ يعطف على البشر المُتألّمين , وبلمسةٍ سحريّة من أنامله اللطيفة يُنيلهم الهناء العلويّ .
ما أنقى من يتغلّب على ميولِ جسده الوضيع الفاني , ويتبع ما تُريده الرُّوح النقيّة .
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
الراحة التامّة مفقودة في هذا العالم , وكيفما بحثت عنها فأنت عائدٌ منها بصفقةِ الخاسر المَغبون .
ليس أللّــه مع الظالم بل مع الحقّ.
ان الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الكاذب.
ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين وغوث الملهوفين والحنو على القانطين , وما أقلَّ تنفيذهم القول.
يظنُّ بعض ألأنذال ألأدنياء أنّهم يُبيّضون صحائفهم بتسويدِ صحائف الأبرياء , غير عالمين بأنَّ الدوائر ستدور عليهم وتُشهّرهم.
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السَّلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
رهبة المجهول شقاء للبشرِ الجاهلين للأسرارِ الروحيَّة , وسعادة للذين تكشّفت لهم الحقائق السماويَّة .
الموتُ نهاية كل حيّ , ولكنه فترة انتقال : امّا الى نعيم , وامّا الى جحيم .
الحياةُ خير معلِّمٍ ومُؤدِّب , وخيرَ واقٍ للمرءِ من الأنزلاقِ الى مهاوي الحضيض .
حين تشكُّ بأقربِ المُقرَّبين اليك تبدأ في فهمِ حقائق هذا الكون .
مَنْ يكون ذلك القدّيس الذي لم تخطرُ المرأة في باله ؟ لو وجدَ هذا لشبَّهته بالآلهة .
المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السُّلطان. و هي تحملُ بيدها سيفاً قاطعاً لو حاولَ رجالُ الأرض قاطبةً انتزاعه منها لباؤوا بالفشلِ و الخذلان .

الاب انطوان يوحنا لطوف

 

آراءنا:

 

الداهشيون: انه الحبيب الهادي

The beloved 1

The beloved 2

   

 

The beloved 3

The beloved 4

   

 

      أثار الموضوع الذي نشره "نهار الشباب" بتاريخ 25تشرين الثاني الماضي بعنوان "داهش النبي الكذاب" اهتماماً بالغا لدى كثيرين ممن سمعوا عن داهش ولم يعاصروه، او ممن تناقلوا اخباره الغامضة.
لكن الاثارة الكبرى، او ردة الفعل جاءت من الداهشيين انفسهم، اذ قصد مكاتب "النهار" عدد منهم، وكتب اثنان منهم ردا على الاب انطوان لطوف صاحب المقالة الاولى، وهما المحاميان خليل وفارس زعتر من مدينة زحلة.
وقد اقترحا في ردهما على "نهار الشباب" استبدال عبارة "داهش النبي الكذاب" بـ"داهش الحبيب الهادي"، الى ذلك قدما لـ"نهار الشباب" مجموعة كتب عن داهش.
هنا مما جاء في الرد تأكيدا من "نهار الشباب" لحرية الرأي والمعتقد، ولاثارة المزيد من الردود ربما لأنها مفيدة لنقاش العقل والمنطق:
قرأ الأب لطوف في الإنجيل قول المسيح عندما سُئل عن علامات الأنبياء الكذبة "من ثمارهم تعرفونهم. هل يجتنون من الشوك عنباً أو من الحسك تيناً؟ هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثماراً جيدة. وأما الشجرة الردية فتصنع أثماراً رديّة. لا تقدر شجرة جيدة أن تصنع أثماراً رديّة ولا شجرة رديّة أن تصنع أثماراً جيدة (متى 7: 16- 18) . ولو كان الأب لطوف فحص على أساس هذه القاعدة البسيطة سيرة الدكتور داهش وأعماله وتعاليمه وتحرّى عن الداهشيين لما كان ارتكب بحق الأمانة الأخلاقية تلك العظة- الخطيئة.
فلننظرإلى الأعمال التي قام بها الدكتور داهش في لبنان والبلاد العربية خلال أكثر من خمسين سنة. لقد عاينها وشهد لها كثيرون من أهل المعرفة والعلم ورجال الدين والصحافة والسياسة والناس العاديون. ومع أن العلم لا يعترف بإمكان حدوث المُعجزات لأنَّها تتخطىّ المعرفة العلميّة البشريَّة، فإن كثيراً من العلماء، عرباً وأجانب، زارواالدكتور داهش، فشاهدوا بعيونهم مُعجزاته وصوَّروها بكاميراتهم، ولمسوها بأيديهم، ولم يسعهم الا الإيقان أنها خرقٌ للقوانين الطبيعية. والأب لطوف نفسه لا ينكرها، بل يسرد منها عدداً وفيراً. يقول "ومرة غرس بذرة تحولت فوراً شجرة. ومرات حوَّل الورق نقوداً وأحرق أموالاً وأوراقاً وصوراً ومخطوطات وحطم كؤوساً وغيرها ثم أعاد تكوينها بلمح البصر، حتى وهو في مكان آخر. ومن معجزاته (...) شفاء الأمراض المستعصية والأعضاء المعطوبة وإعادة الحياة إلى الحيوان والنبات، واستعادة مسلسل حوادث الحياة بدقة، وتسجيل الأحاديث السرية من بُعد ومعرفة المستقبل والأفكار والأحلام والتكلم بكل اللغات وإنضاج الثمار قبل أوانها بلحظة، وتغيير طبيعة الموجودات وشكلها وحجمها ولونها وتحويل أوراق اليانصيب الخاسرة رابحة (فانصرف الناس عن شراء اليانصيب)، ونقل الموجودات إلى مكان آخر مهما كان بعيداً وأيا ما كان شكلها ووزنها... وكان يوجِد الأشياء من "العدم" و"يخلق" جريدة قبل أيام من صدورها!".
إن الإنسان إذا كان حسن النية، سليم التفكير، متوسط الثقافة، مؤمناً بالكتب المقدّسة، لا بد له من ان يسمي هذه الأعمال معجزات. فهي مما لا يُمكنُ ان يقومَ به الا روحٌ إلهيّ أو ملاكٌ عُلويّ لغايةٍ إلهيَّة. ويستحيلُ أن يقومَ بها شيطانٌ أو روحٌ سُفليَّة شرّيرة. فالمعجزات ليست للتسلية لكنها للبرهان على وجود عالم روحي مهيمن على الطبيعة، منها المصدر وإليه المصير. وكم من إنسان دخل منزل الدكتور داهش منكراً وجود الله فخرج بعدما عاين المعجزات مؤمناً خاشعاً لقدرة الله، مصدقاً بالرسل والأنبياء ويوم الحساب. هذا لأنه عندما يتاح للإنسان أن يرى معجزة مثل حادثة البذرة التي تحولت في الحال شجرة مثمرة، كما نقلها الأب لطوف، تستيقظ فيه مشاعر الخشوع. وهذا الشعوربحضور المقدس في العمل المعجز هو ينبوع الدين والأخلاق كما عبَّر الفلاسفة. فالذي غيَّر حياة الكثيرين ممن عاينوا الظاهرات الداهشية فولدوا من جديد، كما حدث للذين شاهدوا معجزات يسوع الناصري، هو على وجه الدقة هذا اللقاء بالمقدَّس. إلا أن الأب لطوف لا يتورع عن إنكار الحقيقة الساطعة وعن مخالفة قواعد المنطق البسيطة، أو أن يبني على المقدمات الصحيحة نتائج مضادة لما يمكن للتفكير السليم أن يستتنجه منها. ولا تهمه شهادة الذين عاشوا تلك التجربة الروحية فكتبوها في سلوكهم وحياتهم وتضحياتهم. فهو يقرر من غير مناقشة أو محاكمة أو تحليل أو تفكير أو تأمُّل أومقارنة أو إعمال لبعض نيرونات الدماغ، أن إقامة الموتى، سواءٌ أكانوا بشرًا أم عصافير، والإبراء من الأمراض المستعصية، هي "معجزات زائفة"! لماذا؟ ما الموجبات العقلية والأسباب المنطقية والمبررات اللاهوتية لهذا الحكم المشبوه؟ إن تحويل الماء خمراً هو المعجزة، سواءٌ حمل الذي قام به اسم يسوع الناصري أو داهش. يروي الأب لطوف لقرائه أن الدكتور داهش شفى مَرَّة "سيدة من البرص [هي السيدة المقدسية مريم مرزاحي] أثناء "جلسة" في حضور ثلاثين شخصية وخمسة أطباء. لمسها داهش وللحال نما لها جلد وأنسجة بدل المهترئة، وامتلأت الثغرات في جسمها وشفيت أعضاؤها تماماً". ومع أننا أمام معجزة روحية يفقأ وضوحها العين، حصلت أمام خمسة من الأطباء، يقرر الأب لطوف، أن هذه المعجزة "بنوعها وغايتها، بعيدة كلياً من نوع المعجزات التي أتى بها المسيح والقديسون"! وإذا سألناه: لماذا؟ وأين هو الفارق؟ يرد: "هو [أي الدكتورداهش] لم يذهب إلى المدرسة في حياته سوى شهور قليلة! ولا فائدة من الشفاءات الكاذبة بعد ذلك"! عندما يسمع المرء هذا الجواب يتساءل: أهذا كلام متزن؟ ما علاقة الشفاءات العجائبية بالذهاب إلى المدرسة؟ وفي أي كلية من كليات الطب تعلَّم يسوع الناصري إبراء المقعد وإعادة البصر للأعمى؟ لكن من العبث مجادلة الأب لطوف، فهو كجميع الناطقين باسم الرب لا يطيق المناقشة ولا يقبل الحوار ولا يتراجع عن الشهادة بغيرالحق ولا يخاف من إهانة العقل واحتقار المنطق، فيرفض أن يسمي الأشياء بأسمائها واعتبار الخوارق الداهشية معجزات! وصحيحٌ ما قيل: "لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها"!
وكما تشهد للدكتور داهش أعماله الخارقة، تشهد له سيرته النقية وفصول حياته الملحمية، وكذلك عقيدته وتعاليمها السامية. وهي مدوَّنة في مؤلفاته الغزيرة المنشورة والتي ترجم الكثير منها إلى اللغات الأجنبية. وحبَّذا لو أن الأب لطوف تحرى عن عقيدة الداهشيين في مصادرها بدل أن يستند الى ما هبّ ودبّ من الأخبار الكاذبة والحكايات الملفقة، مثل قصَّة انتزاع الدكتور داهش رأسه ووضعه لدى الحلاّق. وليت الأب لطوف لم يلجأ إلى تحريف الكلام عن مواضعه بخصوص قضية صلب المسيح بين المسيحية والإسلام وصلة ذلك بما عُرف من شخصيات الدكتور داهش الست. فهو ينسب إلى الداهشيين قولهم: "نعرف ان المسيح صلب، ويؤكد هذا إن إحدى شخصياته صلبت...". والقرآن الكريم يقر بعدم صلب المسيح والذي صلب هو... "الشخص البشري". وفي سورة النساء "ما صلبوه لكن شبه لهم"، لأن داهش عاد فظهر حياً". فهذا التخليط ليس له وجود في العقيدة الداهشية. ما نقوله هو إن إحدى شخصيات الناصري قد عُلِّقت على الصليب لا شخصه البشري، وأن في ذلك تصديقٌ لما جاء في القرآن الكريم "وما قتلوه وَمَا صلبوه ولَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ". كما ينسب الأب لطوف للداهشيين أنهم يعتبرون الدكتور داهش "وسيطاً (medium)! وهذه قلة دراية لا تليق برجل دين أن يرمي به الداهشيين. فالوسيط والميديوم من مصطلحات السبيريتزم (spiritisme). أما الداهشيون فقد اشتهروا بتنوير الرأي العام وتبيان كذب الوسطاء المزعومين والسحرة والعرّافين وممارسي التنجيم وكشف الغيب والتكهّن بالمستقبل. وأغرب ما في عظة الأب لطوف تأويله لما كتبه المرحوم هشام شرابي في سيرته الذاتية بعد أكثر من عشرين سنة من لقائه الدكتور داهش. إن من له بعض الإطلاع على مؤلفات الدكتور شرابي يلاحظ أنه قد نسب آراءه الشخصية إلى مؤسس الداهشية. فهو، كعالم اجتماع، حاول أن يفسر بمآسي الحياة وكوابيسها اهتمام الكثير من الناس باستطلاع المغيبات –وهو ما عبر عنه بالـ"روحانيات"، ولجوئهم إلى المزارات وحملهم الإيقونات وطلب الشفاعة من قبورالقديسين والقديسات. يفهم الأب لطوف من ذلك أن معاناة البشر وآلامهم ورغائب قلوبهم وأمانيّهم هي شرور وقبائح وخطايا تتحول طاقة، وأن هذه الطاقة تنفذ إلى عالم الموت ثم يرتد صداها إلى عالم الأحياء فيقولبه الساحر، على قوله، "بقوة غريبة هائلة" يجترح بها الخوارق! ويحار الإنسان ما الذي يحمل الأب لطوف على هذا التفسير الخرافي المخيف! هل هو القصور المعرفي  أم سوء النية أم الاثنان معاً؟
ويشهد للدكتورداهش كذلك الداهشيون بإيمانهم الراسخ بعقيدتهم الروحية، وفي حياتهم اليومية ومسلكهم. وهم، بخلاف الافتراء الكريه الذي خرج من فم الأب لطوف حين يقول: "يأتي الأشخاص الذين تزخر حياتهم بالقبائح إلى داهش". فيا لها من عبارةٍ كافرة تصدر عن كاهن يقرأ في الإنجيل "ومن قال لأخيه يا أحمق استحق نار جهنَّم!". إن الذين عرفوا الداهشيين من كثب وارتادوا منزل الرسالة الداهشية وكتبوا عن ذلك بأمانة، كالشيخ عبدالله العلايلي مثلاً، شبّهوا الداهشيين بـ"إخوان الصفا"، واعتقدوا أنهم يشهدون "ميلاد صوفية جديدة"، وسمعوا في ذلك المنزل حفيف أجنحة الملائكة. يقول العلايلي" "لقيتُ جماعة هذه الدار فأحسستُ بأملٍ ضائع، يوم وجدتُ- ما كنتُ أظن أنني أجد- جماعةً تصافوا هذا الصفاء، وتوادوا هذا النحو من الود، وتوحدوا على منازع رأوهاومهما تكن- توحدُّ التجرُّد". هذا لأن الذين أتوا إلى داهش كانوا كثيرين جداً وكانت دوافعهم متعددة وحياتهم تزخر بما تزخر به حياة سائر الناس. منهم من كان يبحث عن الحقيقة الروحية فوجدها واطمأن إليها. ومنهم من كان يطلب المصلحة المادية فطُرد إلى أسواق الزبائنية المعروفة في لبنان. ومنهم من كان دافعه حب الاستطلاع فرأى وخشع لمارأى أو رأى فكان كأنه لم يعاين فذهب لحال سبيله. وبقيت حول الدكتور داهش النخبة والخلاصة. وحتى لو فرضنا أنهم كانوا جميعاً كمريم المجدلية قبل أن يطهرها إيمانها، فأي إنسان يقرأ الإنجيل ولا يجد في كلام الأب لطوف صدىً لقول الفريسيين والكتبة عن يسوع الناصري: "هذا يَقبَلُ خُطاةً ويأكل معهم!" (لوقا 15: 2). وكانوا يسألون تلاميذه: "لماذا يأكل مُعلمُكم مع العَشّارين والخُطاة؟" (متى 9: 11). أما يسوع فأجابهم: "لا يَحتاج الأصِحّاء إلى طبيب بل المرضى"، وكان يصيح بأعلى صوته: "تعالواإليَّ يا مثقلي الأحمال!".
إن الدكتور داهش أسَّس دعوة روحية فكرية، وأسس كذلك متحفاً عالمياً للفن وإحدى أكبر المكتبات الخاصة كمنارة للمعرفة، ولم يؤسس "ميليشيات" وجماعات مسلَّحة تزرع الموت والخراب وتتسبَّب في قتلَ مئاتِ الآلاف من البشر الأبرياء، ولم يؤجِّج الأحقاد والكراهية الطائفية لتكون "أعماله أعمال موت وأنه واسطة موت وأداة موت"، كما يفتري الأب لطوف. إن إحدى معجزات الدكتور داهش تتمثَّل في المؤاخاة الروحية التي خلقها بين الداهشيين المنتمين إلى الطوائف اللبنانية المتناحرة. وقد قدَّم هذه الوحدة الروحية المتخلقة بالأخلاق السامية كحلّ لإنقاذ اللبنانيين من الطواعين الطائفية وسياسة التظالم والفساد التي تفتك بهم، وأنذرهم بالعواقب الوخيمة لما يصنعونه عمداً بأيديهم، فكان ردهم على دعوته الخيرة اضطهاده ونفيه وإبعاده وتشويه سمعته. فلا نبي بلا كرامة إلا في وطنه وبين أهله. إنه لم يشعل الحرب الأهلية كما يدعي الأب لطوف بل حذَّر منها وأنذر بها".

نبوءة بمصرع كينيدي

The beloved 5

قبل مصرع الرئيس الاميركي جون كينيدي بأسبوع، أعطى مؤسس الداهشية الوزير اللبناني السابق، المحامي إدوار نون "رمزاً" داهشياً مطوياً داخل ظرف مختوم، وأوصاه بأن يحتفظ به مغلقاً ضمن خزانته الحديد.
وما إن أغتيل الرئيس الاميركي في 22/ 11/ 1963، ونشرت الاذاعات ووكالات الاخبار العالمية نبأ مصرعه والغموض المحيط بأسبابه ودوافعه، حتى اتجهت أنظار الصحافيين في لبنان الى رجل المعجزات، علّهم يستطلعون منه خبراً. فكان أن اشار اليهم بالتوجه الى مكتب الاستاذ إدوار نون وسؤاله أن يفتح أمامهم الظرف القديم المخبوء المختوم، فقصدوه في 28/ 11/ 1963.
وبعدما استأذن المحامي نون مؤسس الداهشية هاتفياً، فتح الظرف المودع في خزانته الحديدية أمام جماعة من الصحافيين، كان بينهم السادة جورج سكاف وإدوار حنين وفرنسيس فرنسيس وإرنست كرم، وقرأ ما انطوى عليه. فإذا فيه نبوءة دقيقة بمصرع الرئيس الاميركي بالساعة والدقيقة، وبغير ذلك من الايضاحات الدقيقة. وهذا نص النبوءة:
"
سيُقتل الرئيس كينيدي وذلك بتاريخ 22/ 11/ 1963، بينما يكون متوجهاً بموكبه الرسمي بالسيارات من المطار الى معرض دالاس التجاري لإلقاء خطاب، وسيُتهم بقتله (هارفي أوزوالد). وسيُتوفى كينيدي في الساعة الواحدة - توقيت دالاس - أي سيظل حياً مدة أربعين دقيقة فقط، بعد اصابته بالرصاص؛ فرصاصة سيُصاب بها قرب أعضائه التناسلية، وثانية بمؤخرة الرأس، ورصاصة ستدخل مقدمة العنق وستخرج من مؤخرة الرأس. أما المتهم بمقتل كينيدي فسيُقتل برصاصة يطلقها عليه (جاك روبنشتاين)، رصاصة واحدةعلى بطنه، وإذ ذاك يترنّح (هارفي أزوالد) ويسقط فاقداً لوعيه، وذلك بتاريخ 24/ 11/ 1963، وفي الساعة الحادية عشرة والثلث، توقيت بيروت السابعة والثلث. وسيتوفى أوزوالد في الساعة الواحدة وسبع دقائق من بعد الظهر في المستشفى نفسه الذي لفظ فيه كينيدي أنفاسه. أما لماذا قُتل كينيدي على يد (هارفي أوزوالد)، فمردّها لتقمصات سابقة".

(
من كتاب "أضواء جديدة على مؤسس الداهشية")

عن بشارة الخوري

من نبوءاته ثلاث تتعلّق برئيس الجمهورية اللبنانية بشارة الخوري الاولى، سُلمت الى عقيلته السيدة لور في 13 تشرين الثاني 1943، إثر إلقاء السلطة الفرنسية القبض عليه؛ وذلك بعد توسلها الى الرجل الخارق لإطلاعها على مصير زوجها، وذلك بواسطة شقيقتها الأديبة ماري حداد التي كانت قد آمنت بالرسالة الداهشية. مما جاء فيها أن بشارة الخوري سيعود الى الحكم في 22تشرين الثاني 1943، مع إيضاح ملابسات الاحداث التي ستجري.
والثانية نشرتها جريدة "الصحافي التائه" في 20 شباط 1944؛ وخلاصتها ان اضطهاداً سيشُنُّه بشارة الخوري على الدكتور داهش، وسينزل جزاء روحي بالمُضطهد، وذلك بكسر يده من كتفه، فيُضطر الى قصد القدس للاستشفاء، في 15 شباط 1945. وقد تمّت النبوءة بحذافيرها، مع العلم أنه انُشرت قبل نحو عام من وقوع أحداثها.
والثالثة تكشف تاريخ موت بشارة الخوري، وقداطلعت عليها ابنته السيدة هوغيت كالان بواسطة صديقتها السيدة وداد نفاع التي تسلّمتها بتاريخ 1/ 12/ 1963.

حياة الدكتور داهش في جدول زمني

The beloved 6

هو سليم موسى العشي. والده موسى إلياس أليشي (نسبة الى أليشع النبي، ثم حرّف الاسم الى: العشي) من بلدة إسفس، ووالدته شموني ابنة حنا مراد كانون، من بلدة آزخ (والبلدتان تقعان على السفح الشرقي من "طور عبدين"، شماليّ مابين النهرين)، وكانا ينتميان بالمولد الى الطائفة السريانية الارثوذكسية، ثم اعتنقا البروتستانتية الانجيلية.
عام 1906 اعتزما السفر الى فلسطين لزيارة الاماكن المقدسة، ثم قررا الاقامة فيها، فسكنا في بيت لحم، ومن ثم في القدس حيث ولد سليم في 1 حزيران 1909 بحي باب العمود.
عام 1911 انتقل والداه الى بيروت، حيث استقرا مع اولادهما في حي المصيطبة.
عمل والده في المطبعة الاميركية ببيروت. وفي اثناء الحرب العالمية الاولى، اقتاده الاتراك الى الجندية، فساءت صحته، واصيب بالسل. فسرح من الجندية، ثم نقل الى مصح هملن بالشبانية في لبنان حيث توفي ودفن  في 25 كانونالاول 1920.
بعد رحيل الوالد، تكفلت الوالدة بتنشئة بناتها الاربع وابنها سليم. ونظرا لضيق ذات اليد، ارسل هو وشقيقته انتوانت الى ميتم في غزير بلبنان، تابع للارسالية الاميركية.
في اواخر عام 1921 ترك سليم الميتم بسبب انحراف في صحته. وقد نصح الاطباء والدته بنقله الى منطقة جبلية. وهكذا لم تستغرق اقامته في الميتم سوى بضعة اشهر.
في عام 1922 ارسلته والدته الى بيت لحم ليقيم عند شقيقتها، فدخل هناك المدرسة، لكن سوء صحته منعه من مواصلة الدراسة.
في 7 آذار 1923، حصل على الجنسية اللبنانية بعدما حازتها والدته قبل عامين وفق معاهدة لوزان.
في عام 1924كان سليم  في بيروت، فلم يغادرها. وقد اخذ يميل كل الميل الى الدخول في مدرسة كبرى،لكن حالة والدته المادية لم تسمح له بذلك، فاضطر الى استئجار الكتب من المكتبات لمطالعتها، فحصل مع الزمن ثقافة شخصية واسعة.
اطلق عليه عام 1929 اسم "داهش" نظرا لما ظهر على يديه من اعمال خارقة حتى بات يعرف به.
في عام 1930 قصد باريس حيث اقام اربعة اشهر حصل، في خلالها، على شهادة التخرج في العلوم النفسية من " معهد ساج "(sage institute)، فصار يعرف منذ ذلك الحين باسم "الدكتور داهش".
في 21كانون الثاني 1931 سافر الى القدس ومنها الى القاهرة، حيث اقام بضعة اشهر. ولما كان صيته قد ذاع بسبب الاعمال الخارقة التي كانت تجري على يديه، فقد كان مقصد الناس يزورونه ليستشيروه في بعض الشؤون النفسية او الروحية. وكان، في اثناء اقامته بالقاهرة، موضع حفاوة رجالات الدولة البارزين آنذاك.
في عام 1927 باشر الدكتورداهش تدوين افكاره وعواطفه، وفي اواسط عام 1933 فرغ من تأليف كتابه الاول "اسرارالالهة". وقبل تمام العام نفسه انجز كتابه الثاني "قيثارة الآلهة".
في اواسط الثلاثينيات  من القرن العشرين التف حوله عدد من المثقفين الذين تبنوا منطلقاته الفكرية الروحية، منهم الشاعر مطلق عبد الخالق والوجيه توفيق العسراوي.
في عام 1935 قام بعدة رحلات، منها رحلة الى ايطاليا فباريس. وفي اثناء ذلك العام كان يعد لطبع رائعته الادبية "ضجعة الموت".
في مطلع عام 1936 صدر كتاب "ضجعة الموت" في مجلدين: "الضجعة" النثرية، و"الضجعة" الشعرية (نقلها من صيغة النثر الى صيغة الشعرمطلق عبد الخالق). وقد صدرت "الضجعتان" مخطوطتين بريشة الخطاطين الشهيرين محمد حسني ونجيب الهواويني، ومزينتين بلوحات فنية مناسبة لنص الكتاب رسمها الفنان الايطالي موريللي. وفي خلال هذا العام وضع الدكتور داهش كتاب "كلمات"، وصدرت طبعته الاولى عام 1939.
في اواخر عام 1938 زار بغداد حيث كان موضع حفاوة الامراء والوزراء. وكتبت الصحف المقالات المشبعة عن اعماله الغربية المدهشة.
في صيف 1939 قام برحلة الى داخل البلاد السورية، فركب السيارة في 12 تموز من بيروت الى طرابلس، ومنهااستقل القطار الى حلب ثم دير الزور فالى عين ديوار حيث الحدود السورية التركية.
في مطلع عام 1940 باشر الدكتور داهش وضع كتابه "الدهاليز" الذي كان يكتب فيه كل يوم صفحة واحدة.
في 23 آذار 1942 أعلن الدكتور داهش في بيروت رسالته الانسانية الروحية الداعية الى الايمان بالعدالة الإلهية، ومبدأ الثواب والعقاب، والتقمص، ووحدة الأسرة البشرية، ووحدة الأديان الجوهرية. وقد راقت هذه العقيدة فئة من مختلف طبقات المجتمع اللبناني، فأقبلت على اعتناقها، الأمر الذي ألب على مؤسسها بعض رجالات السلطتين السياسية والدينية، وعلى رأسهم بشارة الخوري، رئيس الجمهورية اللبنانية (1943 – 1952).
في 8 ايلول 1944 أصدر بشارة الخوري مرسوماً يقضي باخراج الدكتور داهش من الاراضي اللبنانية بعدما جرّده من جنسيته اللبنانية بطريقة اعتسافية، فأُبعد في اليوم التالي الى حلب في سوريا، ومنها الى أعزاز، عند الحدود السورية التركية.
في 9 تشرين الأول 1944 استطاع الدكتور داهش العودة سراً الى بيروت. ولما حالت السلطة السياسية دون استرداده جنسيته بالطرق القانونية، ومنعت الصحف من نشر ردوده على افتراءاتها، باشر حملة قلمية، فأصدر عشرات المناشير والكتب السوداء يعرض فيها الظلم الذي نزل به، ويفضح مفاسد عهد بشارة الخوري.
منذ أواخرعام 1944 الى أوائل عام 1953 كان على الدكتور داهش ان يحتجب قسراً عن الناس بسبب اضطهاد السلطة له إبان عهد بشارة الخوري. لكنه استطاع في خلال تلك الأعوام ان يُراسل الفنانين في أوروبا، ويقتني لوحاتهم الفنية بهدف اقامة متحف يطلق عليه اسم "المتحف الداهشي". وفي أثناء احتجابه القسري أيضاً استطاع ان يؤلف ويطبع كتباً عدة،منها "جحيم الدكتور داهش" (1945)، و"بروق ورعود" و"مذكرات دينار" (1946).
في النصف الثاني من عام 1947 نشرت بعض الصحف اللبنانية خبراً مؤيداً بصورتين فوتوغرافيتين يفيد ان الدكتور داهش قد أعدم في أذربيجان بايران، الأمر الذي أكده السفير الايراني للسلطات اللبنانية. أما الدكتور داهش فكان، آنذاك، يُقيم في بيروت.
في 15 ايلول 1952 أعلن الشعب اللبناني، بكل فئاته وطوائفه، إضراباً عاماً حتى إسقاط بشارة الخوري من الحكم بسبب مفاسد عهده، الأمر الذي حمله على تقديم استقالته من رئاسة الجمهورية في 18 ايلول 1952.
في 6 شباط 1953 اجتمع مجلس الوزراء الجديد وأصدر قراراً أعاد بموجبه الى الدكتور داهش جنسيته اللبنانية. وفي 24 آذار 1953 أصدر الرئيس كميل شمعون (الذي خلف بشارة الخوري) مرسوماً ألغى بموجبه مرسوم الابعاد.
بعد عام 1953 عاود الدكتور داهش حياته الاجتماعية، فكانت دارته في بيروت ملتقى للأدباء والمفكرين، يرتادها زوار من جميع فئات المجتمع اللبناني، ومن سائر الأقطار العربية.
في 22 حزيران 1964 نشرت مجلة "الأسبوع العربي" البيروتية مقابلة صحفية مع الدكتور داهش توجتها بالقول: "أنا داهش أتحدث اليكم". وكانت تلك أول مقابلة صحافية مطولة تجرى معه بعد احتجابه. ثم كرت سبحة المقابلات في كبريات الصحف اللبنانية.
بدءاً من عام 1969 باشر الدكتور داهش سلسلة رحلات عالمية شملت معظم أقطار العالم، وكان من أهدافها  ابتياع اللوحات والتحف الفنية لإغناء المتحف الداهشي الذي كان قد باشر جمع مقتنياته منذ زمن. وقد دون وقائع رحلاته في سلسلة مؤلفة من 22 مجلداً تحت عنوان "الرحلات الداهشية حول الكرةالأرضية".
بدءاً من 9 آذار 1976 الى أواخر عام 1978 واصل الدكتور داهش رحلاته العالمية، فزار عدة بلدان منها الولايات المتحدة الاميركية التي شحن اليها مقتنياته الفنية بسبب اندلاع الحرب اللبنانية عام 1975.
في 14 كانون الاول 1978 عاد الى لبنان ليُشرف على طبع مؤلفاته، ومنها "قصص غريبة وأساطير عجيبة" (في أربعة أجزاء)،والأجزاء الأولى من سلسلة "الرحلات الداهشية"، وسلسلتا "حدائق الآلهة توشيها الورودالفردوسية" (10 أجزاء) و"فراديس الإلهات يرصعها اللينوفار المقدس" (10أجزاء).
في 1 أيلول 1980 غادر لبنان لاسئناف رحلاته العالمية، فزار أميركا الشمالية وأوروبا والهند... الى ان وافته المنية في 9 نيسان 1984 في الولاياتالمتحدة الأميركية حيث دفن.


(
من كتاب "الدكتور داهش بأقلام نخبة من معاصريه")

 

وأيضاً آراءنا :

 

رد جديد من الداهشيين

 

أثار الموضوع عن الدكتور داهش ردوداً عدّة بعضها فنّد الأفكار من منطلق بحثي, وأخرى أقل  شأناً.

 

وقد نشرنا وننشر بعضها, ونكتفي بهذا القدر اذ ليس من جديد في مضمون الرسائل. واذا ورد لاحقاً فادارة " نهار الشباب " مُستعدّة لذلك لتحريك الفكر والعقل ليس أكثر.

 

ما أودّ الردّ عليه هو مقالة في " نهار الشباب " الصادر في 52 تشرين الأول 2010 بقلم الأب انطوان يوحنا لطّوف تحت عنوان " الدكتور داهش " النبي الكذّاب ". لكن قبل ذلك لا بدَّ من التعليق على العنوان ومنحى الخطأ فيه.

 

ان أول ما يعلمنا به تاريخ الأديان ان آخر من يجب استشارتهم هم رجال الدين. فعندما يأتي صاحب أفكارٍ جديدة, أو أي مُصلحٍ أو نبي, فهم أول الذين يضطهدونه ويتَّهمونه بأنه رئيس الشياطين ويعدّون له الصليب والمسامير ليغرسوها في يديه ورجليه. ولائحة أسماء الذين تمَّ اضطهادهم أو حرقهم على يدِ هؤلاء طويلة, انَّها سلسلة تبدأ ولا تنتهي. فروائح الأجساد المحترقة التي أضطهدتهم وأحرقتهم محاكم التفتيش الدينيّة لا تزال تسمِّم الهواء, بل انّها ازكمت أنف التاريخ.

 

الدكتور داهش لم يقل عن نفسه انَّه نبيّ حتى عندما كانت تسأله الصحافة ذلك. انّه ليس في حاجة لأن يعرِّف عن نفسه, فأعماله وأفكاره تعرّف عليه. وكما يذكر الأنجيل المُقدَّس , انه عندما أرسل يوحنا تلامذته ليسألوا يسوع ما اذا كان هو المسيح المُنتظر أم عليهم أن ينتظروا آخر. لم يقل لهم شيئاً سوى: " اذهبا وأعلِما يوحنا بما سمعتما رأيتما: انَّ العميان يبصرون, والعرج يمشون, والبرص يطهرون, والصمّ يسمعون, والموتى يقومون, والمساكين يبشرون " (لوقا 7:17:22) ,

 

فأعمال النبيّ ومُعجزاته تدلّ عليه, ولا حاجة للأنسان العاقل المجرّد من الغايات لأي برهانٍ آخر أصدق من هذا.

 

وأنتقل من العنوان الى تفنيد التضليل المُمنهج في المقالة:

 

تصف المقالة الدكتور داهش بأنه " أخطر مُشعوذ " و " أنه شغل الناس نصف قرن بمُعجزاتٍ زائفة , وأسَّس الداهشيّة وكان كذبة كبرى ", ومن ثم تقول " فضح اعترافه قبيل وفاته مصدر قوّته ". وتفرد المقالة أكثر من صفحة لتفسير هذا الذي سمَّاه " اعترافه الأخير " مُقتبساً رواية من كتاب هشام شرابي " صور من الماضي " وهو كتاب مُذكرات عن طفولة المؤلف وشبابه. وهذه الرواية تقتبس حديثاً جرى في مقهى بين شرابي وداهش وتقتبسها المقالة هكذا:" قال (داهش ) لأحد أصدقائه ( شرابي ): "الناس بتحب الروحانيات, خصوصاً اذا ارتبطت باللاروحانيات "! ثم ابتسم بفتور وقال " لا تظلمني. ولا تظلم الناس . أنا لم أكذب على أحد. الناس يريدون الهرب الى الماضي, الى المستقبل, الى العالم الآخر, والأتصال بالأرواح للخروج من كابوس الحياة. الصوت الذي يسمعونه من عالم الموتى هو صوتهم, صوت الموت الصادر من اعمالهم ".

 

سأتغاضى الآن عن بعض الأحكام التي يطلقها عادة رجال الدين على من لا يخضع لسلطتهم ويفسر أمور الدين بغير ما يفسّرون, مُتناسين كلام سيّد المجد:" لا تدينوا لئلا تُدانوا " لأشير الى المغالطة والتضليل بما نشرته المقالة كما ذكرت حديث في مقهى يعود الى اوائل السبعينات, وهكذا فان هذا الحديث الفلسفي القصير جرى قبل انتقال الدكتور داهش بما يتجاوز العشر سنوات يتحوّل الى " اعتراف قبيل الوفاة " .

 

بالأضافة الى ان هذا الحديث يبعد عن انتقال الدكتور داهش مسافة زمنيّة طويلة,من حيث المضمون لا يمكن تفسيره بالأعتراف الاَّ اذا ذهب الانسان بعيداً وشطَّ به الخيال في تفسير الأمور.

 

هذا من ناحية التضليل, امّا من ناحية تفسير هذا الحديث, فجاء في المقالة:" بعدما ادَّعى الايمان بالله وخادع الناس وأدهشهم بالشعوذة, اعترف بأنَّ " الروحانيّات " التي مارسها لا علاقة لها بالروحانيّات الحقيقيّة. وهذا معنى قوله " الناس تحب الروحانيّات, خصوصاً اذا ارتبطت باللاروحانيات ". ان تفسير المقالة لهذا الحديث يستبطن الكثير من سوء النيّة ان لم يكن أكثر. ان من يعرف قليلاً الدكتور داهش يعرف تماماً كم عبّر عن مدى اسفه والمه من أشخاص ارادوا زيارته ليس حبّاً بالمعرفة الروحيّة والحقيقة , انّما لمقاصد خاصة ومصالح شخصيّة لا علاقة لها بالروحانيات من قريب أو بعيد.

 

ويفيض صاحب المقالة في تفسيره الحديث فيقول:" اعترف داهش بأن أعماله أعمال موت, وانه واسطة موت, وأداة موت, وقد جُمعت في شخصه وأعماله شرور عظيمة وأشكال موت شتّى ".

 

وهنا نرى في هذا التفسير اسقاطاً لرأي الكاتب بداهش وهو مجرَّد اتِّهام وتضليل لا علاقة له بالنص المُقتبس.

 

التشويه والتضليل لم يتوقفا عند التفسير بل تردّد المقالة أخباراً هي من عدّة الشائعات التي اعتمدتها السلطات , خصوصاً الدينيّة في حملة الأضطهاد البشعة والطويلة ضد الدكتور داهش واتباعه, في مطلع اربعينات القرن الماضي وبعدها, فنسبوا الى الدكتور داهش أخبار مُعجزات هي محض اختلاق وروجوها في مجالسهم وجرائدهم ومدارسهم, فقط لتبرير اضطهادهم ولاظهار أعماله في شكل كاريكاتوري تهريجي, مثل انه " وضع رأسه عند الحلاّق وذهب " و "مرّة دعا اصحابه لأكل الخيار ثم وجد كلٌّ منهم حذاءه في فمه ". كأنّي بالذين أضطهدوه يومذاك لم يستطيعوا انكار مُعجزاته فلجأوا الى أسلوب التشويه من طريق أختراع أخبار ومُعجزات كاريكاتورياً, وهي من صنع خيالهم.

 

وتسخر المقالة بعدها من دعوة الدكتور داهش بقولها انها دعوة اصلاح, فتقول:" ودعا داهش الى توحيد الأديان والعودة الى الأيمان الحقيقي الصافي " وكيف يوحّد الأيمان المسيحي مع الداهشيّة "؟ وكيف يجمع متناقضات الأديان وهو لا يدلّنا اين يوجد الايمان الصافي, وكيف يتحقّق؟ فمناداته هذه هي دعوة للأنضمام الى عقيدته ؟ ".

 

الأجوبة على هذه الأسئلة بسيطة وواضحة في كتب الدكتور داهش, فالأيمان الصافي هو في عدم الأكتفاء بالطقوس والأختلاف على جنس الملائكة, والاَّ تحوّل الدين وثنيّة جديدة مُقنَّعة تحمل اسم الدين لا روحه, كما نراه سائداً اليوم. ولا بدَّ من القول هنا, انه يمكن تحدبد ايمان الفرد, بكل بساطة, بالنظر الى سلُّم أولوياته. ان الأيمان الحقّ بالنسبة الى الداهشيّة هو أولاً وقبل كل شيء العودة الى الأصل أي العودة المباشرة الى الكتب المُقدّسة والعمل بها, فهي كتب حياة لا كتب فلسفة. وان ما يأتي لاحقاً على الكتاب المُقدَّس من طقوس وفلسفة ولاهوت يمكن أن يضيء عليه, لكنّه لا يحلّ ابداً محلّه أو يقطع معه. انَّ الآنجيل بتعاليمه السماويّة ونقائه الالهيّ يستطيع حتى الأطفال فهمه, فهو الى جانب كونه كتاباً سماوياً يبدو بالنسبة الى عمق بساطته وكأنه كذلك من كتب الأطفال الذين أحبّهم المسيح الفادي, حتى انه طلب من تلامذته ومن الآخرين ان يولدوا من جديد ليعودوا اطفالاً كي تكن لهم نعمة السماء ) متى, 18: 2 و 3 ).

 

وأخيراً, انه مهما يشوه اصحاب السلطة والسلطان الحقائق, فان محكمة التاريخ هي التي تنتصر دوماً. ان زمن اضطهاد الأفكار والمعتقدات ولّى الى غير رجعة. ولن يستطيع أحد اعادة دولاب الزمن الى الوراء. لم يضطهد الدكتور داهش أحداً, بل هو تكلّم عن الحريّة بأنّها " مُنحة الخالق الى الخلائق ". قد عبّر عن هذا في كل كتبه. ولعلَّ أفضل ما يلخّص ايمانه بحريّة الضمير والمُعتقد من دون تخوين الآخر الذي يختلف معه في الرأي عبارة وردت في مقدمة كتاب " ضجعة الموت " حيث يقول:" هذا رأي يا أخي, فان صدّقت فحبّاً وكرامة, والاَّ فأنت وشأنك. "

 

فوزي برجاس.

 

Developed by WARM Studios        Copyright 2016 This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it. All Right Reseved This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.