أنا أؤمن بأنه توجـد عدالة سماويّة, وأن جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدنيا من مُنغصات انَّ هـو الاّ جـزاءٌ وفاق لِما أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور.ولهـذا يجب علينا أن نستقبلَ كلّ مـا يحـلّ بنـا من آلامِ الحياةِ ومآسيها غير مُتبرّمين ولا متذمّرين , بل قانعين بعدالةِ السماء ونُظمها السامية.

Highlighter
أحبُّ الكُتُبَ حبَّ السُكارى للخمر , لكنَّني كلَّما أزددتُ منها شرباً, زادتني صَحوا
ليس مّنْ يكتُبُ للهو كمَن يكتُبُ للحقيقة
الجمالُ والعفّــة فـردوسٌ سماويّ .
لا معنى لحياةِ ألأنسان اذا لم يقم بعملٍ انسانيٍّ جليل .
اعمل الخير , وأعضد المساكين , تحصل على السعادة .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقـوم بأعمالِ الخير نحـو ألأنسانيّة .
الموتُ يقظةٌ جميلة ينشُدها كل مَنْ صَفَتْ نفسه وطَهرت روحه , ويخافها كلّ من ثقُلت أفكاره وزادت أوزاره .
ان أجسامنا الماديّة ستمتدّ اليها يـد ألأقـدار فتحطِّمها , ثمّ تعمل فيها أنامل الدهـر فتتَّغير معالمها , وتجعلها مهزلةً مرذولة . أمّا ألأعمال الصالحة وألأتجاهات النبيلة السّامية , فهي هي التي يتنسَّم ملائكة اللّه عبيرها الخالد .
نأتي إلى هذا العالمِ باكين مُعولين، و نغادره باكين مُعولين! فواهً لك يا عالمَ البكاء والعويل!
جميعنا مُغترٌّ مخدوعٌ ببعضه البعض.
العدلُ كلمة خُرافية مُضحكة.
أمجادُ هذا العالم وهمٌ باطل، و لونٌ حائل، و ظلٌّ زائل.
لا باركَ الله في تلك الساعة التي فتحتُ فيها عينيّ فإذا بي في مكانٍ يطلقون عليه اسم العالم .
أنا غريبٌ في هذا العالم، و كم احنُّ إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.
الحياةُ سفينةٌ عظيمة رائعة تمخرُ في بحرٍ، ماؤه الآثام البشريَّة الطافحة، و امواجه شهواتهم البهيميَّة الطامحة، و شطآنه نهايتهم المؤلمة الصادعة.
كلّنا ذلك الذئبُ المُفترس , يردع غيره عن اتيانِ الموبقاتِ وهو زعيمها وحامل لوائها , المُقوّض لصروح الفضيلة , ورافع أساس بناءِ الرذيلة .
الحياةُ سلسلة اضطراباتٍ وأهوال , والمرءُ يتقلَّب في أعماقها , حتى يأتيه داعي الموت, فيذهب الى المجهولِ الرهيب , وهو يجهلُ موته , كما كان يجهلُ حياته .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقومَ بأعمالِ الخير نحو الانسانيّة .
المالُ ميزان الشرِّ في هذا العالم .
السعادةُ ليست في المال , ولكن في هدوءِ البال .
كلُّ شيءٍ عظيمٍ في النفسِ العظيمة , أمّا في النفسِ الحقيرة فكلُّ شيءٍ حقير .
الرُّوح نسمةٌ يُرسلها الخالق لخلائقه لأجل , ثم تعودُ اليه بعجل .
الرُّوح نفثةٌ الهيَّة تحتلُّ الخلائق , وكل منها للعودة الى خالقها تائق .
الرُّوح سرٌّ الهيٌّ موصَدْ لا يعرفه الاّ خالق الأرواح بارادته , فمنه أتتْ واليه تعود .
أنا أؤمن بأنه توجـد عدالةٌ سماويّة , وأنَّ جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدُّنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدارٍ انَّ هـو الاَّ جـزاء وفاق لمِا أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور . ولهـذا يجب علينا أن نستقبل كلَّ مـا يحـلُّ بنـا من آلام الحياة ومآسيها غير م
الحرّيةُ منحة من السماءِ لأبناءِ ألأرض .
الموتُ ملاكُ رحمةٍ سماويّ يعطف على البشر المُتألّمين , وبلمسةٍ سحريّة من أنامله اللطيفة يُنيلهم الهناء العلويّ .
ما أنقى من يتغلّب على ميولِ جسده الوضيع الفاني , ويتبع ما تُريده الرُّوح النقيّة .
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
الراحة التامّة مفقودة في هذا العالم , وكيفما بحثت عنها فأنت عائدٌ منها بصفقةِ الخاسر المَغبون .
ليس أللّــه مع الظالم بل مع الحقّ.
ان الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الكاذب.
ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين وغوث الملهوفين والحنو على القانطين , وما أقلَّ تنفيذهم القول.
يظنُّ بعض ألأنذال ألأدنياء أنّهم يُبيّضون صحائفهم بتسويدِ صحائف الأبرياء , غير عالمين بأنَّ الدوائر ستدور عليهم وتُشهّرهم.
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السَّلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
رهبة المجهول شقاء للبشرِ الجاهلين للأسرارِ الروحيَّة , وسعادة للذين تكشّفت لهم الحقائق السماويَّة .
الموتُ نهاية كل حيّ , ولكنه فترة انتقال : امّا الى نعيم , وامّا الى جحيم .
الحياةُ خير معلِّمٍ ومُؤدِّب , وخيرَ واقٍ للمرءِ من الأنزلاقِ الى مهاوي الحضيض .
حين تشكُّ بأقربِ المُقرَّبين اليك تبدأ في فهمِ حقائق هذا الكون .
مَنْ يكون ذلك القدّيس الذي لم تخطرُ المرأة في باله ؟ لو وجدَ هذا لشبَّهته بالآلهة .
المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السُّلطان. و هي تحملُ بيدها سيفاً قاطعاً لو حاولَ رجالُ الأرض قاطبةً انتزاعه منها لباؤوا بالفشلِ و الخذلان .

قصّة تقمّص

بقلم زينة حداد

موت جوهان

المعركة محتدمة ، و الجيشان العدوان ملتحمان في قتالٍ ضار. و تئزّ كرات الرصاص بعضها على مقربة من بعض. حقا"، انّ الأسلحة الحديثة ميزة هذا العصر.

الموت ينشر ظلاله على أرض المعركة الحامية الوطيس، و النار مندلعة في أرجائها كافة. و يحاول جوهان، والقنبلة في قبضته ، ان يصيب هدفه. الاّ ان رصاصة قاتلة تعالجه، فيسقط لا حراك به. و مع ذلك، فلا يزاليه الاحساس بأنه حيّ حقا". فيحاول ان يحرك ذراعيه و رجليه ، فلا تطاوعة في تصلبها . و يحاول الصراخ , فلا يسمعه رفاقه! الجرح غير ذي ألم ،. فهو لا يحسّ به .

جوهان ميّت ... لكنّه ما يزال يجهل ذلك !

المعركة لا تنفكّ دائرة , وهو لا يني يسمع دوي الأنفجارات ... ولكنه لا يتسنّى له اطلاقا" أن ينهض ويلتحق بكتيبته !

يمرّ ممرضو الصليب الأحمر على مقربة منه وهم يلملمون الجرحى , فيقول الطبيب :" لا جدوى من المكوث عنده , انّه ميت ". فيحاول جوهان أن يصيح فيهم :" خذوني ... فما أنا بميت ". لكنّه لا ينبث ببنت شفة .

واذا عهد جديد يبدأ عند جوهان ! يراه شبح الموت , فيُقبل نحوه ليعتقه , ويفصل نفسه عن جسمه . عندئذ يعلم جوهان أن الطبيب كان مُصيبا" وأن الموت اخترمه في ريعان صباه , وأنّه آل في رهط كبير من أمثاله الى مصير واحد .

حشدٌ ذاهل متراصّ ينتظر الأمر بارتقاء المركبة التي ستمضي به الى قضاته . وكأنّه قطيعٌ يُساق , قطيعُ نفوس أشبه بظلالٍ شاحبة ! وعند اشارة من ملاك الموت , يتّخذ الجميع مواضعهم في مركبة العالم الثاني .

الا أن جوهان كان ذا حظوة بين أمثاله من صرعى الحرب . يراه الموت , فيحييّه , ويحاول انتشاله من الذهول الذي ما زال يشلّه : " أفيقي أيّتها النفس , أفيقي . كنت على الأرض كمن في هجوع . كنت تشيرين وتتحدّثين كأنّك آلة مسيّرة . كنت أشبه بانسان آلي . اختلجي بالحياة . ليسقط الحجاب الذي يعميك , ولتنكشفي لك الحقيقة .

ورويدا" رويدا" , تنبّه كلمات الموت جوهان , فيدرك أن الحياة على الأرض لم تكن الاّ حلما" أو اغفاءة يسيرة لم تستغرق من الوقت غير ما يستغرقه الكابوس .

ويردف الموت قائلا" : " والآن , هل عرفتني , يا جوهان ! " لكنّ جوهان لا يستطيع أن يدرك معنى هذا الكلام الذي لا عهد له به . فيباديه الموت بالقول :" هيّا , استعد ذكرياتك عن عالم الضباب . صحيح أن كلماتي لم يحن وقتها بعد , لكنني مُنعش , في الطريق , ذاكرتك . هلم , البثْ على مقربة منّي .

ستنبلج الحقيقة , الحقيقة التي تعول وتنوح علّنا نصغي اليها , الحقيقة التي تعصف كالريح كيما نحسّ بها .

الحقيقة هي الآن شاطئك الجديد , وأنت هو البحّار . وعلى قدر ما توغل في الرحلة , تكتشف ذلك العالم الجديد , فتستردّ ذكرياتك , وتربو كل يوم معارفك . وستدرك أن الحياة الدنيا ما هي الاّ هزأة . على أنّه لا بدّ منها كيما يعجم من الأنسان عوده " .

وتعظم حيرة جوهان في هذه اللغة الجديدة !

هوذا جوهان يصحب الموت , فيرودان في سرعة البرق عالما" كالثلج نصوعا" , عالما" صيغ من سحب رحاب غير محدودة .

ثمة طريق تتخلل تلال الغيوم , فتسلكها المركبات التي تقلّ النفوس , . وهي التي يسلكها الآن جوهان في جمع من الأفراد غفير . الموت يمضي بهم الى حيث الدينونة , الى عالم لا يعدو مستوى أرضنا . مركبة بطلنا وصحبه مجنّحة كالطائرة فيتسنّى للذين هم على متنها أن يروا الأرض . وهي اذا قيست بالكوكب السيّار الذي يجتازونه , لاحت لهم كحبّة رمل أو كهزأة . وذلك الكوكب انما هو " قصر العدل " الذي تلجه النفس لتُدان .

ما أتاه كلّ منهم سيكون دينونته أو خلاصه . ما ثمة نسيان . سرعان ما ترفأ خروق الذاكرة في حضرة القضاة الذين لا يعدمون وسيلة لأنعاشها .

 

القُضـــــــاة

قُضاة أللّـه ماثلون هنالك . عدّدهم غفير . وهم على بيّنه مما نُدبوا الى القيام به أمامه تعالى .

حُكْمُهم مُبرمْ . السماوات القت بين أيديهم مقاليد القضاء المُطلقة , اذ وهبهم أللّه المعرفة , ومدّهم بالحكمة كما مدّ سليمان بها .

ما من أحد من قاطني الأرض – على كثرتهم الساحقة – بمغفول عنه . لكل امرىء سجل محفوظ يحصي عليه جميع ما يقوم به . وما السجلّ غير فيلم ينقل نقلا" دقيقا" كل خاطر , ويحفظ كل قول , بل أدقّ الحركات . وعلى الجملة , انما هو شريط تسجيل سينمائي أمين .

على أن الفيلم طويل جدا" , . فهو لا يصوّر حياة" واحدة" فحسب , بل أدوار الحياة السابقة كافة أو التقمّصات في خلال العصور . ذلك أن كلا" منّا قد عاد الى الأرض مرّات متعدّدة . فقد ساقتنا أعمالنا الى الولادة عليها غير مرّة في أحوال نستحقّها .

يمتحن القضاة فيلم كل نفس , ويوازنون بين تقمّصها الأخير وتقمّصاتها السابقة . انّهم يتحرّون التحسّن في سلوك البشر . وانّهم في أحكامهم لمنصفون .

من البشر من يرسلون الى النار لينالوا العقاب الذي يستحقّونه , فيكفّروا فيها عن آثامهم , وذلك قبل أن يتاح لهم الولادة ثانية على الأرض . ومنهم من يحكم عليهم بالعودة اليها مصابين بالعاهات , أو عميان , أو بائسين ... ذلك أن أعمالهم السابقة أورثتهم شتّى العاهات . الم يقل السيد المسيح للمقعد : " قم . لقد غفرت لك خطاياك . لا تعد الى الخطيئة لئلا تصاب بأسواء"؟ ! .

ليس لحد أن ينكر العدالة الالهيّة . كثيرا" ما يطرح السؤال :" لما هذا الولد سليم , والآخر أعمى , مع أن الوقت لم يتّسع له لأقتراف الجريرة التي يلزم عنها هذا العقاب ؟.. والجواب أن ذلك الولد ارتكب الجريرة في حياة سابقة, وهو الآن يحصد عواقب ما قام به .

التقمّص رحمة الهيّة اتيحت للانسان لتهذيب نفسه . فاذا تسنّى له أن يقهر التجارب الدنيويّة التي لا بدّ من اختبارها , أثيب . أللّه يعجم عود الأنسان , فيبلوه , ويضعه في شتّى الظروف الممكنة المعقولة . فقد تفيض الثروة عليه حينا" . وقد ينهكه الفقر المدقع والجوع حينا" آخر . قد يغدو من رجال القانون اللامعين , أو من ذوي ألشأن أو من عامة الناس ... المهم أن يفيد من وضعه فائدة روحيّة , فلا يسقط في تجربة الشرّ .

اننا , في كل ولادة نتحمّل نتائج الماضي . لذلك , تختلف أحوال ولادتنا بعضها عن بعض حتى أننا قد نصير , ذات يوم , فيلا" , أو سمكة , أو نبتة , أو زهرة , أو حجرا" , ألم يقل يسوع :" ان أللّه قادر أن يقيم من هذه الحجارة أبناء لابراهيم ؟".

والتقمّص انما يتحقق بواسطة السيّالات . ولكن ما هي السيّالات ؟

ألسيّالات نسيج الكون , ومبدأ كل حياة على الأرض . تنبثق من الأرواح الكلّية , أصل وحدتها . على أنّها تتباين بمظاهرها الخارجيّة . وهي لا تقتصر على الأنسان وحده , بل تتعداه الى الحيوان والنبات والجماد .

وتتفاوت السيّالات عددا" بين كائن وآخر . يولد كل منّا مزوّدا" بقدر من السيّالات معين هو علّة حياتنا على الأرض . وعندما يغادرنا آخر سيّال حيّ فاعل , يحصل ما ندعوه " الموت".

وللسيّالات خصائص أخرى ... وهي انما تتحقق بما نقوم به من أفعال خير أو شر . وأن سلوكنا لا يسوقنا , من فوره , انّما الى درجة عليا وامّا الى دركة دنيا , الأمر الذي يعللّ في الغالب , رجوعنا الى الأرض على وفق ما نرتقي , مع الزمن , من هاوية الآلام حتى نبلغ مستوى الأرض , فنولد عليها .

أمّا تذكّر تقمّصاتنا السابقة , فمثله مثل رسم فوتوغرافي ممزّق مبدّد . من المزق ما يقع على الأرض , ومنها ما تحمله الريح هنا وهناك ... فاذا لملم عابر سبيل بعضها تعذّر عليه التحقّق من هويّة صاحب الصورة حتى يستكمل جمع سائر الأجزاء المبعثرة . هذا ما يفسّر لماذا نولد على الأرض من غير أن تقوى على تذكّر تقمّصاتنا السابقة .

وعليه , فما يدان الآن انّما هو تلك السيّالات الغفيرة . تلج عالم العدالة , ثمّ تغادره , فتستقلّ المركبة المولجة بردّها الى العوالم المعدّة لها . ومن على بعض العربات يسمع الصراخ وصرير الأسنان .

القانون هو القانون . والعدالة هي العدالة . وما يزرعه الأنسان ايّاه يحصد .

على ان ما يعنيني الآن , قصة جوهان . يسلّمه الموت الى العدالة الالهيّة , بيرق أللّه , فيعرض جوهان حياته على الأرض حتى موته في ساحة المعركة , فيعاقب . الاّ أن بعض أعماله يكسبه الرحمة الالهيّة , فيدان بالولادة مرّة جديدة على هذه الحمأة الحقيرة , ويعطى فرصة تكفير عمّا اجترحه من ذنوب .

ويسمح له أن يعرض , قبل الولادة التقمّصات التي عاشها , ويختار مسقط رأسه الجديد على الأرض علّه يجني من تقمّصه الآتي كبير نفع . وذلك بأن يسعى الى التكفير عمّا أنزله من أذى في بعض الناس , فيختار أين يقيمون, ويحاول الاجتماع بهم وتجنّب الوقوع في الأخطار نفسها .

ويتكفّل الموت به , فيركبه بقربه في العربة نفسها التي أقلّته الى قصر العدالة. وفيما هو يجمع المتوفّين , يطوف به شتّى البلدان التي عاش فيها .

 

حديــث المــــوت

ظلاّن خفيّان متجاوران في مركبة تجري بسرعة مذهلة !

هوذا جوهان يحلّق فوق العالم في طائرة سماويّة ! أمور كثيرة تذكّرها , لكن أمورا" أخرى تغيب عنه . فيذكّره الموت بوقائع وأدوار حياة سابقة ... انّها رحلة ممتعة .

يقول الموت لجوهان :" منذ أعوام بعيدة , كنّا شقيقين يحبّ واحدهما الآخر حبّا" صادقا" . ولقد مدّدت لي , في الظروف العصيبة , يد العون . لذا تراني أعنى بك الآن , فأفيك حقّك في مبادلتك المساعدة الأخويّة .

غادرت أنا الأرض , فعهد اليّ في العالم الروحيّ بهذه المركبة . تبعة شاقّة عسيرة .

قاطنو الأرض يبغضونني , ويشيّعون أني أنا المنجل الحاصد . لكنّهم بعامّتهم يجهلون أنّ كلا" منهم انما يحمل في ذاته منجله ! عدد أعوام كل امرىء وقف على أفعاله في حياته هذه وفي أدوار حياته السابقة . ولا شأن لي أنا الاّ جمع النفوس الهائمة , وردّها الى منازلها الخاصّة بها .

الأرواح لا تضرب عن العمل . عالمها مثل قرى النمل أو خلايا النحل لا يفتر فيه العمل ليل نهار , وعصرا" تلو عصر ... هلاّ اعتبرت , يا جوهان , فحاولت بكل طاقتك الاّ تتيح لك أعمالك العودة الى الأرض ريثما تنتظم في احدى الخلايا السماويّة حيث يسود نشاط روحيّ مسيّر بالمعارف الالهيّة !

أمّا أنا , فآمل أن أحسّن سلوكي ذات يوم , وأرتقي الى عالم أفضل . عندئذ , يضطلع سواي بما كلّفت به كما اضطلعت أنا به بدلا" ممن تقدّمني " .

 

ذكريــــــات

مركبة الموت تنسل خافية في سكون ، و تحلق فوق أرض المعركة التي خلّف عليها جوهان جثته، فإذا به يقول: " يا لهزأة الأرض ! أنا الآن أسبح فوق ذاتي ، و أرى فسادي! في جيوب بزتي العسكرية أوراق شخصية كنت أحرص عليها حرصي على حياتي. أما الآن ، فلا أعبأ بكل ما كان يخصني. " في أثناء ذلك ، تحتشد المركبة بالنفوس...

و يستأنف الموت الحديث , فيقول :" أتذكرت , يا جوهان , ذلك الضريح الفخم ؟ "

فيجيب جوهان :" بلا ريب ,. انه ضريح جدي. ما كان والدي ليكف عن سرد ماثره على مسمعي. كان يقول لي:" كان جدك قائدا" عظيما" استشهد في ساحة المعركة مسربلا" بالشرف, و ذلك قبل ان تولد . و اني لأرغب في ان تحاكيه ." هكذا كان والدي و هو لا يدري- يطري في ابيه ما لا مسوغ له من الشجاعة عندي.

الحرب هراء ! في تقمصيّ الأخيرين, مت فرنسيا" , و كنت ادعو فرنسا وطني. أما اللآن , و فيما نحن محلقون فوق ألمانيا, فإني أتذكر مسقط رأسي منذ مئة و خمسين عاما". فقد حاربت نابليون على مقربة من كولونيا , و عدت الى قريتي بجدعة و أنا ألعن فرنسا و قائدها , مثلما لعنت ألمانيا حين مت فرنسيا" . "

المركبة تحلق فوق الأرض , محجوبة أبدا" عن الأنظار. جازت ألمانيا الى روسيا, بلاد القياصرة العظام , فتوالت موسكو و كييف و ليننغراد بأنصابها التاريخية .

و في أثناء تحليقها , شوهد نصب يمثل قيصرا" عظيما". فقال الموت :" أرأيت ذاك العاهل الكبير المشهور بإستبداده ؟" أجاب جوهان :" أجل رأيته , و لا أود اطلاقا" استعادة ذكراه . ذكريات رهيبة تعاودني. كنت , يوم ذاك , في جملة الأرقاء الذين يعملون في أراضيه .

كان الجوع يضنينا , و سوط الطاغي يتربص بنا في كل حين , فيقطع لحماننا مزقا" , و ينكل بنا بضراوة . و لقد لقيت حتفي تحت ضرباته . "

قال الموت :" و لكن اعلم , يا جوهان , بأن عدالة الله سرعان ما تجلّت , فانقلب الطاغي , بعد موته عبدا" رقيقا" عند نجله, فعامله المعاملة نفسها , بل أسوأ منها ."

فأردف جوهان بقول : " حدق الى هناك , يا صديقي. ذاك كوخي القديم المتواري في الغابة . كنت اعود اليه في المساء مرتجفا" من الصقيع , مرهقا" من العمل. و كانت ماريا زوجتي تستقبلني , و تواسيني ما وسعها , فتمسح دموعي, و تعينني على احتمال عناء الأيام . و لقد مت , و خلّفتها تكتفح وحيدة ، في عهدتها ثلاثة أولاد . "

فقال الموت :" ساذج انت , يا جوهان . كانت ماريا جميلة حقا" , و لم يكن لوفائها نحوك حدود . لكن الموت يبدل أمورا" كثيرة . فقد لحظ القيصر ذات يوم جمالها , فاتخذها عشيقة له . و لقد عاشت في أحد قصوره تنشئ ولديك . "

و استبدت بجوهان كابة عميقة مريرة و أجاب :" أجل , يا صديقي . أعرف ما تبقى ... أذكر أني انقلبت بعد موتي- و لم تكن ماريا قد بارحت الكوخ بعد- ذئبا" ضاريا" في الغابة نفسها !

و كان مساء قارس همت فيه على وجهي مرتجف جائعا" . و دنوت من مسكني القديم أجيل فيه النظر فاحصا" , فتراءى لي القيصر نفسه قافلا" من صيده و هو يتقلد بندقيته , القيصر الذي ساطني غير مرة , و أودى بحياتي. ثم شاهدته يطرق باب منزلي , فتفتح له ماريا الباب فتستقبله بابتسامتها الفتانة , و تعتنقه طويلا" .

حينذاك فرّ من الكوخ أصغر أبنائنا ذو السنوات الخمس. فطفرت من مكمني , و أدركته , فأخذ يصيح. و اذا بالقيصر يتناول سلاحه , و يطلق النار عليّ , فيصيبني برصاصة . على أنني استطعت مواصلة سيري و أنا أجرّ ولديّ, ثم تواريت في وجار , و جعلتألتهم ولديّ...بل لحمي و دمي! لقد أردت الإنتقام لنفسي من خيانة زوجتي,ناهيك عن سد جوعي.

و سرعان ما أعدّ الصيادون حملة صيد ليلية . لكنهم عادوا أدراجهم خائبين . و ملأ الغابة رجع صراخ ماريا و عويلها ... أما أنا فكنت , و الجرح يشلني , ألعق عظام ولدي مبتهجا" بمجازاة زوجتي التي سلتني سريعا" .

و هكذا تسنَّ لي , و انا ذئب , ان أعرف بعض تقمُّصاتي. أما الانسان فلا يعلم تقمُّصاته . "

فعقب الموت بالقول :" ذلك ، يا صديقي, لأن للحيوانات معارفها الخاصة التي لا سبيل للبشر اليها ." فقال جوهان :" لكنني أعتقد أن ذلك كان عقاب لي و لأسرتي . فقد رجعت الى منزلي ذئبا" , و اكتشفت ان زوجتي تخونني . و ليس غريبا" ان تجهل من أنا , و يستحوذُ عليها الهلع و ترى فيَّ الخطر الماحق . "

فأجاب الموت :" أنت على حقّ في ذلك . أعرف ملكا" مستبدا" كُلفت , بعد أن أدينه , برده جرذا" الى مجارير قصره القديم . و لم يُسمح له بالخروج من مواضع القذارة, و الاّ ضوعف عقابه مثنى و ثلاث. فكان يحاول أحيانا" أن يرى نجله و أحفاده و هو عند فوهة المجرور. و لم يكن في مقدور هؤلاء , طبعا" , ان يتبينوا ان الجرذ و الدهم عقوبة قاسية . وحده , تعالى , يعرف ان يذل الكبرياء , خطيئة الملائكة ."

و فيما هما يتحدثان , يبلغان سيبيريا, مقبرة ألوف الضحايا . القرّ ينهش الأجساد البشرية , اما جوهان فيراقب الناس غير ابه به – فهو لا يحسّ بردا" في المركبة المحلقة . ثم يقول :" ثمة عظام لي تطمرها الثلوج في تلك السهوب. حدق الى جمال تلك المشاهد : مدى" أبيض يبيد الإنسان على تعاقب الأيام , و طبيعة قاسية لا ترق, بردها يخرق حتى العظام , و مناخ جاف .

حكم عليّ ذات يوم بالأشغال الشاقة المؤبدة في تلك الأصقاع من أجل جنحة تافهة.

كان عدد السجناء كبيرا" . كنا نساق , كل يوم , الى قطع الأشجار, فنسير صفوفا" صفوفا" , ونجوب مسافات شاسعة بأقدام متورمة دامية. رجال يساقون الى حتوفهم. وعندما نبلغ موضع سخرتنا , كان علينا أن نبذل أقصى ما لدينا من جهد لنكسب بلغة العيش . كنّا نجرّ الخطى غرثى , زائغي النظرات , والسوط يتربّص بالمتخلّف منّا . وكنّا نموت الواحد تلو الآخر من جرّاء هذا النظام الفظ ,. نموت ونحن نلعن جلّدينا , متمنّين لهم شرّ الإنتقام " .

فقال الموت: " ما خابت تمنّياتكم . ثمّة جحيم يرين عليها عقاب البرد , وفيها يعاني مرتكبي هذا الضرب من الجرائم الرهيبة عقاب الصقيع . البرد يحرق الأجساد , إسوة بالنار , فيقرضها حتى العظام في لذّة ضارية . وهكذا يفنى الخطاة متجمّدين في قطع جليد , ثم يفرّخون مثل كبد بروميثيوس حتى يحين يوم خلاصهم .

ذات يوم , نجا أحدهم من تلك الجحيم الشتائيّة وولد على الأرض . ولقد أثار دهشة الناس وسخريّتهم بإرتدائه معطفا" فضفاضا" في أشدّ أيّام الصيف قيظا" . وما كان يتحرّج من أن يرفع طوقه إمعانا" في وقاية عنقه من لفحات الهواء , ويغطي كتفيه بلفاع صوفيّ عريض أسبه بديثار !

كان يقاسي على الأرض ما تبقّى له من عقاب . ولقد عاش , طول عمره غاية في الصرد حتى أودى هذا الداء به .

وفيما هما يتحدّثان مرّت المركبة على عجل فوق التّبّت ,بلاد اللاما المقدّسة , البقعة المكتنفة بالأسرار , حيث يكثر البخّور والأفاوي . هناك يكرّم بوذا أشياعه الكثيرون المؤمنون بعقيدته القائمة على التقمّص .

 

في رفقة بوذا

سأل الموت جوهان :" أمضيت ردحا" من الزمن في آسيا . فماذا تذكر من أدوار حياتك السابقة فيها ؟ " .

فأجابه :" حكاية طويلة . طالما أحببت آسيا , وكثيرا" ما عدّت إليها . مما أذكره , ونحن نجتاز الحمالايا , أنّي عشت مرّة على هذا الجبل , وعمّرت ألف عام . كنت , في ذلك الزمن السحيق واحدا" من الحيوانات العملاقة العائدة الى ما قبل التاريخ .

كنّا نحيا فوق الثلوج بسعادة , لم يؤثر فينا إطلاقا" نقص ألأوكسجين , ولا نعير أي أمر بالا" . كانت معارفنا محدودة , وكنّا نحسب , في سذاجتنا , أننا خالدون ... حتى طمرنا يوما" جرف ثلج هائل , بادت من جرّائه سلالتنا على بكرة أبيها .

وفي إحدى المرّات كنت تلميذا" لبوذا . كنت أشاهده يصوم , ويتألّم . فقد طلّق قصوره وثرواته , وتخلّى عن مملكته ليؤسِّس مملكة سماويّة قائمة على عقيدته . كان راسخ الإيمان . كثيرا" ما كان يُرى مُستغرقا" في الإنخطاف الروحيّ المفضي الى الرجاء الإلهيّ .

كنت أنا ولفيف من الرفاق نلازمه كلّ يوم . لكننا خذلناه ذات يوم . فقد دنا من الرجل البار المُستغرق في التأمّل أحد النمورة . لكنّه ظلّ رابط الجأش , لا يحرّك ساكنا" . وإقتصر الحيوان على تنسّمه , ثمّ عاد أدراجه .

لم نكن أنا ورفاقي على مبعدة . فقد شاهدنا المُعجزة , ونحن في مكمننا , من خلال الفرج ما بين أوراق الشجر .

إنثنيّنا الى المعلم نلتمس صفحه عن جبانتنا , إذ إننا لم نقم بأيّة بادرة للذياد عنه . لقد أدركنا وضاعتنا بتقاعسنا عن نجدته في الملمّة . ولكن , ما جدوى الأسف ؟ لا نفع كبيرا" منه , إذ إنّ الإنسان ضعيف إزاء تجربة الخوف .

ومنذ ذلك الحين صرنا تلاميذ أوفياء لبوذا . وإنقلب نمط حياتنا رأسا" على عقب . صرنا دُعاة بوذيين , حُفاة , متسوّلين , ننشر البوذيّة في الأمصار كافة . ولقد أوفدني بوذا البار الى الصين لأبشّر بالعقيدة الجديدة . فكانت جموع الناس تقبل على سماعي .

كنّا نعيش أنا ورفاقي في فقرٍ مدقع . نفترش تراب الشوارع . نمدّ القصاع إلتماسا" للطعام , فينفحنا بعض ذوي النفوس المُحسنة بالقليل من ألأرز . وتدمى أقدامنا الحافية . ولا نكلّ , مع ذلك من دوام أداء واجبنا . لم تكن الحصيلة قريبة المنال . لكن الشجرة أتت فيما بعد أوكلها , فإزدهرت البوذيّة , وإنتشرت في آسيا كلّها ".

وأردف جوهان قائلا" :" أنظر , يا صديقي , الى الكوخ القائم , في ذلك الوادي , على مقربة من النهر . فقد ذكّرني برجل موسر كان يقيم في العاصمة , في قصر رحب . صادفني , ذات يوم , في الشارع وقد إحتشد حولي خمسون شخصا" إستهوتهم موعظتي , فأصغوا اليّ بآذان متعطّشة .

كان أربعة رجال يحملونه على محفّة فأوقفهم ليستطلع سبب الإحتشاد . ثمّ إستدعاني اليه , فشرحت له البوذيّة . وما إن سمع كلامي حتى ثار , وأمر بجلدي جلدا" مبرّحا" , فتكبّدت مئة سوط إنهالت عليّ بضراوة , فإزرقّ جسمي , وتناثر مزقا" , وتخضّب بالدم . ثمّ رميت عند باب المدينة لا حراك بي , ممدّدا" على الأرض , في ذهول ألألم . تعقّبني أحد المستمعين اليّ _ وقد أمّسى فيما بعد من الأشياع _ فضمّد جراحي , وقدّم الي ّ الشراب والطعام , وما زال يعنى بي سرّا" , في داره , قرابة شهر , حتى تعافيت .

كان الطاغية الذي أمر بتعذيبي ممقوتا" عند خدّامه كافة" , لفظاظة طبعه . أمّا أنا , فقد كنت سعيدا" على آلامي , لأنني كسبت أحد التائبين الى البوذيّة , ألديانة الجديدة التي أشتهر أمرها فيما بعد . كما كسبت , أيضا" , أسرته وجيرانه .

الطاغية نفسه يحيا الآن , بائسا" في ذلك الكوخ . ومن هنا , من على هذه المركبة , أستطيع أن أرى الخبث الذي لا يني ينهش صدره . إنّه ماكر كالشيطان يستطيب ألأذيّة . ولقد ولد , في هذا الدور بوذيّا" . وليس في وسعه جحد إيمانه , لأنه إكتسبه بالولادة . ولو إستطاع الآن , أن يتذكّر الزمن الغابر , الزمن الذي دان وأضطهد فيه البوذيّة وهي بعد في طور نشوئها كبرعم ورد ,وأن يتذكّر العقاب الذي ناله من جرّاء طغيانه , لبدّل من وقته مسلكه خشية أن يحلّ به قصاص أفدح . لكنه يكون , آنذاك , غير ذي فضل , لأن سلوكه الراهن يكون مسوّقا" بالخوف من عقاب جديد ,. الخوف الناشىء عن ذكريات ما إجترح قديما" .

أجل . لو إنّه عرض فيلم فعله الشنيع , لإستولى عليه الندم , فكأنّه شجرة تهزّها العاصفة . ولكن , لات ساعة مندم . وإنّي أؤكّد لك أنّه لو عاد بوذا نفسه بمعتقد جديد , لأنكره وإضطهده على غرار صنيعه بألبوذيّة سابقا" . إنّه دوام عود على بدء "

فقال الموت :" في الهند , ألآن , يا صديقي , شخص سماوي هو أحد تقمّصات بوذا . وقريبا" جدّا" يتبيّن الناس فيه صورة السيّد المسيح . ستتبعه شعوب الهند , ويشن الحرب بالسلام , ويكون مسالما" في ثوراته . وأخيرا" ينتصر نهجه . سيكون معبود السواد الأعظم من أبناء وطنه . ويشتهر بنزاهته وقدوته عند شعوب الأرض كافة .

سيؤلّه أبناء الأرض غاندي , إذ أنّهم منذ أجيال لم يشهدوا مولد رجل نظيره . سيضارع مسلكه مسلك السيد المسيح . وسيقود خطاه في الصراط المستقيم روح قدّوس ".

فقال جوهان :" أجل , أعلم ذلك . وسيكون له تلاميذ يمتّ أحدهم الى سيّالاتي بصلة , إذ إنني رافقت دوما" رسل أللّه . وسيكون ذلك التلميذ هناك ليقوم بخدمة غاندي , بوذا القرن العشرين . أمّا الذين سيلتفّون حوله , فقد كانوا مرافقين له في تقمّصات سابقة . سيناصرون معه مبدأ الحرّية الذي يؤول بهم الى النصر بعد جمّ من الّتضحيات .

سيكون غاندي شمس آسيا السّاطعة . لقد ولد من ذلك الجرم الأخّاذ , مصباح أللّه . أمّا الآن , فهو يحيا مغمورا" . ولكن , سرعان ما يأزف اليوم الذي يذيع إسمه في العالم بفضل مثله العليا . أمّا مرافقوه , فقد ولدوا خصوصا" من أجل أن يساعدوه ويشملوه بأفضل عنايتهم .حتى أنّ عنزته نفسها ستهبط , في الوقت المحدّد , من عالم سماويّ , لتهبه لبنها المقدّس. وسيبادلها غاندي الحبّ , فيكون دائما" غير بعيد عنها ليلاطفها ويداعبها .

ستهبط تلك العنزة من نجمة مقدّسة . لقد كانت قديما" الكبش الذي ضحّى به إبراهيم قربانا" , فتصاعد دهنه المطيّب كالبخّور غماما" الى منازل النفوس السماويّة , لأنّ ذلك القربان حسن في عين أللّه .

لكنّ غاندي _ ويا للأسف _ سيلقى مصيرالأنبياء , فيغتال إغتيالا" فظا" . أمّا قاتل أبي الهنود الملقّب بابو , فإبن الرجل الهندوسي الذي أمر بجلدي . الإبن معدن أبيه , لأنّ الشرّ ينسل الشرّ , والخير ينسل الخير .

ليتني أولد قرب غاندي وأساعده في مهمّته ".

فأجاب الموت :" أرى لك أن تصبر . لنواصل الطواف في المركبة . إنني محتفظ لك بمفاجأة ثانية . ثمة رسالة ستظهر في الأرض , وتقلب أوضاع العالم كلّه . وعمّا قريب , يتحقّق لك صدق كلامي , وتشكر لي نصحي .

أمّا الآن فلنواصل الطّواف ..." *  

 

حظية المهراجا

عايشت جميع الأعراق في خلال تقمصاتي المتعددة، و اكتسبت الجنسيات و الأديان كافة.

كلنا خبر مختلف العبادات المنتشرة في العالم: الوثنية، و اليهودية، و المجوسية ، و الاسلام ،و المسيحية، و ما اليها...و كلما اعتنقنا بالتقليد دينا"، أنكرنا و ناهضنا ما نشأنا عليه من أديان أخرى في أدوارنا السابقة، مع أنها كلها من مصدر واحد.

كدت أجوب اسيا كلها داعية بوذيا". كان عملي شاقا" . المصاعب التي اعترضتني كانت تفوق التصور. كنت أجر خطاي ممزق الثياب ، ترب القدمين، و كان عابرو السبيل يهزأون بي.

كنت أتسلل الى الأزقة الحقيرة لأبشر ، علّ كلمتي تستقر في قلب أحد الذين يصغون اليّ. كانت سعادتي ان أراه يصحو ، فجأة ، من غفلته ، و يستزيدني الاطلاع على الرسالة التي كنت انا في سبيل نشرها.و كان بلسما" لجراحي ان اراه يتبعني و يتأثر خطاي.

و بعد ان طوفت البلاد كافة رجعت الى الهند مرهقا"، يضويني الصوم و العوز، فألفيت أمي قد شاخت . فأسلمت الروح قربها، و أحرقت جثّتي، و اختلط رفاتي بمياه نهر " الغانج" . أرسلني قضاتي الى الأرض كرّة أخرى. و كانت الهند مجال الاختبار أيضا" . كنت ، انذاك ، امرأة. و كنت –لسوء طالعي- جميلة . فانتخبني أحد المهارجة راقصة عنده . و لم يكن غريباان يغرّ والديّ الفقيرين هذا الحظ المفاجئ-على ما حسباه. و اذا بي ألج قصر ألف ليلة و ليلة.

ثم أردف جوهان يقول :

- هوذا القصر، يا صديقي. يمكنك ان تراه من هنا .

و لاح قصر باذخ قائم على احدى التلال ، تحيط به حدائق فتانة ما برحت حتى الان موضع اعتناء:الأزهار، و الأشجار، و البحيرات بلوتسه...فليس يعوز الأبهة الشرقية عند أمراء الهند شيء.

و تابع جوهان قائلا" :

عشت فترفة أتحلى بالأحجار الكريمة ،

و أكتسي بالسندس الناعم. كان اسمي " منغولا".

و كنت أسيرة المهراجا. كان عليّ المثول ، أبدا"، في المقاصف، و عند لذات جلالته. و قد كان يتعقبني ليلا" الى غرفتي متعطشا" نهما" ، و يحملني على الامتثال له.

كان يحزنني ان أصير الهية في يد طاه،فلا اني أبلل وسادتي بالدموع . و كان لي صديق من أبناء قريتي أشغف به ، فأقبل ينجدني. و فررنا معا" الى مدينة أخرى . لكن والديّ قاسيا عاقبة ما ارتكبت.فقد أباد المهراجا أسرتي على بكرة أبيها :الأب و الأم و الأشقاء و الشقيقات، اذ حسبهم يعلمون بمكان تخفينا . على انه لم يبلغنا صدى ما حدث الاّ متأخرا" . و لو لا ذلك ، لما تناوينا في العودة من أجل انقاذهم.

و رزقنا أبناء ... و لمّا توفي زوجي ، ساقوني الى المحرقة بالقرب منه . و أحرقت ، ثمة ، حية ، على جاري تقليد الهنديّ القديم.

كانت صرخاتي نافذة . و كان جسدي الحيّ يتناثر مزقا" . أخيرا" ,أسلمت الروح و أنا على يقين من أني أستحق هذه الميتة الشنيعة , انها عقاب على نزقي الذي أودى بحياة أسرتي- ذلك لأن من ابتاعني كان رجلا" حقيرا" سافلا".

كان في ذلك القصر –و ما يزال_ أكداس لا تقدر من حلل، و ذهب، و أحجار كريمة ... فقد توفي المهراجا بلا وريث، و خلّف كنوزه في مخبأ يصعب العثور عليه.

أذكر اني ، قبل فراري ، تعقّبته ذات ليلة في احدى متاهات صرحه المنيف حافي القدمين، متأدة خطى. لمّا بلغ موضعا" بعينه , كشف عن فتحة في الأرض مموهة ببلاطة ، و انسلّ في ما يشبه السرداب.و اذا بسحنته تتبدل ، فتنشرح أسارير وجهه الجشع ، فكأنه باءيزاء كنوزه يحتفل بعيد. فهو تارة يتحسس ماسة كبيرة ، و تورا" يفرك قطعا" ذهبية. عندئذ ، يلامس الجنون طبعه الفذّ، ثم يسكن بغتة كما سكّن قيثار داوود غضب شاول .و تنسكب دموع الفرح على تلك القطع الثمينة المتراقصة في يده، و الصدرة رنينا" حادا" مبهجا" .فكأنها شلاّل ذهبيّ ساطع كاشموس.

أبالسة الأرض هي .

نهر نيران الجحيم.

تنصهر ، و تكسو الهلكى.

أيتها الأرض ،

من أحشائك ولد الشقاء.

الذهب ! الذهب! معدن الفتنة!معدن الشر.

شيطان يقبض عليك بكلاليبه.حتى اذا أفلت منه بعد لأي، ألفيت أن عذابك و حياتك كانا ثمن النجاة.

الذهب سم في الدسم . يهدهد ملاطفا" . و بغتة يثير العواصف و الأعاصير . ماكر يهب الفرح ، ثم يحجبه. و يخلف الغصون و الآلام.

هذا شرعه . أمام قوته ، لا يحرك ساكن.

ساخر يشيع الجنون ، و تطيب له الاساءة . بأعطافه يتشبث ابليس، و يضحك...و يضحك...و يضحك...

بعد أن رأيت ذلك المشهد ، انكفأت على أعقابي أكتم السرّ. و لو أن أحدا" راني و أنا أتجسس المهراجا ، لقتلت شرّ قتلا .

أما الكنوز ، فلم تزل حتى اليوم مطمورة" تئن في مخباءها .

و أما المهراجا , فقد ولد ، ثانية ، في تلك الأصقاع خادما" عند أمير اخر . و كان هذا الأمير ، بسبب بخله ، يجيعه ، كما أجاع هو أرقاءه من قبل.

و انه ليسوغ القول أبدا" ان الجريمة لا تمحى ، لكنها تلاحق مرتكبها . و اذا وجب الأمر ، قضت عليه . و ليتأكد لك ان الطاغية المعاقب انما ينال ما يستحق.

*********

 

      كانت المركبة ، في خلال حديثهما ، تجتاز في سرعة البرق بلاد كثيرة و بحار كثيرة . و كان جوهان يستذكر من حين الى اخر اسما" او شخصا" عايشه في أدوار سابقة، و هو لا يني يسرد قصته...

 

معركة بحرية

فيما كان جوهان و الموت يحلقان فوق المحيط الهادي، كانت تنشب تحت سطح الماء معركة بحرية . معركة واسعة لا تني تزداد اندياحا" . الألغام تتفجر برهبوت ، و لشدة وقعها، تتبجس المياه الشاهقة ، و ترسل زبدها الى أبعاد غير محددة. المدافع تهدر , و ألسنة اللهيب المختلطة بالمياه المنبجسة تعلو عدة أمتار منذرة بالويل و الثبور، ثم تهوي فجأة ، فتكتسح كل ما يعترض سبيلها . الأمواج يتعاظم غضبها , فتقذف بزبدها في مهاون فاغرة رهيبة تبتلع السفن ، فتستحيل حطاما" .

و رويدا" رويدا" أخذت مركبة الموتى تمتلىء بجنود من البحرية متحسرين على شبابهم المفقود. اما اجسادهم , فقد أحالتها الأمواج و النيران مزقا" , فالتهمتها أسماك القرش بشره.

كانوا يخاطبون الموت و هم يصيحون : " الرحمة!الرحمة! ردنا الى الحياة . لقد قضينا في شرخ الشباب بعيدا" عن أسرنا ".

الحرب داهياء ، تُجندل الضحايا الكثيرة . و هناك ، في ما يعدو المحيطات ، شدّ ما تذرف الدموع عبثا" على الأبناء المفقودين !

الحرب عقاب للغالب و المغلوب على السواء. يكادان يستويان في خسارتهما بالنفوس البشرية. و لا يعلن الانتصار الاّ و قد عم الخراب و الدمار.

الحرب هوس البشر . تستفذّهم المطامع و الرغبة في السيطرة الى التناحر فيستخفون بالشرائع الالهية الداعية الى محبة القريب . و اذا بمداليات الشرف تمنح لمن قتل عددا" من الافراد أكبر ، او اكتسح مساحات من الأرض أوسع .

علام موتكم ، أيها المتحاربون؟ الأرض ما برحت هي هي .

هيا، الان ، الى المركبة . الموت يدعوكم اليه قائلا" :" اجلسوا في عربتي . ما لي في الأمر، حيلة . لا تعولوا ، و لا تنوحوا على شبابكم . فما أنتم ، بعد شبان . أنتم دهريون كالزمان . و لا بد من ان تذكركم هذه المركبة بأدوار لكم لا تحصى .المركبة صلة الوصل بين الأرض و العالم الاخر .

مكثكم على الأرض لم يغير فيكم شيئا" . تعودون اليها أبدا" كما أنتم ، فلا تتحسنون . ما أعداكم من محاربين في هذه المركبة؟ بيد ان نفخة من فم الموت شلّت أياديكم المتعايدة ، فجلستم الان متجاورين . لا تنحوا على ما خسر في الأرض ,بل على أفكاركم الدنيئة ، و أعمالكم الدنيئة ، و عصيانكم وصايا الله.

كانت الحرب أولا" متعة عندكم تتوخون منها التفوق على سائر الأمم فلا حد لغطرسة الغالب و استبداده بالمغلوب.

لا تشفقوا على دموع أسركم . فما برح النسيان سلطانا" على الأرض . و الأرامل الطروبات شهيرات منذ القدم."

لم يحر المسافرون الجدد جوابا" , لأن صور الذكريات الأليمة لاحت لهم مجددا" . و على كاهل كل منهم عدل ثقيل يحمله الى العدالة .

و على قدر ما تغذ المركبة سيرها , يزداد عدد الطيوف المسافرة . و اذا بها تدرك الحقيقة , فيعاود كل منها ما سبق ان كان عليه .

الذعر يخيم فوق المركبة ، والسكون شامل ، و النفوس في ثوران ، و الندم عظيم . و لكن الملذات الدنيوية العابرة تعزى الى الشباب . كم من الجرائم ترتكب باسمك ، ايها الشباب المعجب بنفسه!ان انت الاّ قناع يخفي غضوننا الدهرية .

كان الجو خانقا" . و كان جوهان و الموت يتأملان بمرارة الرهط السائر الى الدينونة مسربلا" بالخوف، و مرتجفا" كأن موجة برد تغمره . كان الهلع يجعلهم ينقلبون بعضهم فوق بعض. و كانوا يعولون و هم يصيحون صياحا" مدويا" .

و دلف الموت ، مع من يقلّ في مركبته ، إلى عالم العدالة ،. و قد كان يشغلها جنود البحرية. كانوا ينظرون من عليها نظرات كئيبة الى ساحات الوغى المتسعرة. و استبان لبعض المتزوجين منهم ان نساءهم يخنهم في أثناء غيابهم، بالرغم من ان نعيهم لم يكن قد بلغنّ بعد . ترى هل بلغ قسم الزواج هذا المبلغ من التفاهة؟

ليس في الأخدار العلوية غير حب واحد, الحب الالهي الخالد الذي يلهب النفوس و يسمو بها .

أما الان فما عليكم الاّ حصاد ما زرعتم.

 

***************

 

      في جملة من كان يشغل المركبة جنديان من المشاة كانا شقيقين في الأزمنة الغابرة . لكن البين شتهما في التقمص الأخير ،فإذا هما عدوان لدودان ينتسبان الى قوميتين مختلفتين. أحدهما رمى اللآخر بمتفجرة, فصرعه. و أصيب القاتل, من فوره ، بقنبلة أوردته موارد التهلكة. و هكذا اجتمعا ثانية في انتظار المصير المقسوم.

قال واحدهما للآخر:

-أرادني سلاحك, يا أخي. و مع ذلك ، فما زلنا نتحاب.

-صحيح اني صرعتك ، كما صرعتني أنا يد حاقدة ، و لكن انظر قليلا" في شأننا على الأرض اذ أزفت نهايتنا عليها. فقد ولدنا عليها مزودين بقدر معدود من السيالات ، و ذلك وفقا" لتقمصاتنا السابقة. و على قدر تقدمنا في العمر، تنقص السيالات حتى تغادرنا كليا" . و عندما تنبتّ وشائجنا بالأرض, يكون الموت. و لذلك نحن هنا، يا أخي.

سيرتنا على الأرض بددت سيالاتنا في العوالم التي تستحقها . و الصعوبة، الان، ان نستردها ثانية".

ما أشبهنا بعلبة ثقاب تحوي عددا" معينا" من الأعواد. فإذا أشعلت كلها ، صارت العلبة بلا جدوى. و هكذا، عندما تتناقص، في خلال الزمن ، السيالات التي تتألف منها طاقة كل كائن حيّ حتى تنفد بأخرة, يحصل ما ندعوه "الموت".و كل سيال يغادرنا صابورة يرمى بها كيما نحلق و نخلف العالم.

هذا ما يفسر لنا الموت الذي يطرأ في مختلف الأعمارأو مراحل الحياة.منهم من يموت في الحداثة أو الصبا أو البلوغ أو الشيخوخة...و ذلك لأن سيالاته تكون قد غادرته الى غير ما عودة.

هكذا انفصمت , الان , اخر وشائجنا بالأرض . و سواء شئنا أم أبينا ، علينا ان ننكفئ الى حيث نحن الان . الفرصة التي منحناها لتحسين حياتنا الروحية قد انتهت. و ما علينا الان سوى انتظار الدينونة, ، و هي التي تقضي أين نحلّ، و ذلك وفقا" لاستحقاقاتنا.

كثيرا" ما حاولنا الارتقاء في خلال ما اجتزنا من مراحل على مدى قرون طوال, فسمونا ، ثم هوينا.

علينا ان نسعى الى جمع سيالاتنا المبعثرة في شتى درجات العوالم ، فنهذّبها بالسلوك المستقيم، و نسمو بها حتى تبلغ عالما" علويا" . عندئذ, نقطع علائقنا بالأرض, و نؤمّ عوالم سامية.

اذا"، علينا ان نكون مستعدين دائما" للمثول أمام قضاتنا . قد يدهمنا المنجل في كل حين. فخير لواحدنا أن يكون سنبلة شقراء تذهبها الشمس من ان يكون عوسجة لا تصلح الاّ طعاما" للنار المتأججة . يقول الموت:" انا ات كالسارق. فلا تؤجلوا الى الغد ما يمكنكم عمله اليوم".

أليس لدينا وصايا الأسفار المقدسة و شرائعها ، و كلها ينهى عن المنكر و يأمر بالمعروف؟ على الانسان المتمتع بالضمير و مكارم الأخلاق أن يكون أهلا" لأن يسدد بنفسه خطاه في السراط المستقيم .

الندم لا يجدي,الآن، فتيلا" ، يا أخي.اننا ننتظر مجددا" ما سيصدر علينا من أحكام رهيبة و نحن في هلع بسبب طيشنا و رزايانا ، وقلبانا في نواح . حتّام نيمم- و يا للأسف – موطن الشقاء؟

كم بيننا , الأن من يصيح : " رحماك ، اللهم ، رحماك!" .

 

نجمة جوهان

لندع الطيوف تتخبط في مصايرها . فقد أنجز الموت مهمته، و استأنف رحلته مع جوهان ، يحلّقان فوق القارات و البحار.

و عاود جوهان الكلام و هو مستغرق في خواطره، فخاطب الموت قائلا" :

-أنت تعرف ، يا صديقي ، قصّتي كلّها و اني أسترجع معك ذكرياتي شيئا" فشيئا".

كنت أحيا ،منذ سحيق الأزمنة – ربّما منذ الآف السنين في تلك النجمة الحمراء المركوزة في سمت السماء , قبالتنا تماما" . انها سيّار شاسع الأبعاد تنيره كواكب أزليّة , وتقطنه كائنات غير أرضيّة , وتسوده السعادة الفردوسيّة . أمّا علومه واكتشافاته , فتفوق كثيرا" علوم الأرض واكتشافاتها . فما هذه غير نماذج صغيرة عن تلك , نستمدّ منها ملامح عمّا في تلك السيّارات العظيمة . من يزورها يحسب نفسه في حلم . ذلك أن تقدّم الحضارة وتقهقرها يختلافان باختلاف درجات العوالم .

أمّا النجمة التي أحدّثك عنها فهي ربّة المخترعين على الأرض , واسمها " جماليون" . هي التي تلهم بعض أبناء الأرض اكتشافاتهم على انها لا تلقّنهم الاّ ما أبيح لها تلقينهم ايّاه : الكهرباء والسينما , والراديو , والتصوير الفوتوغرافي , والآلات... ولكن , بقدر .

وقد وكّل اليها , أيضا" , أن تعنى بالأرض , فتصوّرها منذ أن كوّرت , وتصوّر قاطنيها تصويرا" سينمائيا" . فلا يعذب عن تلك العين الالهيّة أمر : من أتف وقائع التاريخ حتى أجلّها شأنا" . ولا يعجزها – والأدلة في متناولها – أن تكشف على الملإ جرائم الأفراد , وسرقاتهم , وأكاذيبهم ... حتى أنّها تصوّر الأفكار , أيضا" .

عشت مغتبطا" آلآف الأعوام في ذلك الكواكب الذي يختلف بنظامه وشرائعه إختلافا" تاما" عمّا في الأرض .

طوبى للذين يحيون في " جماليون" الفائق الوصف جرما" وجمالا" . وأني لأبوح لك بما أكابد . انّا شقائي لم يبدأ الاّ حين عصيت ناموسا" من نواميسه , فهويت الى الجحيم .

يختلف قاطنو تلك النيّرات السابحة في اللانهاية , والمتباينة تنظيما" وتركيبا" جيولوجيّا" – يختلفون عن قاطني الأرض بنمط حياتهم . وقد تدوم إقامتهم عليها مئة من الأعوام أو ألفا" .

كما تختلف تلك السماوات بعضها عن بعض بعناصر غريبة مجهولة عندنا . ثم إن كل عالم من تلك العوالم يشتمل على شرائع أو وصايا خاصة به يجب الأمتثال لها بدقّة . والخطأ قد يكون فاجعا" . ومن أجل ذلك , أنا أكابد عواقب خطائي منذ يوم سقوطي .

وعلى الجملة , فإنّا تلك المجرّة تحوي نجوما" لا حصر لها , بعضها مختلف عن بعض . ولكل نجمة سرّها الذي لا يعرفه إلاّ قاطنوها .

السباحة في المحيطات النورانيّة متعة في العالم الآخر , وسرّ عند أهل الأرض .

 

من جحيم الى جحيم

يستولي عليّ القلق حتى اليوم يا صديقي , كلما رأيتني مطرودا" من فردوس جماليون ومقضيّا" عليّ بالهبوط العنيف الى جحيم رهيبة , وألسنة النار كأنّها ألشفار القاطعة تمزّق جسدي وتحرقه .

كنت أحيا وأموت عدد الثواني لكي أكفّر عمّا إجترحت . وكان صراخي الداوي يختلط بصراخ الخطأة . والحقّ أنّ ما وصفه دانتي في جحيم "كوميدياه" إنّما هو مسودّة عن تلك الجحيم الرهيبة .

وتتوالى آلاف السنين في عذابات جمّة . وكلّما إرتقيت في اتّئاد بضع درجات , تبدّلت الآلام فلطّفت حدّتها .

وذات يوم بلغت درجة الأرض , فإذا هي شاطىء جديد لي , وبلسم لجراحي , وسلوان عن آلامي الماضية . ومع ذلك , فما الأرض غير مطهّر بكل ما عليها من آلام وعاهات وشرور.

ما تزال صرخات الهلكى الصادرة من الأغوار لاعنة شاتمة تطرق أذني . كلّ شتيمة كانت تطيل عقابهم آلآف السنين في دار الظلمات . قوم أنذال مجرمون إرتكبوا شرّ ضروب الفجور والأجرام , فإستحقّوا شتّى صنوف العذاب . وكم منهم من عاود الكبائر , ويا للأسف , وإزداد شرّ" , ناسيا" ما ناله من عقاب قاس سحابة آلاف الأعوام .

في أثناء مكوثي في العوالم السفليّة , أرانا الأبالسة إمرأة مذعورة , أشبه بالساحرات تقيم في قعر هوّة . كانت نحيلة كأنّها هيكل عظمي. وكان نفر من أولاد الزنى يطأون بأقدامهم , ويمزّقونها . ثمّ سكب أفتاهم – وهو زنجي – قنينة شراب كريه في شفتيّها المبيضتين بملح الكذب , والمسودتين بقطران الخطيئة . ألأبالسة أنفسهم كانوا مذعورين منها . وقد دلّوا عليها بأصابعهم صائحين : " هذه شرّ إمرأة في الزمان . هي هيروديا , قاتلة يوحنا المعمدان . وهي " لور " في تقمّصها الأخير الرجيمة الزميمة منذ إبتداء الأزمنة وهي هي حيّة عدن الماكرة.

أجل , إننا نصيح ثانية في من يودّ أن يصغي : هي لور الخبيثة التي إضطهدت الأنبياء , فتعقّبتهم منذ آدم , ونفثت فيهم جميعا" سمّها .

وأنظروا كذلك في بئر الآلام الى شركائها في جرائمها يقاسون المصير نفسه , وا أسفاه ! وا أسفاه !" .

خرجت من تلك المحنة القاسية مرهقا" لإكابد طورا" من العقاب آخر . أمّا مطهري , هذه المرّة , فكانت الأرض, ألأرض التي تمنيّتها منذ عدّة قرون . وقد بلغنها بعد عناء كبير , وأنا ألهث إذ أصعّد تصعيدا" مضنيا" ملؤه الآلام والصراخ والدموع .

وأخيرا" بلغت العالم الذي طالما قرّظ وإشتهي ,. بلغت أرضا" ترى فيها السماء والنجوم قليلا" ويلوح فيها أبدا" شمس وقمر . لكنها عند التأمّل العميق ضرب من الجحيم لا بدّ لنا فيه من مكابدة عقوبات وتجارب جمّة . نتغنّى بمتعة الحياو عليها , إلاّ أنّ البؤس والشقاء والعاهات تفوق كلّ ما فيها من فرح .

عشت يوم ذاك ضبعا" في أحد الأدغال . وما أكثر الذكريات الأليمة التي أحفظها من ذلك التقمّص !

كنت نهما" الى اللحم النيء النتن الممجوج عندي . طعام أكره على أكله متقزّزا" . كنت أشتمّ في شدقي العفونة , ولم يكن من سبيل الى النجاة منها .

أهيم على وجهي في الغابات البكر , فأقع , حينا" بعد آخر , على لحم قطّعته الحيوانات , فألتهمه بنهم لتسكين جوعي .

إن إقتيات الضباع بالطعام النتن ليس متعة , بل عقاب .

عشت بضعة أعوام في أفريقيا المهجورة ذات الكمائن , يقلقني دائما" الخوف من حيوانات أضرى منّي . أتخفّى نهارا" في غيران نائية , وأطوف ليلا" الغابات الغبياء بحثا" عن طعام .

كان عليّ أن أقاسي هذا الضرب من العذاب , على الأرض , لأجل .

كنت , وأنا ضبع , أعرف من أنا وأسباب عذابي , فأحتمل عقوبتي صابرا" راضيا" . وهذا ما أتاح لي الأرتقاء . بيد أنني لم أعد مستوى الأرض , فولدت عليها مرّات متعدّدة .

 

الـــرّاعي

ولدت ذات يوم راعيا" . كان ذلك في العصور البدائيّة . كنت أعنى بقطيع أغنامي , وكانت السماء الزرقاء تبهرني , والنعاج تحبّني والناي يبهجني .

كنت أرتقي الجبال مغتبطا" بحياة الريف , أقطف الزهور , وأنعم بثمار الفصول . وكنت أتمدّد على العسب الغضّ , مستمتعا" بالرنو الى الكواكب . وكان نظري يتّجه دائما" الى نجم يدعى " جماليون" . وهو وطني قبل السقوط . لم أكن أعلم بأني غادرته منذ زمن قصي , ولكن وشائج خفيّة كانة في عقلي الباطن كانت تشدّني اليه . وكان يشوقني أن أنتقل اليه بعد إقصائي عنه .

وتوالت الأيام وأنا في دعة من العيش حتى أصابني يوما" سهم أحد الصيّادين . ولقد إستقرّ في قلبي السلاح الجاني , فمتّ من فوري . أمّا الرجل الذي صرعني غير عامد بلا ريب , فإن له بي علائق ترتدّ الى الماضي , وأن شرح ذلك ليطول جدا" .

لكل شيء في الحياة علّة وجود . أمّا التعليل الحقّ , ففي عالم الروح . السهم الذي أودى بحياتي , وإستقرّ في جسمي في العضو الأبلغ تأثرا" , كاشفني بإسمه وأنا في طور الموت .

فقد شاهدته يستحيل الى حسناء , ثم تنشقّ شفتاها القرمزيّتين فتقول :" أنا من أحببتها في غابر الأيام . تذكّر. كان ذلك في إحدى الصحارى الأفريقيّة . فقد أحببتني ثم تخلّيت عنّي وسلوتني . أنا اليوم جماد في صورة سلاح . والظروف يسّرت لقائنا . كنت سهما" في قبضة الصيّاد حين لمحتك من بعيد وأنت قرب قطيعك , فقلت في نفسي :

- لقد عرفتك الآن , أيّها الراعي الساذج البريء ! وأنت ألا تذكرني ؟ فقد إصطحبتني يوما" الى بعض الجهات , ثم عشقتني بعد أن عللتني بوعود كثيرة . لكنك غدرت بي , ومضيت مخلّفا" إيّاي في وحشة الليل . عندئذ , عرفت خبث الإنسان , وآليت على نفسي الإنتقام لما قاسيته يوم ذاك من عذاب . إذا" أأصدّق بعد , أيّها الراعي سذاجتك وبراءتك ؟ لمّا شاهدتك ودّدت أن أصرخ " هذا الذي خدعني . ملء فيه خبث ومكر "

وما كان من الصيّاد إلاّ أن أطلقني على عصفور بريء , فإنحرفت عن جادتي , ونفذت في قلبك على غرار ما جرحت بلأمس , قلبي .

فلنلج , ألآن , قصر العدالة ونمثل أمام رجال الشريعة , ونصغي الى حكمهم . أمّا أنا , فيقيني أنني سأنال عقابي , لإنني قتلتك , ولم أكبح جماح رغبتي في التأثر . وأمّا أنت فقد سلكت حسنا" , هذه المرّة في حياتك .

أنا نادمة على ما إقترفت بحقك , فعفوك . سنكون متكآفئين في لقاءنا المقبل " .

وأردف جوهان يقول :

كنت أتمتّع في تلك الجبال بسذاجة القرويين , وكانت خرافي تحبّني . ولقد رأيتها بعيد وفاتي جائلة فوق منحدرات الجبال الوعرة تبكي حول جسدي الذي نفذ فيه السلاح الجاني . ورأيت بعضها وهو يرعى , يخصف بمخاطمه الزهور البرّية ويضعها على جثّتي , فتأثرت لذلك بالغ التأثير, وقد رجعت , في ذلك المساء وحيدة الى حظيرتها .

أمّا قضاة أللّه , فسرعان ما حكموا عليّ بالعودة الى الأرض فرجعت اليها أيضا" .

 

الظبية

ما تزال المركبة الآن تحلق فوق إفريقيا, و جوهان يتذكر و يقول:

-كنت, في هذه القارة، ظبية. ولدت في دغل جميل يقع على تخوم مصر.

كنت جميلة رشيقة , مرقشة ببياض. و كنت في عداد قطيع كبير من الظباء نرى العشب و الزهر,و نقف عند الجداول لنروي غليلنا. و قد نطفر في السهوب، تواكبنا الطيور, و تحدق بنا الأيائل الجميلة. و لشدّ ما جبنا مسالك إفريقيا الرحبة الكثيفة الأشجار.

و لما كان الغسق ينبسط على تلك السهوب, كانت الأرض تشتعل بأشعة الشمس المتوهجة عند الغروب. و كانت أصوات الحيوانات تختلط , فتؤلف صوتاً هائلا ً يشق أجواز الفضاء. و قد يخيم السكون أحيانا ً على تلك الأرض الآبدة , فلا يسمع غير زئير أسد باسط سلطانه على الدغل. عندئذ نفر من الغابة الغبياء ذات الخطر الدائم ، فيتفرق قطيعنا ثم يتبدد , ذلك انّ الضواري النهمة الى لحومنا لم تكن لتفتر عن تعقبنا , و الجوارح عن ترصدنا.

كان علينا ان نقطع مسافات شاسعة. و كنا في طريقنا نختلط بالنحام الورديّ ذي القوائم المشيقة , فيروقنا مشهده و هو يحاذينا في جوب وعثاء الطرق. كان بعضه يلتصق ببعض حتى ليخيل الينا أننا نرى مرجا ً من الريش الوردي .

كانت الواحات مستراحنا , نشرب من مياهها النميرة النادرة , و لا نرتوي.

و لكننا كنا نفقد كل يوم بعض منا , فنعلم ان وحشا ً قد انقض عليه, وأنشب فيه براثنه القاتلة , و افترسه,. و نعلم أيضا ً أن الضعيف رهن مشيئة القويّ, فننوح على شقيقنا المفقود بكآبة ٍ خرساء.

و كثيراً ما كنت ألتقي بين الحيوانات الضارية من لي بهم معرفة قديمة في تقمصات سابقة . منهم الأصدقاء , و منهم الأشقاء أو الأعداء, مموهين جميعاً بأكسية مختلفة.

كانت الحيوانات , و ان تباينت نوعاً , تخوض في أحاديث لا تنتهي,. حتى لقد كنت أراها أحياناً تحسم ما بينها من خلاف قديم , فينتقم بعضها من بعض و هو يستعيد ذكرى الخصومات القديمة . و قد يتفق لها أحيانا ً ان تكبح رغبتها في الانتقام , فتستحق الارتقاء الى درجة سامية .

و ذات يوم ألقى القبض عليّ بدوي مصري , و مضى بي الى قريته حيث باعني. و لقد رجوت من المشتري , بلساني الخاص , ان يبتاعني , لأنني تذكرت ان هذا الشاب مزود بقوة ليست من هذا العالم. أجل , لقد تذكرته . فما برحت ذكرياتي نضرة بالرغم من أنني أدب على أربع.

كان الشاب الذي ابتاعني أميراً من عالم آخر , لكنه كان مغموراً في هذه الدنيا.

لقد خفق قلبي سريعاً , و اختلجت فرحاً و أنا أضبط حركاتي و سلوكي ,. فقد راودني , لحظة التقائه , ان أثب عليه , و أسكب دموع البهجة . كان الشاب سيدي في ما مضى, و سيكون كذلك في جميع مراحل حياتي.

لقد اضطرب فؤادي , فتوسلت في صمت الى "السيد" ألا يفصلني عنه أبدا" . فأدرك مطلبي, و أكد لي ان هذا مطلبه أيضا . و قد فات الناس ان يفهموا لغتنا .

تنفست الصعداء و انا اراني في كنف مالكي الجديد , أقتفي خطاه في طواعية.

كان ذلك عهداً جديداً في حياتي , شهدت فيه قصة طويلة عظيمة . فقد أهداني مالكي الى بنية اسمها سانيا , كان مشغوفاً بها,. اذ انها تنتسب اليه منذ ابتداء الأزمنة. فقد رافقته في جميع العوالم ,. انهما مرتبطان أبدياً.

و لما التقيا مجدداً , تعارفا, و تذكرا أصلهما , و كان عناق حار. فلا طلاق أبدا" بين قلبيهما .

كانت سانيا هاني , في ذلك الزمان , ابنة الكاهن الأعظم, و كان مالكي يوافيها غالبا" في الحديقة, فيطفران سعيدين , مشتبكي اليدين , كأنهما فرسان . ثم يقفان ليقتطفا الزهور أو يجلسا تحت شجرة تفاح. و قد يقطف تفاحة حمراء , فيقدم نصفها اليها ليستمتعا معا" بمذاقها اللذيذ. ثم ما يلبث ان يقرأ لها قصائد أهداها اليها.

و لقد لمحت ، ذات يوم , هالة نورانية تستقر بين الحبيبين الفتيين , و هذا النور قرنهما معاً مدى الحياة.

كانت سانيا هاني تصغي الى تلك القصائد الجميلة، و شعرها الأسود منسدل على ثوبها الناصع البياض, و هامتها مكللة بورود بيضاء. أما انا , فكنت أتبعهما لاهية عابثة, أو أجلس قربهما . فقد كنت شديدة الولوع بالشعر, أستكتع بالأصغاء الى قصائد الشاب.

كان يخاطبها بقوله:" وجدت روحي مع روحك منذ الأزل," فتتأثر سانيا و تبكي. و كانت دموعها تتساتل كالطلّ على خديها المصطبغين بلون الكرز. و كانت تجثو و تصلي. ثم يتعانقان . و لقد كنت أرى ملاكا" نورانياً يحرسها من كل شرّ.

يرى الحيوان , أحياناً, ما لا يراه البشر. الكلب, مثلا ً يتمتع بحاسة بصر حادة , فيأخذ بالعواء عندما يبصر شبح الموت . و نحن الظباء , أيضاً, نتمتع بحاسة سادسة نرى بها أحياناً ما يسمح لنا بمعرفته.

كان لسانيا شقيقة ماكرة شريرة تطيب لها الاساءة . و لقد دفعها الحسد الى ان تأتمر , هي ووالدها , عليها و على خطيبها . فحاولت كلاأفعى , أن تنفث سمها في سانيا الناعمة. لكنها نجت من الموت بطريقة اعجازية يعرفها خطيبها وحده.

أخيراً أذعن الملك لإلحاح ابنته الماكرة, فوقع بيده الأثيمة المدفوعة بقوة الشر مذكرة ابعاد ضد الشاب الذي كان واحداً من الأنبياء و كان ذلك نهار جمعة , في الساعة الحادية عشرة و الدقيقة الثانية قبل الظهر.

في أثناء تلك المرحلة الحرجة , كانت سانيا تحملني , حينا" بعد آخر , رسائل الى حبيبها . فأحكم الأمساك بها جيدا" بين أسناني لأنقلها اليه.و كنت شديدة الحرص على أن أظل في نجوة من أعين الفضوليين . و كانت الردود على الرسائل تجري بالطريقة نفسها . لقد أديت مهمتي بأمانة و أنا على رهافة حسّ بما عليّ القيام به تجاه سيدي.

و لما أزف يوم الأبعاد المشؤوم , شاهدت ذلك الشاب المزود بقوة فائقة الطبيعة يخطّ على الرمل رمزا" مقدسا" بأحرف رومانية. و ما كان الرمز غير صلاة الى الله يعرفها الشاب وحده.

عندئذ فرّ الحبيبان, و هبطا سريعا" الى قعر أحد الأودية, أما انا فعدوت أخب في اثرهما , و كنت أتوقف أحيانا" لأقضم العشب الغضّ.

كان ثمة نهر ينساب بين الأشجار . و كانت الطبيعة تتلألأ بألف ألق و ألق ٍ ربيعيّ, و الشلالات ذات الإيقاعات الموسيقية تتساقط ألوانا" أخاذة.

لقد اشتركت عرائس الطبيعة في عقد قران الشابين. أقول " عرائس ابطبيعة , , أقصد البحرو الأشجار و المياه والأزهالر و الحقول, لأنها جميعا" كائنات حية تفوق البشر في معلرفة بعض الحقائق. كما كان في جملة الشهود عرائس الجداول المحتجبات عن الأنظار . و الطيور و الجداجد أنشدن هنّ أيضا". الطبيعة في مجملها ترى ما يخفى على الانسان.

و دلف بهما الليل الى كهف عظيم رائع تقوم أمامه مصطبة من رمل مطوقة بأشجار كثيرة . و كان في انتظارهما عند باب مسكنهما الجديد أرزة عتية , فاستراحا عندها قليلا" . و لم أبخل عليهما انا عشاء بالحليب الساخن اللذيذ,. اذ انه موفور لديّ.

و بعد مدة من الزمن , رزقا طفلة كانت أحد تقمصات عشتروت . و لقد يسرّ الولادة الرمز المقدس نفسه , و هو صلاة أو تقدمة مرفوعة الى الله.

و شبت الطفلة شقراء ذات جمال علوي. ثم ولد لها شقيق كان هو أيضا" في أحد تقمصات أدونيس . و كبر الولدان , و صار الصبي راعيا" .

عشت مدللة في كنف تلك الأسرة المقدسة . و مت عجزا", فبكتني , و دفنتني تحت الأرزة العتية.

لقد كان من حسن طالعي , و انا ظبية , ان أرافق على الأرض أحد الأنبياء . و مع أنني كنت مما يدب على الأربع , فقد كنت تلميذة له, أستفيد من ملازمتي إيّاه . و لقد تسنى لي ان أساعده في السرّ مرارا" كثيرة في رسالته . و لكن رسالته انذاك ظلت مستورة بحجاب سريّ.

 

الزنبقة

غادرت هذا العالم ظبية الى عالم اخر , و التحقت بركب ٍ من أمثالي, فشخص بنا ثانية الى قضاتنا . و كان لنوعنا الحيواني على الأرض قوانين شديدة الصرامة علينه الامتثال لها و كانت دينونتنا قاسية. أما انا ,. فقد خرجت من الحساب سعيدا" و رجعت الى الأرض زهرة.

و ذات يوم, استيقظت في احدى الحدائق بزرة صغيرة , و كانت شمس الربيع ناعمة دافئة , و على مقربة مني شلاّل ماء يغمرني ببرودته.نموت رشيقة أنيقة , يهدهدني النسيم برقة .و كثيرا" ما كان يطبع على بتلاتي القبلات، فينعشها . و كنت أشعر أنه يعانقني .

كنت يوم ذاك زنبقة بيضاء.

كانت الحديقة جميلة جدا" , هندستها حسنة , تحفل بشتى أنواع الزهور: الورود و البنفسج و الصحراويات والزنبق و الياسمين . سمفونية ألوان تنمو جميعا" في تفاهم .

كانت أشذاؤنا تتمازج , فتؤلف سحابة عظيمة هي صلاتنا و تقدمتنا الى الله.

كنا نحيا في حديقة أحد القصور. و كان ارباب القصر يتنزهون بيننا , فيعالجوننا برقة حرصا" منهم على رخاصة عودنا . كما كانوا يقطفون من حين الى اخر طاقة منا , و يأخذونها معهم.

و كان ثمة بنية جميلة في ربيعها السادس تزورني كل يوم , فنشأبيننا وداد . كانت تمكث بقربي, فتلاطفني بلغة الأطفال ,و تداعب بتلاتي بشفتيها الطفوليتين. و كانت تضم ساقي الى صدرها , فأنفث في أنفها نفحة عطر عرفانا" بالجميل. و اذا بي اراها غارقة في النشوة , مأخوذة بما نفحتها به . فأقول لها :

-أيتها البنيّة, ليس غريبا" أنك اخترتني من بين الزهور كافة! و لشد ما اقترنا معا".

منذ أعواما" سحيقة , كان لنا لقاء على فرع شجرة . كنا حمامتين عشقت احداهما الأخرى , و اتصلت بينهما الوشائح. فهدلنا معا" , و معا" أعددنا عشنا . و لقد عشنا طليقتين في الحقول , لنا قصائدنا الغزلية , و المروج مباحة لنا . كنا ننقر الحب, ونبسط أجنحتنا للتحليق , فتشتبك في عناق. و لكم تعاهدنا على الموت معا" .

كنا في أثناء طيراننا نشاهد أبا" جليلا" من الأباء الأوائل يعمل في الغابات , و كان يفقد منها كل يوم شجرة . كانت تقطع بقسوة , فيكب الشيخ الجليل على نشرها و قطعها أحطابا" كبيرة الجرم. كانت جبهته تنضح بالعرق. و كانت لحيته البيضاء مهيبة . و كنت اراه كل يوم يسجد مصليا" بعد كده المضني.

لقد وقف الرجل البار أيامه على عمله هذا . و كان عليه الفراغ منه سريعا" جدا" , فينشط بكل طاقته . فهو لم يكن رجلا" من طينة الناس, بل كان رجل الله.

أخيرا" أنجز البناء, و دعي " فلك نوح".

كنا نحلق دائما" حيث يحيا نوح , فيأخذنا العجب بدأبه على العمل حتى طرق سمعنا ذات يوم النداء الآتي:" عليكم بدخول الفلك".

فامتثلنا للأوامر الصادرة من العالم الآخر. و مثلنا , أنا و رفيقتي , نوعنا الحيواني ,وكنا من المختارين.

كل نوع من أنواع الحيوان, بلا استثناء , مثل بزوجين. و دلفت جميعها نحو باب الفلك, فدخلتها , ثم دخل في اثرها نوح و أسرته.

كانت السفينة مزودة بكل ما يحتاج اليه لأيام كثيرة.

أحكم أبونا الجليل إيصاد الأبواب و النوافذ , ثم جثا مصليّا" :

“رحماك, اللهم ، رحماك.

خطأة نحن.

أنصت من عوالمك الى نوحنا و صراخنا .

و لكنني أعلم بأنك سننت النواميس,

و هذه هي الستعة الأخيرة الرهيبة .

وصاياك يجب ان تنفذ,

و أوامرك يجب ان تطاع .

أنا أمتثل لك , يا رب.

أنا أعبدك,

و لست أخشى الاّ غضبك.

أنت وحدك, اللهم,

تستطيع أن تكبح ضراوة الذئاب,

و تحيلها قسرا" الى نعاج

رحماك اللهم, رحماك.

هبنا رضوانك.

على قدميك أبتهل اليك, يا الله.

اسكب الحياة في أكوابنا.

أنا أشرب من يديك

كل ما تهبنيه

حتى الثمالة.

هلاّ تقبلت مني

كبش تضحيتي.

فليحترق,

و لتتصاعد ناره.

ليكن أريج البخور .

ليكن أريج الزهور.

هلاّ قبلت

قرباني المتواضع

أصعده اليك من

هذا العالم التعس.

أنوح, أنوح،

يا الهي,

و لا تكف دموعي

عن الانهمار.

في يديك أستودع نفسي,.

إنها كاللهيب تأججا".

و نهض نوح.و كنا ,نحن الحيوانات, على اختلاف أنواعنا , نصغي الى صلاته في سكون شامل. و لقد وقفنا باجلال , و لا حراك, نشهد التقدمة التي رفعها. ثم بكينا طويلا" . فقد لازمنا الحزن لاغترابنا عن أوطاننا.

و ما لبث ان سمع قصف رهيب . ثم أدجى النهار, وابتدأ الطوفان التاريخي . و توالت الصواعق و البروق, والرعود كانت رهيبة. و ما هي الاّ طرفة عين حتى عامت الفلك فوق الماء, اذ استحالت اليابسة بحراً . وارتفعت الأمواج مشمخرة , منذرة بالويل و الثبور, و جعلت تلهو بالسفينة.

كان نوح على دوام اتصال بالعالم الاخر . و كان الله يرافقه . و لقد صام و ذرف الدموع الغوالي. كل دمعة استحالت ماسة , ثم ما لبثت الماسة ان صارت كوكبا" . و لملم الملائكة الكواكب,و ركزوها في قبة الجلد .و لم تزل دموع نوح , حتى الآن شاهدة على كابته , تتلألأ الى الأبد. أما انا , فقد كنت الحمامة التي حملت اليه عرق الزيتون.

و حان يوم الخلاص , فأطلق نوح سراحنا . و لقد أسعدني يمذاك ان أحيا في جوار رسول سماوي, وأن أقوم بعمل ذي شأن . لقد أنعم علينا حقا" بالعيش قرب أحد الأنبياء. و انني لأستطيع , الآن أن أشهد بأن جميع الحيوانات التي دخلت الفلك و نجت من الطوفان ذات تقمصات سابقة حق لها بسببها الثواب.

كان العالم عهدذاك أشبه بجرم نير تضيئه قوس قزح رائعة علامة ميثاق بين أللّه والبشر .

خرجنا من السفينة , أنا (كوهاتيتي) ورفيقتي , فأمرنا بتكثير نوعنا . وبعد قيامنا بما إنتدبنا إليه , إختفينا في العالم الروحيّ هونا" من الزمن .

أمّا الآن , فأنا , كوهاتيتي حمامة الفلك , زنبقة , وتلك البنيّة حمامتي الرفيقة .

كانت الطفلة منجذبة اليّ , يشدّها نحوي شعور بوشائج عميقة بيننا .

حسب الزنبقة من الحياة بضعة أيّام . لكن البنّية , في خلالها , وقعت على صخر . وكانت الوقعة قاضية , فماتت.

لقد بكاها والداها , وقطفني شقيقها , ووضعني عند قلبها . وهكذا إلتقينا ثانية , ثمّ متنا معا" , وحلّقنا تتشبّث إحدانا بالأخرى .

وصدر الأمر , هذه المرّة أن أكون أرزة .

 

أرزة دهريـة

أخذت أمدّ لي في الأرض جذورا" , وأنمو رويدا" رويدا" كجنين في رحم أمّه حتى حان يوم ولادتي . فخرقت الأرض , وأبصرت النور . وجعلت أكبر وأكبر ... فإتسع جذعي , وإرتحبت فروعي وطالت . وشمخت فيالأعالي , أزهو بمنظري . ولم يكن ردائي الأخضر ليحول مع تقلّبات الفصول .

كنت أعلم أن حياة الشجرة قد تناهز القرن , وأنّ عليّ إحتمال وضعي الجديد , سواء رضيت به أم كرهت .

حتام أظلّ شجرة ؟

سؤال بدر منّي , وتردّد في أودية المجهول . لكن صداه ظلّ بلا جواب حتى حان أجلي – وقد كان مخبوءا" في ظلال أوراقي . فما يزال الموت خاتمة المطاف منذ بدء الخليقة .

كنت راسخة الجذور فوق جبل شامخ , تحتاطني رفيقات لي هنّ شجرات أرز من فصيلتي . وبعد أن كنت زنبقة " قصيرة العمر , كتب عليّ أن أقاصي حياة دهريّة , فأحصي الفصول المتكررّة , ثم أحصي الأعوام المتكاثرة .

كنت أحسب أولا" أ، البقاء الطويل لا بدّ أن يكون رتبا" لمن أكره عليه . ولكنني , على خلاف ذلك , عشت بين متنوع العناصر , لا نفرغ من الأحاديث معا" .

كانت الشمس , الشمس الإلهيّة الجميلة , تشرق كل صباح , فترسل إلينا بأشعتها الحارّة , فيدفء لبابي .

كانت تقبل مبتهجة . فتقصّ علينا وقائع رحلتها اليوميّة , وتروي لي الأحداث التاريخيّة . ذلك أنّها تلتقط بأشعّتها صورها , ثمّ تبثّها إلينا مفصلة" لنا كلّ موضوع , ومشبعة رغبتنا في المعرفة .

ولقد كنا أنا وزميلاتي سعيدات نصغي الى الأخبار في نهم , ونرهف السمع الى ما يبلغنا إيّاه في عزلتنا كوكب النهار . إنّه جرم كوني متلفز .

كم من حقبة حرب أو سلام عايشت ! الأنسان هو هو أبدا" . إنّه عود دائم على بدء .

كانت الحضارة تتقدم شيئا" فشيئا" . وكنت , منذ عصور الجهل , في طليعة من وردته أصداء التقدم الذي بلغ أوجه . لكنني ما لبثت أن عاينت ثانية تقهقر الآرض كلّها وإنكفاءها الى أصولها الهمجيّة . إنّه إنحطاط ألأنسان وعودته في الغالب من أكلة لحوم البشر .

الراجح أن الآرض لا تستطيع أن تتخطى حدّا" معيّنا" من الثقافة والحضارة , فلا تنال إلاّ ما أتيح لعالم آخر أن يهبها إيّاه . وهذا العالم إنّما يسكب في صدرها بعض ما يعرفه قطرة قطرة , فلا يلهمها إلاّ ما سمح له , هو أيضا" , إلهامها إيّاه , حتى يأزف حينا" تتفاقم فيه غطرسة الإنسان , فيكفر بأللّه الكليّ القدرة . وعندئذ , يندثر كل شيء بأمر بسيط , وينكفىء البشر من عصر الذرّة الى عصر الحجر .

الذرّ نفسها أداة دمار , بها يباد العالم , ثمّ يعاد إحياؤه حتى يمتحن البشر , ويحاسبوا مثلما يستحقّون .

ترى أيكون القرن الواحد والعشرون ختام هذا الدور ؟

عمّ قريب يلقي أللّه مرساته , فيوقف دوران الأرض , فهل يعيد إحياءها في آت بعيد ؟

كنت أشهد من على قمّتي , حينا" بعد آخر , إزدهار شعوب , وإنهيار شعوب ... وكان مفجعا" مشهد الأمم تنهد الى المجد, وما تلبث أن تهوي الى الفساد . ولقد وددت أن أهرع الى تحذيرها من الأخطار التي تهدّدها بسبب مسلكها السيّء . ولكنني كنت شديد الرسوخ في مكاني . وكنت أحيانا" أصرخ بقوّة وأنا أحسب أن أصداء صوتي بالغة مسامعها .

عشت أرزة ستة قرون . وقد كنت حاضرة لمّا ظهر بعض الأنبياء في الشرق الأوسط ليبشّروا بكلمة أللّه . كانت الريح تحمل إلينا كرازاتهم , وكنت , أنا ورفيقاتي نصغي بشوق الى البشارة , فندرك أن وجودنا على الأرض عقاب , إذ كنّا نكابد الزمهرير والثلوج , فتتجمّد عساليجنا الخضراء .

كانت العواصف الثلجيّة رهيبة في الشتاء . وكنّا ننتظر بفروغ الصبر النسيم العليل المشبع بألطيوب ,. كان هبوبه سحابة عطر لنا .

ولكم ترجحنا بعنف , نحسب أن أجلنا قد حان .

وكانت الرياح نفسها تخاطبنا ,. ويا لها من مهذارة ! وكانت تلملم هي أيضا" , في طريقها جميع أخبار كوكبنا . ولقد كانت أحاديثها ممتعة , بلا ريب .

وهكذا , أيّها الأنبياء لم تقتصر رسالاتكم على البشر فقط , بل طافت الحقول والجبال والأودية والمحيطات ... وإنتشرت في العالم كلّه .

لقد بلغنا كلامكم , وكان علينا التقيّد بوصايا معيّنة . وكان ندمنا عظيما" لأننا خالفنا الإرشادات الإلهيّة . فقد كنّا مسؤولين عن أفعالنا بلا ريب , ولن يغفر لنا قضاتنا أدنى مخالفة في سلوكنا .

النسيان كثير . لكن ظهور الرسل , كما قلت , كان يعيدنا الى السراط المستقيم . قوانين الطبيعة جزء من النواميس الإلهيّة ,. فهي تنسحب على كل ما ينتسب إليها , سواء منه الحيوانات أو النباتات أو الجمادات , أي العالم أجمع , وذلك لكي يبلغ الجميع الهدف المروم , أعني الإرتقاء الى درجة أرفع , فلا يكون ثمة عود الى الأرض ومقاساة آلآم .

كانت أغصاني تنمو مع السنين وجذعي يتّسع . وصرت أزهو بفروعي الخضراء . كنت مضيافة" تجد الطيور والسناجيب والدويبات مبيتا" لها عندي . ولمّا هرمت , وخلت بعض الأغصان من لبابها , ولم تبق لي إلاّ القشور , كانت ضيوفي تتسلّل الى داخل أغصاني وتحتمي جيّدا" فيه . على إنني أمسيت , في هرمي , متسامحة نحوها , وحليمة" مع النزلاء الصغار .

كانت الطيور تحبّني , وتجل سنّي , شأنها شأن تلك المخلوقات الصغيرة كافة , ومنها جعلان مذهّبة جميلة كانت ترصع كالجواهر أوراقي وتقصّ عليّ , في المساء , حصيلة جولاتها .

كان ينشأ بين الطيور إهتياج مسعور , فتصطفق الأجنحة سراعا" , وتتصادم المناقير ,. ولم يكن لشجاراتها إنتهاء. وكنت أبذل وسعي في تسكين غضبها .

ولمّا كانت تبني أعشاشها , كان يقع عجيج لا مثيل له , فلا تني الطيور أبدا" في جيئة وذهاب .

كانت تبهجني بأغاريدها وأناشيدها . ولقد أمضيت برفقتها أياما" ممتعة شاهدت في أثناءها لوحات جميلة من الحبّ البريء , كما إنّ مسامراتنا لم تكن لتكفّ .

كم تعاقبت أجيال ! وقد إتفق أن عادت إليّ بعض الطيور أو الحشرات أو السناجيب , وقصّت عليّ أخبار تقمّصاتها الكثيرة , وأبدت برمها بتكرار الولادات .

وفي أحد الأيّام , شاهدت عصفورة تحطّ على أغصاني , فتعارفنا , فإذا هي البنّية التي قضت في ربيعها السادس, ولاتي رافقتني مرارا" .

كانت العصفورة تحتضن أوراقي , وتتعانق هي وأفناني , وتنقر بمنقادها الرخص أكوازي , أمّا أنا , فكنت أكلّل رأسها بهالة من قطرات الندى .

لقد كنت سعيدة رؤيتها ثانية بعد غياب طويل ,. إذ إنّ آخر لقاء لي بها كان في قصر العدالة الإلهيّة قبل أن أصبح أرزة .

ولقد روت لي كيف عادت الى الأرض مرّات متعدّدة في شتّى الصور . ومما قالته :

- إستحلت, ذات مرّة , الى سنبلة قمح شقراء في أحد الحقول , على مقربة من شقائق النعمان . ثمّ أطاح بي يوما" منجل الحصّاد , وسحنني حجر الرحى , فتألّمت من جرّاء طحني وعجني , وخبزي بالنار .

وقد وضعتني الخبّازة مع سائر الأرغفة في إحدى القفف ريثما نبرد . وكنّا بلون الذهب نستثير الشهيّة .

وذات يوم حطّ غراب على حافّة القفّة , وتلقّفني بمنقاره , وحلّق بي بعيدا" جدا" الى جبل الكرمل حيث كان يتخفّى ايليّا النبي , وقدّمني الى الرجل البار . فسرّرت , يوم ذاك , بأن أسدّ جوع رسول أللّه .

بارك النبي صنيعي , وجازاني بأن رفعني درجة , فإذا بي من رجال القانون . على أن ما كسبته وأنا سنبلة سرعان ما فقدته , ويا للأسف , وأنا قاض في أوروبّا . فقد أطلقت سراح موسر أثيم مستهينا" بحقّ أحد الفقراء , الأمر الذي قضى عليّ بالسقوط الرهيب , فكابدت عذاب الجحيم أعواما" طويلة .

أمّا ألآن , أيّتها الأرزة , فقد رجعت الى الأرض بعد آلام إستغرقت أجيالا" , أودّ أن أفيء ثانية الى ظلالك , فألازمك , وأكفّر عن ذنوبي نادمة على سقوطي .

بكتّ عصفورتي , فأصاخت اليّ السمع , ووعدتني بالتزام التعقّل فيما بعد .

ستة قرون إنطوت وأنا , في هذه الدنيا , شجرة تكفّر عن أوزارها . ولمّا طعنت في السنّ , صرت لا أقوى على تقلّبات الفصول , وبدت على لحائي أمارات العجز .

لم تهاجر عصفورتي في ذلك العام مع أمثالها , بل لازمتني تعتني بي , وتؤاسيني . كان الشتاء قاسيا" , فمرضت . وشجاني أن أراها تتألّم , فتوسّلت الى الشمس أن تدفئها بأشعّتها . ولامست رأسي السامق إحدى السحب , فقلت لها :" لا تبارحينا , أيّتها السحابة . أغمرينا بنداوتك . عصفورتي عليلة . إليك أعهد في أمرها . إنّها مشفيية على الموت , فأبقيها لي , وإلاّ كوني لها الكفن ".

فأجابتني السحابة : " لا تخشي أمرا" , أيّتها الدهريّة . لقد كنت دوما" صديقتي , وإنّي لحريصة على عصفورتك. لكن ريحا" عاتية ستقبل هذه الليلة من أقاصي الشمال , وقد أمرت باجتثاثك من أصولك فيأثناء هبوبها . عندئذ تقطع علائقك بالأرض , وتقفين ثانية في قصر العدالة . قضاتك منصفون , وسيأخذون في حسابهم سنوات آلامك الكثيرة . ولقد أقبلت أنا السحابة البيضاء لأزفّ إليك الخبر السعيد : الإنعتاق ".

وما كادت السحابة تفرغ من كلامها حتى إحتملتني العاصفة , وإستأصلتني . وقد كانت من القوّة بحيث أقتلعت من تربتي إقتلاعا" تاما" . أمّا العصفورة المحتضرة , فقد توفّيت من جرّاء الصدمة .

 

صخرة في محيط

يخاطب الموت جوهان قائلا" :

-مع ان كل منا قصته, فإن قصتك, يا صديقي, مشوقة تأسر لبّي. فماذا بعد؟

فيجيبه :

_ لقد عدت الى الأرض مرة أخرى . عدت صخرة في محيط. كانت الأمواج من حولي تتراقص هادرة. و قد تتفجر أحياناً برهبوت , فتنقض عليّ غامرة قمتي بالربد الناصع. و كانت تعابث الرياح , فلا تعاندها هذه.

     كانت الأمواج و الرياح ترقص معا ً في انسجام , فتهب الرياح عنيفة حيناً , ناعمة حيناً فتلاطفني برقة . و تعلو الأناشيد صخّابة , حادة . ثم تنقلب الى موسيقى ناعمة. ألحان تتردد على جميع سلالم النغم .

     كان هدير العواصف عنيفاً حتى لتزلزل منه أركان السموات نفسها. و كان الرعد يجيبها بصوته الأجشّ.

     كنا تحت رحمة المياه , فكان رأسي , و قد احتجب , يتلقى بلا ونىً ضربات المحيط المتفجر .

     و تتوالى السنون وأنا أشهد كثيراً من الحوادث و الجرائم المرتكبة في عرضه, بعيداً عن الأنظار.

     ففي أحد الأيام , مخرت بالقرب مني احدى السفن, فتسنى لي أن أشاهد على متنها ركابها , فإذا هم ثلاثة فقط: قبطان و بحاران . و ما لبث البحاران أن قبضا على رئيسهما , و خنقاه , و رمياه في البحر على مقربة مني. و لما أنجزا فعلتها النكراء, واصلا الأبحار. أما المغدور, فسرعان ما قطعته الحيتان , و التهمته . و لم يتبق منه غير هيكل عظمي جعل يغوص قليلاً قليلاً في أعماق المياه .

     كانت الطبيعة تثور تارة , و تسكن طوراً. و كان المحيط الفاتن متقلب الأطوار. و كان نزلاء البحر جميعاً, أعني كلاب البحر و الأسماك و الحصى الصغيرة أيضاً , شهود تلك الجريمة النكراء. و لقد تلطخ ردائي الكلسيّ بالدم البريء . و لكن الأمواج ما لبث أن غسلتني و طهّرتني بمائها الأجاج .

     و انطوى عامان , و اذا بالسفينة نفسها تمر بالقرب مني, يقودها البحاران نفسهما و إيابهما من رحلتهما . ولم يكن ليفوت الناظر اليها الإحساس بأنها مثقلة بالكنوز , و ذلك للإيعاد البادي في سيرها .

     و فجأة رأيت حوتا" فتيا" لا يعدو العامين من عمره – اذ انني شاهدت مولده – رأيته يطفر , و يقلب السفينة رأسا" على عقب , و يقذب بالملاّحين الى الماء, و يلتهمهما في طرفة عين . و لقد رأيت ثروة طائلة تغوص في أعماق البحر . و اذا بصوت مجلجل يسمع قائلا" : " أنا القبطان رئيسكما . رجعت أقتص منكما , لأن جشعكما الأثيم يستوجب الإنتقام ,. و قد انتطرته عامين حتى نلته حيث وقع الاعتداء عليّ.

     لقد تخيرتما زمانا" و مكانا" مؤاتيين , و غدرتما بي. قمتما بفعلتكما الشنعاء بعيدا" جدا" عن الأنظار , وحرمتما أبناء من أبيهم. و لكن , اعلما بأن الطبيعة و المحيط ينطويان على عالم مجهول حافل بالآذان و العيون . كل موجة مؤلفة من قدر لا متناه من قطرات الماء, و طل قطرة شخص مستقلّ ,. ناهيكما عن الأسماك والصخور و الطحاب و المرجان و سواها … تلك المخلوقات كافة شهدت جركما , و قضت بدينونتكما . لقد أحلّ لي ذلك الشعب المائي الانتقام الوشيك.

     ما ان دهمني الموت حتى التهمتني أنثى حوت , فقطعت لحماني. ثم اتفقت ان ولدتني, هي نفسها , بعد عدة أيام . و منذ ذلك الحين , و أنا أترقب في المكان نفسه مروركما مزودا" بأسناني , سلاحي الفتاك , أيها القاتلان."

     و اذا بنا في اللحظة نفسها , انا الصخرة و كل ما دق من الأشياء, نرى أنفسنا بشرا" ذوي رؤوس و سحنات و شعر. استحلنا الى غمر من وجوه و كتائب , وجعلنا نصيح :" الموت , الموت للأثيمين ." و سرعان ما التهمتهما السمكة العملاقة.

     لقد استطاع القاتلان , قبيل ثوان من مصرعهما , أن يفقها الحقيقة جاحظي العيون ,. و لكن سبق السيف العذل.

     عندئذ, استعدنا خلقتنا الأولى , فرجعت صخرا" . أما الكنوز الطائلة , فاستقرت في قاع البحر.

     كان الضريع و الطحلب منتشرين في أنحائي كافة , و الأمواج لا تني تفتّ مني قليلا" قليلا" , و الأسماك المختلفة الأنواع تزورني , فتطوف حولي , و تختبئ في شقوقي. و كانت القشريات تضع بيوضها في مخابئ مني عميقة خشية البحارة الجشعين. و كان المرجان الأحمر و الأبيض , و هما زهر البحار , يسيجاني و يضفيان عليّ جمالا" .

     و كثيرا" ما كنت أسمع همسات صادرة من الأعماق, فإذا بها تتموج أحيانا" و هي تتوالى في سرعة مطردة. كانت موسيقى ساحرة, مهيبة. نغمات شتى تنبعث من عالم مجهول, و تتردد بين موجة و أخرى , فتغمر الفضاء بنشيد جماعيّ رائع . فإذا بالذهول يستبد بقلبي, فيستغرق في تأمل عميق. كنت في عداد الحالمين , وكثيرا" ما كنت أتأمل النجوم البعيدة و هي تنير طبيعتي الصوانية. ترى , أليست النجوم سيارات مأهولة أيضاً ؟

     على أن البحر يظل سراً مغلقاً على البشر. فقد أقبلت ذات يوم احدى الأسماك , و حدثتني قائلة:

     في أعماق الماء , يا صديقتي, عالم مجهول سكانه شديدو القصر, و ذلك من جراء ضغط المياه. و هم , على قصرهم , أشبه بالبشر ,. فكأنهم دمى صغيرة ! على أنهم في قمة العمالقة. و لكن لا يحق لهم أن يتجاوزوا تخوم مملكتهم الغائرة في الأعماق , و الا عاقبهم قانون الطبيعة الذي سنّته قوة روحية.

     و بما انني صخرة , فلم أخبر ذلك العالم قطّ. و لذلك , غابت عني عادات أهله و نمط حياتهم .

     كم من البحارة و القراصنة شاهدتهم يمرون بالقرب مني. ذات يوم , مخر مركب بإزائي, فقفز منه أحد الغطاسين , و جنى مرجاني ,. و كنت أحضنه بمحبة . فأغرقت في البكاء لأنني حرمت من زهوري.

     لقد انتزعت ليصنع منها الأسوار و العقود. و قد شاهدها أحد أصدقائي الى جانب حلى أحدى الأميرات.

     و في أحد الأيام , لمحت بارجة تتعقب أخرى . و ما لبثت أن وقعت معركة بحرية , فأصبت بقذيفة سحنتني بهاء. و اذا بي , يا صديقي , في قصر العدالة ثانية.

 

الإعصار

   -و قُضي عليّ بأن أكون اعصاراً .

     و اتفق ان ثارت ثائرة القضاة المزودين بمراقب الهية على سيرة شعب يقطن في احدى الجزر في المحيط الهادي, فعهدوا اليّ بأمر خطير , و قالوا لي:" لقد أمددناك بما يلزم من القوة للقيام بما ندبت اليه." و اذا بي أزود بتصاميم احدى مدن الجزيرة , و بمواقع منازلها و سكانها , كما أيّدت يومذاك بقوة هرقلية سماوية . و قمت , على كره , بالمهمة الشاقة.

     فقد انطلقت في سرعة مذهلة , عاصفاً , هادراً, صافراً, أطيح بالمراكب و الزوارق و الأبنية القائمة على الخلجان و المرافئ و الشواطئ... و أنقض أخيراً على الجزيرة.و لقد خيّل لي, في تلك اللحظة , أنني مزود بالاف السهام و قد اتخذت أشكال أذرعة . و كان لكل سهم مهمّته, سواء أكانت قتلاً ام تمثيلاً بالبشر و الحيوان أم سحقاً للنبات و الجماد. فكنت أطيح بكل شيء , وأكبح قوتي عند من أعفي عنهم . كنت أسمع الصراخ و صريف الأسنان . و كان على الشفاه كلها اسم الله.

     الله! الله! هذا الإسم المقدس المهمل تتلفظ به الشفاه في طرفة عين!

     يا للدقائق الرهيبة ! فقد عرض على الهلكى , عند احتضارهم , شريط أعمالهم , فصاحوا :" الرحمة ! الرحمة!" فما كان مني الاّ ان طرحتهم أرضاً أسوطهم, و لا أفسح لأحد في المجال أن يلهث أو يتنفس .

     كانت المنازل تتداعى في طريقي, فتبيد الكبار و الصغار . و اذا بالخراب و الدمار يعمّان الجزيرة الصغيرة , و تغمر المياه قسماً كبيراً منها. و لم ينج غير أفراد قلائل دونت أسماؤهم في قائمة و سلمت اليّ . منهم من نجا سليماً , و منهم معاقاً. أما الضحايا , فكان عددهم لا يحصى .

     كل امرئ نال ما استحقه من شقاء او عاهة او موت. و أنا , في ما قمت به , لم ات الاّ ما أمرني به القضاة أوّلاً , كما أمرني به عالم اخر مولّج بشتى ضروب العقاب. و قد سبق لسواي أن أذعنوا له, فانقلب بعضهم ناراً أتت على كل ما اعترض سبيلها, كما جرى في سدوم و عامورة, و انقلب بعضهم زلازل أرضية و براكين و جروفاً و ما شاكل...

     وفيما انا اقوم بما ندبت اليه,رايت رجلاً متعجرفاً موسراً دأبه الإجرام . و قد كانت ميتته أرهب من ميتة سواه , فلم ترحمه سهامي . جعل يفرّ من ركن الى ركن علّه يجد ملجأ .فتعقّبته , و كانت سهامي العقفاء تدحرجه من صخر الى صخر على جروف البحر... حتى استقر اخر الأمر على نتوء بارز. و في أثناء عدوه المذعور , قبست ثيابه ناراً من منزل يحترق , فإذا به مشعل حيّ , و قد تدلّت مزق جسده المدمّى على أحد الصخور.

     و اما مررت بالقرب منه , أسررت اليه قائلاً:" في أحد تقمصاتك الغابرة – و كان اسمك "نيرون" – أنشدت و قهقهت و أنت تضرم النار في الأجساد البشرية , و تستمع بصراخ ضحاياك الصّارف.

     لقد أحرقت روما , فدانتك , و ما زال ضحاياها يطلبون الإنتقام حتى يومنا هذا . هلاّ , قهقهت , الآن, و رقصت,! عليك أن تنقلب مشعلاً حياً, ناراً لا تنطفئ, و ان غطست في الماء. ستحرق أبداًُ أسوة بمن أحرقتهم.

     أنت اخترت مصيرك. يمكنك, من بعد ان ترى الى نفسك في المراة و أنت تحترق. و بالرغم من الامك , عليك أن تضحك و تعزف على قيثارك , لئللاّ ينالك عقاب أشدّ.

     كم مرة ستموت و تولد, و تكابد المصير نفسه!

     نيرون , نيرون,

     لقد لعنتك روما , فلن تبرح مشعلاً متنقلاً! و النار , اذ تحرقك , انما تنعش ذاكرتك. فاحترق, الآن , على رجع أناشيدك و قيثارتك. عليك ان تحتفل بالعيد أمام مشهد نفسك , كمثل شأنك في روما , خشية ان يعظم شقاؤك.

     أنا , اليوم, إعصار , و لكن سبق لي أن التقيتك و أنا ظبية. كنت والد سانيا الظاغية الذي وقّع مرسوماً يقضي بنفي أحد الأنبياء و القضاء عليه.

     كثيراً ما التقيتك , و سوف ألتقيك مراراً كثيرة أيضاً. لقد حلّت عليك اللعنة الالهية , وهي سوف تطاردك.

 

الديك

         كان جوهان والموت يواصلان تحليقهما في الفضاء الرحيب, و لم لم يكن لرحلتهما ختام. و كان جوهان , و هو في العربة المجنّحة , يحدق الى البلاد التي يجوبها , ويستذكر أموراً كثيرة. و كلما اكتشف بقعة من الأرض أقام فيها يوماً, روى الحوادث البارزة في سيرته الطويلة . بيد أنه لم يروها في ترتيب زمني, الاّ في مراحل قليلة , و ذلك تبعاً لمسار رحلته.

     الأرض تدور , و المركبة تحلق فوقها , و تدور مثلها . و يوشك جوهان أن يبلغ نهاية المطاف في رحلته . هذه الرحلة سمح له بها قضاته كيما يختار تقمصه المقبل وفقاً لاستحقاقه. كان عليه اتخاذ القرار الخطير سريعاً . الوقت محدود , و لا سبيل الى مجاوزة الأجل الممنوح . لا بد من الإمتثال لأحكام القضاة.

     كان جوهان , في تقمصه الأخير , جندياً قضى في ساحة الشرف عام 1914 . و هو , بوصفه جندياً , يروي ههنا ما جرى له. قال:

     -كنت ذات يوم , يا صديقي الموت , ديكاً في ايطاليا, تلك البلاد التي نجوبها الآن . و كنت زعيم الخم ّ, تواكبني ثلاثون دجاجة,. و كنت أغازلهن.

     كان باب الزريبة يفتح باكراً, فأخرج, أولاً , شامخ الرأس , و قد احمرّ عرفي

     فوق ما هو عليه من لون قرمزيّ. كنت أميس في خطىً وئيدة , و أتخذ سيماء الأنفة و السيادة أمام الناس. وكنت أدير رأسي ذات اليمين و ذات اليسار لأستطلع أثر ذلك فيهم.

     كان ثوبي المبرقش زاهياً يضرب من الحمرة الى سائر الألوان , فيتألق. و كنت أعنى بجمال أرياشي, فأحرص على نظافتها ,و لا أني أبذل في تعهّدها وسعي. فإذا صفّقت بجناحيّ , فبتؤدة.

     و اذا نفرت دجاجات من مجموعنا , حدجتها بنظرات قاسية , فلا تلبث أن تعاود الانضمام اليه.

     كثيراً ما كنت أتسلق حدراً من الأرض, أو تلة صغيرة , ثم أطلق صياحي, اذ كان عليّ دائماً إظهار سيادتي عليهن, و الاّ دبّت الفوضى و عندئذ, أقدّم صدري, و أزداد شموخ رأس.

     كنت أواصل القيام بالعرض. و لا عجب,. فأنا زعيم الخمّ, أحرص على أن تجلّني طائفة الدجاج.

     و كنت , عندما تغيب النجوم , أوقظ المزرعة , فأصيح صياحاً يخرق أجواز الفضاء, فتتردد أصداؤه في أقاصي القرية. عندئذ , يتململ القرويون في أسّرتهم , و يتهيأون للنهوض منها. و اذا بشعاعات الشمس تطرد فلول الليل, ثم تكسو بنورها الدافئ الفجر المرتعش المهيب الدافق حياة . إطلالة ملكية تنفذ من السحب الدكناء, وتنظم بأشعتها جهود البشر. و ما تلبث دجاجاتي أن تضرب بقوائمها الأرض, و تقوق علامة الجوع.

     كان في الزريبة معنا ثلاثة حيوانات : حمار و حصان و نعجة. و كانت تتبرم بي, لرغبتها في النوم , فلا أجرؤ على الدنو منها, خشية أن ينالني منها الرفس. كنت أنهض باكراً جداً , فأفسد عليها خططها و أقلقها . فكانت تؤثر الخلاص مني كيم تستكين الى خمولها . على انها , لسوء حظها , لم تكن لتتمتع بما تشتهيه , ذلك ان السوط كان يتربص بها .

       كانت الزريبة تضمنا جميعاً . و عند الغسق , كنا نرجع اليها طلباً للدفء, و التعب اخذ منا كل مأخذ . فنندس في التبن , ثم نشرع في رواية القصص , و لم يكن البشر ليفقهوا كلامنا .

     كل منا كان يقص حكاية شقائه, فيستذكر تقمصاته الغابرة على الأرض, جيئة و ذهوباً. و لقد سمعت الحصان, جواب الدروب , يروي هذه القصة , فيقول:

“اعتزم معلمي القيام بنزهة الى خارج المدينة, فسرّح عرفي, و نظّفني بالفرشاة, و نضّر وبري الأصهب. و قد اعتنى بزينتي, فشدّ عليّ سرجاً قاشيباً ,و ما كنت أعانده في أمر.

       ثم انتضى السرج بتؤدة و قد حمل بعض الزاد , فأدركت عندئذ ان الرحلة شاقة . و ما كذب ظني .

       عدوت وثباً , أسلك وعثاء الطرق , و المنعرجات المرصوفة بالحجارة و المملوءة بالعسوج. و لقد طرقنا رسوم دروب مهجورة يبدو انها شقت قديماً, و انها كانت ذات شأن , لأنني تبينت عندها اثاراً عريقة . ثم ان تلك المشاهد لم تكن بالغريبة عني قط . فقد تذكرت حياة لي غابرة هناك. كان كل شيء أليفاً لدي , و لا سيما منظر أطلال قصر قديم, حجارته العتيقة مبعثرة أو مكومة. كان كل هذا الشعب- و انا أقصد الحجارة , اذ انها تتمتع بنفس و احساس – يحيا بذكريات الزمن السحيق , زمن الأبهة الملكية . و كنت أنا صاحب القصر و سيده غير منازع . لقد تذكرت ملكي القديم ,و قصري المنيف! كنت موفور الثراء , هانئاً في حياتي الأسروية . فقد كان أبنائي يحفّون بي, و يحبونني حباً جمّاً حتى كان يوم وقعت فيه المأساة .

       فقد أغرمت ابنتي بشابّ من أبناء جيراننا الألداء . فاستبد بي اليأس . و نشب بيننا و بينهم قتال دام ٍ . لقد رفضت زواجهما , مصدر شقاءنا , رفضاً قاطعاً . فاختطف الشرير ابنتي العقوق التي طلّقت أهلها في سبيل شهوتها الحقيرة .

     عندئذ , كان علينا , أنا و سائر أفراد الأسرة , ان نبارح المكان . لكنني قبل الرحيل خبأت ثروتي في أحد السراديب .

     و قد تعقبنا أعداؤنا , و أبادونا جميعاً . ثم دمروا القصر من غير أن يهتدوا الى الثروة المطمورة حتى الآن في مخبإها . و السبب في بلائي و شقائي ابنتي الأثيمة . و لقد لعنت الزواج و الأبناء , و لا سيما البنات مصدر شقاء أبائهن .

     و هكذا قضينا نحبنا , انا و جميع ورثتي, و منهم ثلاثة أبناء حسان الوجوه. و لما بلغت العالم الثاني , عرفت ان ابنتي كانت في تقمصات سابقة من ألد أعدائي , و أنني قتلتها في حياة سابقة . فانتقمت مني بأن ولدت في منزلي , و أوردتني , أنا و سائر أفراد الأسرة , موارد التهلكة .

     أما الآن , فأنا حصان . و قد ذكرتني بالطريق رحلتي مع سيدي . على أنني استطعت فيما بعد – و هذا ما أسر به اليكم , يا أصدقائي – ان انجو من رقابة سيدي . فقصدت ملكي القديم , و رفعت بلاطة المخبأ . واستيقنت ان الثروة ما تزال مطمورة . ثم أعدت البلاطة الى موضعها المموه الآن بالطحلب و العوسج.

     ما جدوى الثروات الطائلة؟ انه لا طائل تحتها . ثم انها كثيراً ما تكون سبب الشقاء.

     و لقد رجعت من ذروتي من غير ان يريب غيابي أحداً ".

     و لما فرغ الحصان من سرد قصته روى الحمار و النعجة قصتهما . و روت الدجاجات , أيضاً , طرائفها , فقامت و ما كفت . و اذا بالزريبة تنقلب عجيجاً مجيجاً, و البطل فيها ذو الصياح الأقوى . لقد كنا أصدقاء حقاً بالرغم من مناكدة بعضنا بعضاً .

     و ذات يوم , أخذت من بين الرفاق , و حلّ محلي ديك ثانٍ. ثم ذبحت , و انتزع ريشي . و اذا بزغبي المتعدد الألوان يتطاير بدداً في الريح. ثم جمعت ريشاتي الكبار في غرض الكتابة بها , ذلك أن الكتّاب كانوا يستخدمون انذاك ريش الطيور في التدوين . على أن شيئاً من نفسي ظلّ مودعاً في احداها .

     و في أحد الأيام , قدمت ريشة الى دانتي , الشاعر الكبير الذائع الصيت ب" كوميدياه الالهية" و حبه لبياتريس . كان , عندءذ, في منفاه, بعيداً عن مسقط رأسه, مفعم القلب بالمرارة والحقد على طغاته يكتب باصابعه الثائرة العجراء ,ليل نهار .

     حين لمسني ذلك الرجل المتصف بشيمة التسلط اول مرة , ارتعدت فرائضي خوفا فارتجفت في يده اتصنع الرقص في مهب النسيم . ولقد حسنت في عينيه , وكنت امينة على تنفيذ اوامره .كان دؤوبا في عمله , يمسكني جيدا بانامله ,فتنصاع اسلتي للتعبير عن فكره. وانه لمن ضبابة كثيفة تنبثق الخواطر المولدة

       لقد توقع دانتي للخطأة الاماً رهيبة و عذابات لا توصف . و كانت عبقريته سر جمال كتابه و انه ليمكنني القول انني شاركته في تأليفه ,. و الكتاب أعد لخير الإنسانية .

     كنت أمتثل لرغبته القاهرة في التأليف . و كثيراً ما كان ينالني الإرهاق , فأطلب الراحة , فيحكم امساكي بيده جيداًو في ظنه انني شيء جامد أو أداة مألوفة أو ريشة مثل سائر الريشات. و ما كان ليراوده قط ان شيئاً مادياً قد يتعب أو يشعر أو يتألم , و ذلك عندما يتنافر زغبه و ينحني غضروفه من جراء الكتابة .

     و على ذلك كله , فقد سعدت بصحبة دانتي في منفاه . و لما كان يتناولني , كنت أتحرى أفكاره قبل نقلها الى الطرس حتى لاقت كان لي أثر في موضوع الكتاب . و قد رأيت المؤلف يرتاد مع فرجيل عوالم لم تخطر ببال ,. و كان ذلك شيئاً رائعاً .

     بت , في رفقة دانتي , أديبة . و كنت أشاركه في القراءة . ذلك أنه كان يمرني على الرسائل و السطور التي كان يطالعها . و بما انني كنت جماداً , فلم يكن ليتسنى لي ابداء الرأي , و لا القيام بالنقد .

     فرغ دانتي من " جحيمه" , و رغب في استكمال " كوميدياه الالهية" بوصف " المطهر". و بما انني كنت أعلم جيداً بأن لا وجود للمطهر , فقد ثارت ثائرتي , وحرنت لا أمتثل له.و انتهزت فرصة قيام دانتي بحركة نابية, فاستقررت فوق لهب شمعة موضوعة على المكتب – اذ كان الوقت ليلاً –و قبست ناراً , و تلاشيت من على وجه البسيطة . لقد استحلت الى رماد. اما دانتي , فجعل يعارك النار , و سرعان ما أخمدها .

     كان الشاعر الإيطالي مشرباً و مقتنعاً بمعتقدات كنيسة . و لم يكن في وسعه –مثله في ذلك مثل كثيرين من أمثاله- تمييز الخطأ من الصواب فيها . بلبلة في الدين أدت الى نشوء صراعات و انشقاقات مشؤومة .

     كانت بياتريس ملهمة دانتي , كما كانت صديقة لي قديمة . و لقد ارتبطت به بوشائج متينة لا تنفصم عراها . و لذلك , فقد انساق الشاعر الكبير في ركاب هذا الحب الذي ذاع خبره, و خلّف أثراً تاريخياً منه في قصائد أهداها اليها .

     غادرت دانتي مع دفاتره و ركومه , وانثنيت الى عالم الضباب أنتظر, مرة جديدة قرار القضاة في شأن مصيري

 

زرّ الزهر

     مدى فسيج أخضر تتخلله جداول منسابة تروي الغياض و المروج . فقد كان الربيع يستيقظ لتوه, و كانت الأرض تموج بهباتها التي لا تقدر . و ما عتمت أن استيقظت أنا في ذلك الوسط المحفوف بالطبيعة الخلابة . فنموت و ارتفع ساقيّ يستطيل يوماً إثر يوم حتى أطلع أخيراً برعماً ما لبث ان صار زهرة . ة انتقلت من الطفولة الى البلوغ , فتفتحت بتلاتي .

     كانت الريح تهدهدني . و كانت جبهتي الشامخة تستقبل طلوع النهار , فاستحم بنور الشمس الدافئ .

     كانت خيلائي امام كوكب النهار تفوق الوصف . فقد كنت أتيه بعرض جمالي , اذ كنت زر ذهب .

     كنت أتمرى في المياه النميرة الصافية . و كان النسيم يساعدني في التبرج على هواي. فلم يكن لدلالي حدود .

     كانت الفراشات تأتيني , و تروي لي أخبارها و قصص حبها , فأهبها رحيقي و لقاحي .

     كانت تنتقل بأجنحتها اللطيفة من زهرة الى زهرة , و كانت أذناي تلتقطان أحاديثها .

     كانت زميلاتي الزهور تملأ الفضاء بأصواتها , فتهذر و تثرثر كالعجائز . لكن انى للبشر ان يفقهوا لغتنا !

     كان الفضاء يعج بالأحاديث , فتختلط خطاباً و جواباً . و هكذا كانت الحقول منتدانا.

     شتى أنواع الزهور من شقائق النعمان و بخور مريم و أقحوان , نبتت في تلك التربة مبتهجة بوجودنا عليها,. كما نبتت فيها أيضاً أشجار لوز مزهرة . و لقد كان صدى فرحنا " نشيداً زهرياً" .

     على اننا ما تفتحنا الاّ لنذوي و نموت . و اذا بعربة الموت إيذائنا , فاتخذنا مجلسنا فيها بطواعية , و مثلنا مرة جديدة امام رجالات الناموس .

     أجل , عربة مملوءة بالزهور, من شتى الألوان و الأنواع , درجت نحو قصر العدالة . و فجأة , طرقت اذاننا صيحات الدهشة تطلقها النفوس المرتقبة دينونتها في قاعات الإنتظار.

     كنا حديقة مزدحمة بالزهور تقلها العربة . و كنا كلما تقدمنا , نزداد خيلاء , فيتخذ غرورنا مدى بعيداً , ويتعاظم كلما دنونا من المشترع.

     يومذاك , جوزيت كبرياؤنا , فكتب علينا ان نكابد عقاباً مؤقتاً ريثما نتضع و نتعلم الا ّ نعصى وصايا الله. و اذا بنا نتحول من زهور الى براغيث .

 

البرغوث

هل تتمثلون صورة براغيث على حصير شيخ فقير في طور الأحتضار ؟

لقد إنقضّ عليه رفاقي في شره الى دمه , لكن عروقه كان قد جفّ فيها سائل الحياة . أمّا أنا فقد أقمت بعيدا" عن تلك الوليمة الكريهة يقزّني مشهدها . ثمّ دنوت في إتئاد من الصغير البلغ من عمره السادسة , أو يكاد ,. وكان الى جانب جدّه .

نظرت الى هذا الصبي , اليتيم الأبوين , الجالس بالقرب من الشيخ المحتضر . كانت الدموع تتسائل خرساء على وجنتيه الغائرتين , وتشكو الجوع واليأس والشقاء .

ثمّ رفع ذلك الولد الذي يرتدي الأسمال القذرة عينين متوسلتين الى السماء الرحوم , السماء المنقذة , لأنّ الشيخ كان معيله الوحيد .

تلقيّت في أسمال الصغير أشهد المأساة : ولد مهمل يرمى الى الشارع جائعا" . وقد تصنع منه رفقة السوء لصا" أو مجرما" ! وجال في خاطري : " لو كنتم تعلمون , أيّها الآباء والأمّهات , ما يخبّئه المستقبل لأبنائكم من شقاء وأمراض , أكنتم تقدمون على الزواج ؟ "

على أنّ تهاون البشر بهذا الأمر سيظل هو هو حتى تفنى الأرض . وسيظل هذا الموضوع أبدا" علامة إستفهام .

ومع أنّي كنت برغوثا" , فقد كنت أذرف الدموع , فأشاطر بها الصبي أشجانه . ولقد شاقني , يوم ذاك , أن يكون لي صوت صديق , فأعزّيه . لكنه كان مكتوبا" علي ّ أن أحرم هذه الموهبة . فإبتهلت الى أللّه ثمّ وخزت اليتيم , ومصصت دمه , فإنتفض ألما" . ولمحني على ساقه , وقبض عليّ , وسحقني بين أصابعه , وإذا بي في عالم جديد .

وشاهدني صديقي الموت , فأركبني في عربته المجنّحة . وسرعان ما إسترجعت ما كنت أعلمه قديما" . ومما علمت , بعد وفاتي , أنّ الصغير كان ولدا" لي في أحد تقمصاتي المتعددة . ولقد أحببته كثيرا" لأنّه كان يتحلّى بسجايا طيّبة .

كانت حمتي مترعة بألسم , ففعلت لدغتي في الولد فعلها الذريع . وما عتّم أن دخل في طور النزع . وكنت أنا سبب إنعتاقه من ربقة الحياة الدنيويّة . وإن هي الآّ لحظات حتى أراه وقد أمتطى العربة يصحبه جدّه .

عند إذن , قال لي الموت : لقد حان الوقت للبحث عن إبنك وجدّه . إننا الآن على مقربة من الكوخ ".

إتّخذ الولد وجدّه مجلسهما في مركبة الموت . وتعارف جوهان وإبنه السابق , وتعانقا ما وسعهما العناق .

كان جوهان مدفوعا" بقوّة مجهولة قاهرة الى إنقاذ الصغير الذي كان إبنه منذ أعوام بعيدة . لقد جنّبه الشقاء الكثير . ولقد حمد أللّه على خلقه برغوثا" , فأنقذ من هو جزء منه .

ينقلب الأولاد في عربة الموت الى ما كانوا عليه دائما" , أي إنّهم يرجعون أشخاصا" متمتعين بملكاتهم العقليّة كافة , وذلك من أجل أن يدانوا .

وما كان جوهان غير وسيط إنتقل على يدّه ولده شابا" الى عالم الضباب .

ولكنّه ظلّ يرى نفسه برغوثا" وهو جالس في العربة المجنّحة الى جوار الشيخ وحفيده . فناح وإبتهل لللّه قائلا" :

“من أنا يا ربّ ؟

أكاد لا أرى .

لقد عاقبتني ,

أيّها السرمديّ اللامتناهي

الذي تسبّح السموات كافة بمجده الأبدي .

عفوك , أللّهم , عفوك ,.

لقد أتيت إثما" .

جبت جميع درجات الناسوت .

عرفت الشدائد العظيمة في مراحل

كثيرة من عمري .

لماذا تصاممت عن سماع ندائك

في بعض الأحايين ,

فلم أستجب له ؟

ما أكثر الأنبياء والمسحاء

الذين ظهروا على الأرض !

لكن الإنسان شرّير ,

لا يصغي إلاّ الى ما يودّ الإصغاء إليه ,

ولا يرى إلاّ ما يروقه أن يراه .

إليك أرجع , الآن , برغوثا" .

بيدا أنني طالما عشت

في مسارح العوالم الأخرى ,

فشاهدت من عليها الكائن البشري

أتفه من حشرة ,

يخبط في مفاسد نفسه بسبب عمائه .

أنا ألآن أستطيع أن أدرك ما يتعذّر على سواي إدراكه .

لقد أعمت الكبرياء الإنسان .

فحمدا" لك يا ربّ ,

لأنّك خلقتني , هذه المرّة , برغوثا" .

فقد تعلّمت التواضع ,

كما تعلّمت الأمتثال لنواميسك ألإلهيّة .

صفحك , أللّهم ,

لأنني كنت السبب في مصرع ولدي

في سبيل إنقاذه من مفاسد الأرض .

هأنذا ألآن أسلم إليك , يا ربّ أمري ,

فأقض لي أو عليّ " .

عندئذ خاطبه الموت قائلا" :

كثيرا" ما رافقت ألأنبياء في رسالاتهم . وكثيرا" ما قسا عليك القضاة في أحكامهم كشأنهم معك هذه المرّة في خلقك برغوثا" .على أنني كنت أعلم جيّدا" لماذا أقدموا على ما أقدموا عليه وفقا" لإجتهاداتهم المنصفة . أنت ما كنت لتستحق أن تصير الى حشرة دمويّة . فقد كنت , في عربة الزهور , الزهرة الوحيدة التي طأطأت رأسها تحاول إخفاء وجهها . لكنّهم , مع ذلك , أرادوا إمتحانك , فكان أن سيطرت منازعك الطيّبة على ميولك الخبيثة .

أهنئك , يا جوهان . لقد فزت بولدك , وهو سيّال ينتسب إليك " .

هو ذا جوهان , مرّة جديدة , في قصر العدالة المنيف يرافقه إبنه والشيخ . ثمة وافدون جُدُد .

لشد ما يعرو الواحد الإرتباك في حضرة العدالة الإلهيّة !

ما أكثر ما سلك جوهان هذه الطريق , فقفل منها تارة شقيّا" , وتارة" جذلان .لكنّه إنكفأ منها هذه المرّة سعيدا" , إذ إنّه إتّحد بابنه , فصارا شخصا" واحدا" .

 

الفراشة

قال القاضي لجوهان :

ثمّة مخلوق على الأرض أحبّه كثيرا" هو الفراشة , إذ إنني خبرت هذا التقمّص في غابر الأزمان . كنت سعيدا" , أطير من زهرة الى زهرة , وأمتصّ الرحيق ... كان يوما" بهيجا" إذ كنت فراشة .

كن , هذه المرّة , فراشة يا جوهان . سيبتسم لك الربيع , وتخلع عليك الزهور القزحيّة ألوانها , وترفرف أنت في نور الشمس . وسيبثّ جناحاك القيقان موسيقى مجهولة على الأرض , وأناشيد سماويّة .

وما عتّم جوهان أن ولد فراشة أشبه بقوس قزح صغير , فكانت ترفرف بين الزهور , وتجني اللقاح . كانت رشيقة في طيرانها من وردة الى وردة , ومن أجمة الى أجمة . وكانت تسترجع ذكريات أحداث غابرة . كانت تحلّق فوق حقول القمح الموشّاة بالترنجان , والأقحوان , وأزرار الذهب . وكانت تطارح الطيور والأنهار والجداول الأحاديث .

على أنّها كانت تؤثر لون الشقائق الحمراء , لأنّها تذكّرت أنّها نمت في حقل من الزهور البيضاء , وأنّها قدمت هي وأترابها , الى إحدى الأميرات . واتفق أن مات حبيب الأميرة , فتضرّجت الزهرة بدمه , على غرار ما حدث لأدونيس . ومنذ ذلك الحين لازم الزهرة اللون القرمزي الفاقع , فدعيت بألشقيق الأحمر .

أمّا أنت أيّتها الفراشة المرفرفة , سواء كنت حزينة أم سعيدة , فتنشّقي أريج الهواء وأنت تتأمّلين الزمان السحيق في تلك الطبيعة الجميلة . النسيم العليل يرافقك في تحليقك , ويحتضن بجناحيه كل ما هو بهيج .

هبّ , أيها النسيم , وأنشد ما طاب لك الإنشاد .

القصب القائم في جوار الماء يدندن بصدى غنائك , وفراشتنا المفتونة تصغي إليه بشغف . إن هي الاّ مخلوق وشيك الزوال , وها قد رقدت وهي تنصت الى نشيدك , وقد خلعت عنها ثوبها المتعدّد الألوان .

وكان أن إقتطفها النسيم العليل كما تقتطف الزهرة , ووضعها بإجلال في شقّ صخرة , وذلك لكي لا تفسدها يد . وما أن وضعت فيه حتى إختلجت الصخرة . لكن رعشتها لم يلحظها أحد , ذلك أنّ الصخر يحرص على الإحتفاظ على سرّه في تكتّم تام .

لم تحيا فراشتنا إلاّ عمر وردة أي سحابة نهار , ثمّ أودعت في تلك الفرجة الضيّقة . قد تعثر عليها النمال أو سواها من الحشرات , فتقطّعها وتلتهما . لكم الصخرة الواقية كانت دهريّة . كانت تشتمل على نفس أحد ألآباء ألأولين الذين عاشوا في عهد التكوين . لقد قاومت جميع تقلّبات الجو , فكانت تسهر , وتؤدّي أمرا" مهمّا" في العالم , ذلك أن سيّالا" قدسيّا" كان يلّ فيها .

كنت تعرف , أيّها النسيم أصل تلك الصخرة , فأردّت أن ترفع إليها قربانا" , فلم تجد خيرا" من فراشة , جوهرة أللّه النفيسة . أثمة ما هو أجمل ؟ وأحبّت الصخرة تلك القربانة الريفيّة , فخبأتها في حضنها .

وعاد جوهان الى عالم النفوس يصحبه الموت أيضا" .

 

ألأختيــــار

خاطب الموت جوهان قائلا" :

ألا تريد يا جوهان أن تختار تقمّصك الأخير ؟

فأجابه :

بلا ريب . لقد حانت اللّحظة الحاسمة , ولا بدّ من الإمتثال لأوامر القضاة المنصفين .

فقال الموت :

لقد حلّقنا فوق العالم أجمع , فطوّفنا أحيانا" كثيرة , على إرتفاع منخفض جدّا" , ولم تقوى عيون أهل الأرض أن ترانا . حدقاتهم أعجز من أن ترى العوالم الأخرى . ثمة جدار راسخ يفصل بعضنا عن بعض الى أن يحين تقمّصنا عليّها .

ما أكثر الذكريات التي رويتها لي ! زد الى ذلك ما ذكّرتك أنا به .

ذكريات ترجع الى أحقاب قبلها أحقاب ... هذا إذا كان ثمة بدء يحال عليها !

ثمّة حجاب صفيق يواري الأسرار ألإلهيّة المخبوءة في أقاصي السماوات , فلا يتسنّى لنا إدراكها الآن . لا بدّ من إطّراح الأثقال دائما" كيما نحلّق عاليا" . وما هذه الأثقال غير عيوبنا الكثيرة . يجب التخلّي عنها , مهما كلّف الأمر , طمعا" في إرتقاء الذرى العلويّه الممتنعة علينا مؤقّتا" . علينا بأعمالنا أن نستحقّ الرحمة الإلهيّة . أمّا ألآن, فما نحن غير ملائكة سقطوا وتفرّقوا في شتّى العوالم . على هذه الصورة أبرزنا الشاعر الشهير فيكتور هوغو , في بعض قصائده , فأصاب . ثمة ملهمة عاصرت عهد التكوين , فحرّكت ريشته , ومدّته بذكرى الماضي السحيق .

ولكنه قد يتسنّى لنا في المستقبل البعيد أن نرتقي واحدا" إثر واحد , وشيئا" فشيئا" , درجات السماوات , وذلك بقدر ما نهذّب سلوكنا , ونندم ندما" صادقا" , ونجتاز التقمّصات الكثيرة , والاّ خلدنا في العقاب .

ما أكثر العوالم التي يجب إجتيازها حتى نبلغ ذرى الغبطة الأبديّة ! لا أستطيع , يا جوهان , أن أشرح لك كل شيء . معارفي محدودة , هي أيضا" , بمستوى عالمي .

لقد حان الوقت , يا جوهان , لأن تبادر الى إختيار تقمّصك . ومهما يكن من أمر , فإن الأرض كوكب جحود , ستكابد عليها آلآما" جساما" , ومرارات عظيمة . ولكن , عليك ألآن أن تعلم بأن ثمة رسالة روحيّة جديدة ستنتشر فيها , لأن الشعوب قد فسدت , وبات فنائها وشيكا" .

ثمة هاط قد ولد مع الشمس المشرقة . وسيكون , عمّا قريب , موسى الجديد وبوذا الجديد والمسيح الجديد ومحمّد الجديد , ويتكّم مثل ألأنبياء جميعا" .

عندئذ تضيء السماء المظلمة , وتمرع الأرض المجدبة , والزيتونة تبارك .

هنيئا" للأرض التي شهدت ولادته . الشرق وأورشليم كانا منذ القدم مهد الأنبياء .

بيدا أنّه سيكون ضحيّة البشر . سيعاني العذاب في سبيل قضيّته المقدّسة , لأنّه لولا آلآمه , لما عدّ نبيّا" على الإطلاق .

سيحمل بيمينه راية العدالة . وسيحلّ الروح القدس فيه كيما يهدي خطاه .

ستدعو شفتاه المباركتان الى العودة الى أللّه بالتوبة عن الذنوب .

ستبلو الأرض قريبا" يا جوهان , فاجعة فنائها , وتدخل طور ألأحتضار .

ليس للزمن شأن في عالمي , يا جوهان . فما بين طرفة عين وإنتباهتها تظهر وتنطوي عصور . وعليه , فماذا تبقّى بعد من حياة هذه الحمأة ؟

عندي أنّه لم يتبق لها سوى ثوان معدودات . لكنّك ستشعر على الأرض , يا أخي , بنير تلك السنوات . ستكون سنوات مءلمة , لكن من أجل فلاحك .

إتبع هذا الهادي الجديد الذي يحيا ألآن طفلا" يتيما" مغمورا" في فقر مدقع , مثله في ذلك مثل هداة أللّه جميعا" .

ولكن سيأتي يوم , فيظهر بكل مجده , وذلك بعد أن يضطهد ويحمل صليبا" جديدا" .

لقد كنت يا جوهان , واحدا" من خرافه . ولا بدّ من أ، تعرف صوته وتتبعه . ألم يقل يسوع : خرافي تعرفني " ؟

ستساعده في إداء رسالته . فإذا قمت بواجبك على خير ما يرام – وذلك بأن تكون ساعده الأيمن , وتبشّر بالحقيقة الجديدة , وتقف حياتك على خدمته – كلّلتك السماء بغارها المقدّس .

أجل أقول لك ثانية ,أن روحا" مقدّسا" سيتكلّم بفم الهادي الحبيب , ويهديك . ستكون الطريق وعرة , ولكنّك ستبلغ هدفك , وتهتف معلن الأنتصار . وسيستيقظ العالم الغارق في الظلمة , ويسطع فجر سماويّ أبديّ .

أجاب جوهان :

أجل, يا صديقي , لقد إخترت تقمّصي الجديد , وسيكون بالقرب من رجل أللّه . لقد سبق لي أن صحبته مرارا" كثيرة إذ هو يؤدّي مهمّته الشاقّة . وإنّه ليسرّني ألآن أن أحظى بشرف مرافقته , وأن أكون لسان حاله , وأن أعينه في حمل لواء رسالته , وأجاوز العالم في التبشير بها .

سأذود عن أفكاره , وأنشرها في أربعة أقطار المعمورة .

نعمة لي أن أولد في عصرهاد . فرحي يجاوز طاقتي . سأعاين أحد الهداة , وأحيا بقربه , فأعضده , وألقي برأسي عند قلبه لأتزوّد قوّة , وأنسى ضعفي البشري , وليد اللحم والدم .

حمدا" لك , يا ربّ , على نعمتك الإلهيّة .

قال الموت لجوهان :

لقد ذكرت لك أنك نلت النعمة بإستحقاقك . فأملي أن تمسك جيّدا" بزمام نفسك لئلا تسقط أرضا" . التجارب جمّة , والنسيان سلطان .

أمّا ألآن فعلينا باختيار أسرتك البشريّة الجديدة .

ثمة إمرأة في لبنان , تعاني أوجاع المخاض . ولكنني أنبّهك , يا جوهان , الى أنّ والديك الجديدين سيناوئان العداء ما ستعتنقه من مبادىء . ولذلك يكون فضلك أعظم .

كل فكرة جديدة منذ بدء الخليقة حتى اليوم ناهضها البشر . العالم ثابت على ما هو عليه : فالجاحد سيظلّ جاحدا" , والشرّير شرّيرا" , والمجرم مجرما" .

لكن رحمة أللّه من صفاته الحسنى .

ستلقي بشبكتك , يا جوهان , وتتذوّق لذة الفوز . عندئذ عانق جوهان الموت , وضمّه إليه بكل جوارحه , وشكر له مرافقته إيّاه وعونه الثمين , وقال له :

الى اللقاء , أيّها الموت . سأراك عمّا قريب , إذ أنّ الزمن , كما قلت لي , لا شأن له .

ها أنذا ماض لأكتسح الآرض , فأنادي بألحقيقة المقدّسة , وأبشّر بالعودة الى أللذ÷ .

وعليه غادر جوهان مركبة الموت على سحابة مجنّحة , وهبط الأرض , وحلّ في جسم جنين .

وإذا بالوليد يستهلّ , فيقول الطبيب للمرأة : لقد رزقت صبيّا" .

وولد جوهان , فأطلق عليه إسم آخر . وكان إحتفاء كبير به , ذلك أنّ ولادة صبيّ هو أبدا" موضع إحتفاء .

أعدّه والداه الثريّان لغد باهر ووظيفة مرموقة كيما يتيه بشهرته وحظوته . لكنّه خذّلهما , وتخلّى عن كلّ شيء ليتبع " معلّمه" ألآتي من عالم آخر , ويساعده في إداء رسالته .

قاسى شتى صنوف الحرمان والإحتقار والشقاء لينصر الرسالة الموكولة إليه , ومات من أجلها .

قال الموت لجوهان : ها أنت ثانية في مركبة الموت . فهيّا , يا جوهان , هيّا لأمضي بك , هذه المرّة , صوب النور الأبديّ . رجال أللّه العظام مجتمعون في ذلك الفردوس .

وإذا بنجمة متألّقة تشرع أبوابها , فيلج جوهان عالمه الجديد , ويلتقي الرسل السماويين الذين قضوا في سبيل عقيدتهم المقدّسة . لقد جمعتهم شجاعتهم وجرأتهم في وطنهم الحقيقيّ .

كان فيهم إبراهيم وموسى ونوح وسقراط ويسوع ومحمّد وبوذا وغاندي , فضلا" عن تلاميذهم , فأحيوا جميعا" عيدا" ترحيبيا" بعودة جوهان الى " حظيرته " وسكب الملائكة الإكسير في أكواب نورانيّة , وتلت الأناشيد الأناشيد .

وفي البعيد نشرت النجوم أنوارها المتألّقة في محيط أللآنهاية . وها هوذا الهادي الحبيب في مركبة مجنّحة يهتف معلنا" إنتصاره وفي يده سيفه السحريّ . لقد أنقذ من الظلمة والخطأة , فإذا بهم المختارون .

 

النشيد الأخير

أنشدي , أيّتها السماء , أنشدي .

حاضر هو أللّــه القديـــر ,

فلا يستطيع أحد عصيان إرادته المقدّسة .

إنتصاره أبديّ ,

والويل لمن يخالف نواميسه ,

الويل , ثمّ الويل ....

أسكبي نغماتك القدسيّة شلاّلات ,

أيّتها الأناشيد ,

وأيقظي النفوس الهاجعة بألحانك السماويّة المفعمة بالنور .

هوذا الهادي الحبيب , كوكب الصباح ,

يعود الى سمائه

مسربلا" بمجدّه الأبديّ . *

 

 

 

 

Developed by WARM Studios        Copyright 2017 This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.nfo All Right Reseved This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.