أنا أؤمن بأنه توجـد عدالة سماويّة, وأن جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدنيا من مُنغصات انَّ هـو الاّ جـزاءٌ وفاق لِما أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور.ولهـذا يجب علينا أن نستقبلَ كلّ مـا يحـلّ بنـا من آلامِ الحياةِ ومآسيها غير مُتبرّمين ولا متذمّرين , بل قانعين بعدالةِ السماء ونُظمها السامية.

Highlighter
أحبُّ الكُتُبَ حبَّ السُكارى للخمر , لكنَّني كلَّما أزددتُ منها شرباً, زادتني صَحوا
ليس مّنْ يكتُبُ للهو كمَن يكتُبُ للحقيقة
الجمالُ والعفّــة فـردوسٌ سماويّ .
لا معنى لحياةِ ألأنسان اذا لم يقم بعملٍ انسانيٍّ جليل .
اعمل الخير , وأعضد المساكين , تحصل على السعادة .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقـوم بأعمالِ الخير نحـو ألأنسانيّة .
الموتُ يقظةٌ جميلة ينشُدها كل مَنْ صَفَتْ نفسه وطَهرت روحه , ويخافها كلّ من ثقُلت أفكاره وزادت أوزاره .
ان أجسامنا الماديّة ستمتدّ اليها يـد ألأقـدار فتحطِّمها , ثمّ تعمل فيها أنامل الدهـر فتتَّغير معالمها , وتجعلها مهزلةً مرذولة . أمّا ألأعمال الصالحة وألأتجاهات النبيلة السّامية , فهي هي التي يتنسَّم ملائكة اللّه عبيرها الخالد .
نأتي إلى هذا العالمِ باكين مُعولين، و نغادره باكين مُعولين! فواهً لك يا عالمَ البكاء والعويل!
جميعنا مُغترٌّ مخدوعٌ ببعضه البعض.
العدلُ كلمة خُرافية مُضحكة.
أمجادُ هذا العالم وهمٌ باطل، و لونٌ حائل، و ظلٌّ زائل.
لا باركَ الله في تلك الساعة التي فتحتُ فيها عينيّ فإذا بي في مكانٍ يطلقون عليه اسم العالم .
أنا غريبٌ في هذا العالم، و كم احنُّ إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.
الحياةُ سفينةٌ عظيمة رائعة تمخرُ في بحرٍ، ماؤه الآثام البشريَّة الطافحة، و امواجه شهواتهم البهيميَّة الطامحة، و شطآنه نهايتهم المؤلمة الصادعة.
كلّنا ذلك الذئبُ المُفترس , يردع غيره عن اتيانِ الموبقاتِ وهو زعيمها وحامل لوائها , المُقوّض لصروح الفضيلة , ورافع أساس بناءِ الرذيلة .
الحياةُ سلسلة اضطراباتٍ وأهوال , والمرءُ يتقلَّب في أعماقها , حتى يأتيه داعي الموت, فيذهب الى المجهولِ الرهيب , وهو يجهلُ موته , كما كان يجهلُ حياته .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقومَ بأعمالِ الخير نحو الانسانيّة .
المالُ ميزان الشرِّ في هذا العالم .
السعادةُ ليست في المال , ولكن في هدوءِ البال .
كلُّ شيءٍ عظيمٍ في النفسِ العظيمة , أمّا في النفسِ الحقيرة فكلُّ شيءٍ حقير .
الرُّوح نسمةٌ يُرسلها الخالق لخلائقه لأجل , ثم تعودُ اليه بعجل .
الرُّوح نفثةٌ الهيَّة تحتلُّ الخلائق , وكل منها للعودة الى خالقها تائق .
الرُّوح سرٌّ الهيٌّ موصَدْ لا يعرفه الاّ خالق الأرواح بارادته , فمنه أتتْ واليه تعود .
أنا أؤمن بأنه توجـد عدالةٌ سماويّة , وأنَّ جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدُّنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدارٍ انَّ هـو الاَّ جـزاء وفاق لمِا أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور . ولهـذا يجب علينا أن نستقبل كلَّ مـا يحـلُّ بنـا من آلام الحياة ومآسيها غير م
الحرّيةُ منحة من السماءِ لأبناءِ ألأرض .
الموتُ ملاكُ رحمةٍ سماويّ يعطف على البشر المُتألّمين , وبلمسةٍ سحريّة من أنامله اللطيفة يُنيلهم الهناء العلويّ .
ما أنقى من يتغلّب على ميولِ جسده الوضيع الفاني , ويتبع ما تُريده الرُّوح النقيّة .
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
الراحة التامّة مفقودة في هذا العالم , وكيفما بحثت عنها فأنت عائدٌ منها بصفقةِ الخاسر المَغبون .
ليس أللّــه مع الظالم بل مع الحقّ.
ان الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الكاذب.
ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين وغوث الملهوفين والحنو على القانطين , وما أقلَّ تنفيذهم القول.
يظنُّ بعض ألأنذال ألأدنياء أنّهم يُبيّضون صحائفهم بتسويدِ صحائف الأبرياء , غير عالمين بأنَّ الدوائر ستدور عليهم وتُشهّرهم.
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السَّلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
رهبة المجهول شقاء للبشرِ الجاهلين للأسرارِ الروحيَّة , وسعادة للذين تكشّفت لهم الحقائق السماويَّة .
الموتُ نهاية كل حيّ , ولكنه فترة انتقال : امّا الى نعيم , وامّا الى جحيم .
الحياةُ خير معلِّمٍ ومُؤدِّب , وخيرَ واقٍ للمرءِ من الأنزلاقِ الى مهاوي الحضيض .
حين تشكُّ بأقربِ المُقرَّبين اليك تبدأ في فهمِ حقائق هذا الكون .
مَنْ يكون ذلك القدّيس الذي لم تخطرُ المرأة في باله ؟ لو وجدَ هذا لشبَّهته بالآلهة .
المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السُّلطان. و هي تحملُ بيدها سيفاً قاطعاً لو حاولَ رجالُ الأرض قاطبةً انتزاعه منها لباؤوا بالفشلِ و الخذلان .

دأب الشاعر حليم دمُّوس

دأب الشاعر حليم دمُّوس على تأريخ الوقائع الداهشية منذ اليوم الأول لاعتناقه العقيدة الجديدة. وقد لازم مؤسسها الدكتور داهش ملازمةً تامةً حميمةً حتى اليوم الأخير من حياته، الأمر الذي أتاح له التعرف على كثير من الحقائق الداهشية والإلمام بدقائق الأمور، فتطوع، عل حد قوله، لنشرها "كي يتعظ بها كلُّ إنسان، ويعود إلى الطرُق العادلة النيرة التي يرغبها الله، والتي فيها وجدنا الدواء الناجع لأمراض هذا المجتمع الإنساني، والسبيل الأوحد للخلاص الأبدي". 1 وقد تناول حليم دمُّوس التعاليم الداهشية في أكثر من مجلَّة وصحيفة، نقتطف منها الفصلين الآتيين نشرهما في مجلة "الدبُّور" اللبنانية.

الروحُ والسيالات

الحلقة 61، مجلة "الدبُّور"، 20 حزيران 1949

الروح والجسد في عراكٍ دائم.

هذا ما علمناه من الدكتور داهش في جلساته الروحية.

وكانت الروح القدسية التي كانت تحتلُّه في تلك الأثناء تأتي وتكشف لنا النقاب عن أسرار هذا الوجود.

وقد فهمنا أن في كل دين من أديان الأرض قبسًا من الحقائق الإلهية، وأنَّ هذه الأديان كالأجناس والألوان البشرية متصلةٌ ببعضها بعضًا، متممةٌ لبعضها بعضًا.

فمن الدين الأول البدائي إلى الأديان السامية حلقة من التعاليم التي تزداد رقيًّا وروحانية كلما ازدادت البشرية أو كلما ازدادت فئةٌ منها رقيًّا واستعدادًا لتقبُّل الحقائق الخالدة. مثلاً:

إنَّ رجُل الغابات لا يمكنه – بالنسبة لتطوُّره الروحيّ – أن يتقبَّل تعاليم المسيح، له المجد. فرجُل الغابات الخارج من الحيوانيَّة هو بميوله وغرائزه – وهذه كلها سيَّالات روحيَّة مسؤولة – قريب كلَّ القرب من الأرض والمادَّة، بعيد كلَّ البعد عن السماء والروح.

ورجُل الغابات هذا قد تناسلَ، فإذ بسيَّالاته تنتشر في أجسام جديدة. وتتبع هذه

------------------------------------------------

1-      حليم دمُّوس، مقال بعنوان "أغرب الأسرار الداهشية"، مجلة "الدبور"، 20 حزيران 1949.

------------------------------------

السيَّالاتُ تطورات العصور والدهور. ويأتي الأنبياء والمرسلون ويشيدون الأديان بموجب خطة مرسومة منذ الأزل من العناية الإلهية الضابطة لكل شيء. فرجُل الغابات هذا، أو مَن تناسلَ منه – وهو سيَّالٌ منه – ينال نصيبًا من التفهُّم والرقيِّ الروحيِّ بصورةٍ تدريجية.

الروح البشرية

وقد علمنا أمرًا مهمًا جدًا، وهو أن الروح لا تتمركز في الجسم، بل هي في مكانها العُلويّ. ومن ذلك المركز تسيِّرُ الروحُ الجسدّ أو الأجساد المتعلقة بها.

أمَّا في هذا الجسد فلا يوجد إلا نفسٌ للحياة أو سيالاتٌ مختلفةٌ نشعرُ بها في ميولنا. فالبُخلُ سيَّالٌ درَّاكٌ مسؤولٌ: وهكذا الكرم. والظلم سيَّالٌ درَّاكٌ مسؤولٌ؛ وهكذا العدل؛ والكسل والنشاط، والبُغض والحُبُّ، والشراهة والاعتدال، والطمع والقناعة، وهكذا قُلْ عن بقية النزعات والنزوات التي يشعرُ بها كلُّ إنسان...

          والحرب مشتعلة بين الحسن والقبيح، أي بين الخير والشرير. ومصير الروح متعلق بنتيجة معركة سيالاتها الأرضية. فإما أن تتغلب السيالات الطيبة على السيالات الشريرة، فترتقي الروح وترتفع في سلم السماوات. وإما أن تتغلب السيالات الشريرة على السيالات الطيبة، فتتدنى الروح وتهبط إلى الدركات السفلية.

          وعلمنا أيضًا أن هذه الأرض قديمة جدًا يعود تاريخ خليقتها إلى 76 مليون من الأعوام. وقد مرَّ عليها 760 دورًا من الأدوار التجديدية، ونحن الآن في دور نوح، أي دور الطوفان.

          وكانت المخلوقات في العصور الأُولى أقلَّ رقيًّا مما هي عليه الآن، أي إن نزعاتها الشريرة كانت هي المتغلبة على النزاعات الطيبة تغلُّبًا تامًّا. وهذا الوضع يتجلى في أشكالها الجسدية إذ كانت تلك الأجساد قبيحة المنظر، مرعبة الهيئات، تحيا طويلاً على الأرض. وكانت في حربٍ دائمة، كالديناسور والأُكتيوزور والجبابرة والماموث إلخ...

          وعلى مرِّ العهود وتوالي الأجيال، وبعد الآلام والمِحَن التي مرت بها الأرض ومَن فيها، ارتقَت تلك السيَّالات نوعًا، فكان من نتيجتها أَنِ ارتقِتِ الأشكال الجسدية التي تأخذها هذه السيالات في عصرنا الحاليّ. ونحن في تقدُّمٍ دائم بفضل التلقيح السماوي الذي يأتينا بصورةٍ مستديمة من السماء، والمتجلي بالأنبياء والمصلحين والهُداة والعُلماء والحكماء الذين يأتون إلى الأرض في كل أُمةٍ من الأُمم وفي كل شعب من الشعوب وفي كل دورٍ من أدوار التاريخ الأرضي، إلى أن يحلَّ ملكوت الله المُتنبأُ عنه والذي سيتمُّ بعد انتصار الخير الساحق على الشرِّ الباطل.

          أمَّا نحن، معشر البَشَر، فعمَّالٌ في هذا العراك الغير المنظور. ومن نتيجة أعمالنا، إمَّا أن يتأخر مجيء ذاك العهد الروحيّ العادل، وإمَّا أن يتقدم أجلُه.

          والقضيّة مهمَّةٌ جدًا بالنسبة إلى كلِّ فردٍ منا، إذ لا يمكننا التملُّصَ من نتائج الأحوال العامة التي يخلقُها في المجتمع انتصار الخير أو انتصار الشرّ. هذه هي مسؤوليتنا الجماعية.

          أما مسؤوليتنا الفردية، فهي تامَّةٌ ثابتة بموجب قوانين غير منظورة نُعطي عنها شرحًا قليلاً فنقول:

          لكلِّ روح سيَّالات. ومن هذه السيالات مَنِ ارتقى إلى السماء وتتجلَّى آثارُه فينا بالنزعات الطيبة.

          ومن هذه السيَّالات أيضًا مَن هو باقٍ على الأرض، وتتجلى آثارُه بنزعاتنا المادية.

          ومن هذه السيالات مَن تدنَّى وعصى فاستحقَّ العقاب والجحيم، وتتجلى آثارُه فينا بالنزعات الشريرة.

          وكلُّ إنسان يشعر بهذه النزعات الثلاث: نزعات طيبة، ونزعات مادية تسمِّرُه في الأرض، ونزعات شريرة تدفع به إلى ارتكاب الشرور.

          أمَّا جسدُنا فهو المستودع وآلة التجربة التي تأتي إليها هذه السيالات لتتجرب وتُمتحن. وظروف الحياة المختلفة التي نمرُّ فيها هي التي تخلقُ ذاك الامتحان.

          فإذا انتصرت سيالاتُ الخير على النزاعات الشريرة في الإنسان، انسحقت تلك السيالات الشريرة، ثم تهذبت وارتقت إلى السماء لتتصل بأخوانها. والعكسُ بالعكس. وهذا يُعطيك فكرةً عن أسباب تنوُّع الناس في نزعاتهم وميولهم.

          فمنهم مَن تُسيطرُ فيهم الميولُ الروحية كغاندي مثلاً أو جبران الخ... وهذا ناتجٌ عن انتصار السيالات الصالحة فيهم على تلك الميول الجسدية والميول الشريرة في محنتهم الأرضية، فأصبحت معظم سيالاتهم أو كليتها صالحة للسماء.

ومن الناس مَن تُسيطرُ فيهم الرغباتُ الأرضية والسيالات الشريرة على السيالات الصالحة، فيتجلى ذلك في اتجاه حياتهم وأعمالهم وأفكارهم، إذ كلُّها تتجه نحو الأرض أو الشرِّ. وكلما ازداد في الإنسان عددُ سيالاته الصالحة، أصبح ميَّالاً للخير أكثر فأكثر.

وكلما ازداد فيه عددُ السيالات الشريرة، أصبح ميَّالاً للشر أكثر فأكثر. وهذا هو سببُ تنوع الناس في نزعاتهم.

          وعندما تنطلقُ هذه السيالات من الجسم بواسطة الموت، ترى في لحظةٍ واحدةٍ نتيجة تصرفها في المدة التي أعطيت لها كي تتجرب على الأرض. فإما صعودٌ وهناء، وإما هبوطً وشقاء.

                                                ***

النظام الروحيُّ والمسؤولية الخُلُقيَّة

الحلقة 62، مجلة "الدبور"، 4 تموز 1949

أما اختلاف الأديان والألوان البشرية فهو ناتج عن اختلاف هذه السيالات وما يخلقُه هذا الاختلاف من أهليات واستحقاقات في المرء.

          فمن الأديان مثلاً ما هو قريب إلى المادة، وهو صالحٌ لفئةٍ من الناس. ومن الأديان ما هو في نصف الطريق بين المادة والروح، وهو صالحٌ لفئةٍ أخرى من الناس. ومن الأديان ما هو روحيٌّ محضٌّ، وهو صالحٌ لفئةٍ أُخرى من الناس.

          ولكن جميع هذه الأديان ضروريَّة تُتمِّمُ بعضها بعضًا، ويتدرَّجُ فيها البشر على مرِّ العصور، فيأتي كل امرئٍ في اللون والدين الذي يستحقه يتقبله ويستطيع أن يسير بموجب تعاليمه، إذ إنَّ رحمةَ الله وعدالته تغمُران الكائنات بأسرها ولا تستثنيان أحدًا على الإطلاق.

          ولكل دورٍ من أدوار الأرض يومُ حساب. ففي ذلك اليوم الرهيب تتلاشى المادة وتضمحلُّ العناصر وتبقى الأرواح ماثلةً أمام الديَّان. فمنها مَن فاز وانتصر، فجنى ثمارَ أعماله بانتقاله إلى عوالم سعيدة. ومنها مَن شطَّ واندحر، فهبط إلى دركات الشقاء التي استحقَّها فاعلمْ، أيُّها القارئ، أن كل فِكر وكلَّ عَمَلٍ وكلَّ قولٍ تقومُ به في يومك يترتبُ عليه مصير رهيبٌ بنتائجه: فإما مصيرٌ سعيدٌ عظيم، وإما مصيرٌ شقيٌّ ذميم.

فالله الذي خلق لأتفه الموجودات قوانينها وأنظمتها الثابتة.

والله الذي يُثبتُ بإرادته الأنظمة التي تثبتُ الحياة في الأجساد، وتسير كل جزءٍ دقيق من هذه الأجساد اللانهائية العدد،

          إن الله تعالى – جلَّ جلاله وتباركت أسماؤه الحُسنى – قد خلقَ نظامًا دقيقًا جبارًا يُحصي عليك كل عملٍ من أعمالك وكل اتجاهٍ من اتجاهاتك.

          فهنيئًا لك إذ أقلعت عن الشرور وخلعتَ عنك النزوات المادية واتجهت الى الخالدات الباقيات. الويلُ ثمَّ الويلُ لك إذا تمردت على إرادة العادل الديَّان.

          فما هي قيمة الحياة، يا ترى، وهي لمحةٌ قصيرةٌ ومرحلةٌ حقيرةٌ تتلاشى كتلاشي الغيوم والأحلام؟

          وما هي قيمة الحياة إذا قضيناها في كلِّ تافهٍ وضيعٍ، تاركين تلك الغاية العظيمة النبيلة التي أعدتها لنا العناية، ومتمسكين بتلك النفايات الدنيئة والزائلات الدنيوية؟

          فالعمرُ، مهما طال، فهو قصيرٌ كبرقٍ خاطف. والأيام تكُرُ والأعوامُ تمُرُّ، والطفلُ يشُبُّ، والشابُّ يشيب، والموتُ في المرصاد، وعينُ باري الأنام لا تنام.

          فهل نبقى في جهلنا السخيف الأعمى، أم هل نستيقظ إلى معرفة حقيقتنا فنتوب ونثوب ونعود إلى الحظيرة الإلهية ذات الصدر الرحب والأمل العذب والأحلام الهنيئة والحياة السرمدية، فنقضي حياتنا الأرضية بما هو شريف رفيع نبيل، ثم ننتقل إلى مواطن النقاء والصفاء والبهاء المُعدة لكل بطلٍ صنديد قهر الشرَّ وتغلب في أروع معركةٍ يمكن أن يمرَّ بها المرء، ألا وهي معركةُ "الروح والجسد"؟

                   ليس من يقطعُ طُرقًا بطلاً

                                                إنما مَن يتقي الله البطلْ

وليس مَن يتعامى عن حقيقة وجوده وخلوده بالعاقل الحكيم. فالعاقل مَن يتعظُ بحادثات الزمان، وما الرسالةُ الداهشية إلا ذاك الحدث العنيف الحنيف الذي مزَّق الأستار، وكشف الأسرار، ووضع الإنسانية أمام مسؤوليتها. فهنيئًا لمن يتعظ ثم يعظ...

بين أبناء الجسد وأبناء الروح

الصراع العنيف بين الأنظمة المادية والأنظمة الروحية

أيها القارئ العزيز،

لقد لمستَ معي في سلسلة المقالات التي نشرتُها في هذه الصحيفة "الحدث الداهشي" الذي هو أهمُّ الأحداث العالمية في الساعة الحاضرة في نظرِ الروحيين المؤمنين بخلود الروح بعد انعتاقها من هذا الجسد الترابي البالي.

          فما اختراع القنبلة الذرية، وما اكتشاف أشعة جاما، وما اختراع التلفزيون والرادار وسواها من الاختراعات اللحديثة الباهرة التي توصَّل إليها الإنسان إلا أحداثٌ ضئيلةٌ، بل طفيفةٌ تافهةٌ، إذا قيست بذاك الحدث الجليل العظيم الذي يكشف لنا عن الآفاق اللانهائية.

          نعم، إذا فكرت قليلاً فستُضطرُّ للوصول إلى هذه النتيجة مرغمًا خاضعًا خاشعًا أمام الحقيقة الساطعة التي خفيت أسرارُها عن جميع أبناء العصور الخالية لحكمةٍ إلهيةٍ.

          فهذه الاختراعات العصرية الحديثة التي ذكرتُها لك يُمكنها أن تؤثرَ على حياة الإنسان على الأرض وعلى تطوُّره الاجتماعي. ولكنها ليست جوهرية على الإطلاق لأنَّ البشرية قد عاشت بدونها مئات الأجيال وملايين السنين – قبل آدم وبعده – دون أن تشعر بالحاجة إليها وضرورة استعمالها. وفضلاً عن ذلك، يمكننا القول بكل صراحة إن هذه الاختراعات وأمثالها، مهما بلغَت من الخطورة والأهمية، فهي لا تتجاوز نطاق عالمنا الأرضيّ الصغير المحدود، وهي لا تفكُّ لُغزًا ولا تحلُّ طلسمًا واحدًا من أسرار هذا الوجود لأنَّها لا تتناول إلا العلل، ولا يمكنها أن تتوصَّل إلى السبب الجوهري.

          أمَّا الحدث الداهشيُّ فهو يتجاوز محيط هذا العالم البسيط.

          نعم، إنَّه يتجاور عالَم المادة الملموس المنظور ليتناول العالَم الغير المنظور. عالَم الغَيب، عالَم الروح.

          فمنذ أجيال وأجيال واجتهادات البَشَر موجَّهةٌ لتحطيم ذلك الحاجز المنيع الحصين القائم بين الروح والمادَّة.

          ومنذ أجيال وأجيال وهذه الاجتهادات البَشَريَّة مندحرة منكسرة لأنَّه كُتِبَ علينا نحن معشر البَشَر، منذ البداءة وإلى النهاية، أَن لا نمدَّ يَدَنا إلى ما هو فوق الأرض وتحتها. وقد قال اللَّه لأبينا الأول في سفر التكوين: "تسلط على الأرض وعلى حيواناتها وطيورها". ولم يسمحْ للإنسانية أن تتسلط على ما وراء الأرض.

          وإذا برجُل المعجزة يظهرُ.

          وإذا بروائع آياته ينبلجُ فجرُها، ويسطعُ بدرُها.

          وإذا بتلك السدود المنيعة تتحطَّم وتتهدَّم.

          وإذا بنا أمام عوالِم ما وراء الطبيعة ومعرفة قوانينها وأنظمة سكَّانها.

          وكلُّ ذلك بطرُقٍ عمليَّة واقعيَّة مادِّيَّة يخشعُ أمامها المرءُ مَرُوعًا، بل يبتهج لها ويهلل، لأنها فتحٌ جديد لا تُقدَرُ قيمتُه. وسوف يكون له أثرُه المجيد في توجيه الفكر البشريّ عامَّةً نحو الحقائق الروحيَّة، وتغيير كثيرٍ من أنظمة هذه الأرض الجائرة.

          وما مَثَلُ الدكتور داهش ونشأته العجيبةُ الغريبةُ وما تحمَّلَه من اضطهادٍ ومشاقّ، وتعذيب وإرهاق، في سبيل عقيدته السامية المقدَّسة إلاَّ برهانٌ ساطعٌ وبيِّنةٌ دامغة على تجرُّد الغاية ونُبْلِ المقصد وسموِّ الهدف وحرارة الإيمان وطهارة الوجدان.
          فكلُّ مَن يرغبُ في الأرضيَّات يتذلّلُ ويتزلَّفُ ويراوغُ ويصانعُ ويتوصَّلُ إلى أهدافه بالطُرُقِ الثعلبانية المألوفة المعروفة عند أبناء هذه الأرض من سياسيين واقتصاديين وغيرهم من رجال دنيا ودين.

          أمَّا رجُلُ العقيدة الراسخة، أمَّا رجُلُ الإيمان بالله، أمَّا رجُلُ الإيمان بالحقِّ الخالد والعدالة السرمديَّة والقيَم الروحيَّة المقدسة، فهذا الرجُلُ الجبَّار لا ولن يلتوي، ولا ينحني، ولا يُراوغ، بل يصمدُ في وجه أعدائه إلى أن ينصره الله وتسطع حقيقتُه الباهرةُ أمام الملإ.

Developed by WARM Studios        Copyright 2017 This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.nfo All Right Reseved This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.