أنا أؤمن بأنه توجـد عدالة سماويّة, وأن جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدنيا من مُنغصات انَّ هـو الاّ جـزاءٌ وفاق لِما أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور.ولهـذا يجب علينا أن نستقبلَ كلّ مـا يحـلّ بنـا من آلامِ الحياةِ ومآسيها غير مُتبرّمين ولا متذمّرين , بل قانعين بعدالةِ السماء ونُظمها السامية.

Highlighter
أحبُّ الكُتُبَ حبَّ السُكارى للخمر , لكنَّني كلَّما أزددتُ منها شرباً, زادتني صَحوا
ليس مّنْ يكتُبُ للهو كمَن يكتُبُ للحقيقة
الجمالُ والعفّــة فـردوسٌ سماويّ .
لا معنى لحياةِ ألأنسان اذا لم يقم بعملٍ انسانيٍّ جليل .
اعمل الخير , وأعضد المساكين , تحصل على السعادة .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقـوم بأعمالِ الخير نحـو ألأنسانيّة .
الموتُ يقظةٌ جميلة ينشُدها كل مَنْ صَفَتْ نفسه وطَهرت روحه , ويخافها كلّ من ثقُلت أفكاره وزادت أوزاره .
ان أجسامنا الماديّة ستمتدّ اليها يـد ألأقـدار فتحطِّمها , ثمّ تعمل فيها أنامل الدهـر فتتَّغير معالمها , وتجعلها مهزلةً مرذولة . أمّا ألأعمال الصالحة وألأتجاهات النبيلة السّامية , فهي هي التي يتنسَّم ملائكة اللّه عبيرها الخالد .
نأتي إلى هذا العالمِ باكين مُعولين، و نغادره باكين مُعولين! فواهً لك يا عالمَ البكاء والعويل!
جميعنا مُغترٌّ مخدوعٌ ببعضه البعض.
العدلُ كلمة خُرافية مُضحكة.
أمجادُ هذا العالم وهمٌ باطل، و لونٌ حائل، و ظلٌّ زائل.
لا باركَ الله في تلك الساعة التي فتحتُ فيها عينيّ فإذا بي في مكانٍ يطلقون عليه اسم العالم .
أنا غريبٌ في هذا العالم، و كم احنُّ إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.
الحياةُ سفينةٌ عظيمة رائعة تمخرُ في بحرٍ، ماؤه الآثام البشريَّة الطافحة، و امواجه شهواتهم البهيميَّة الطامحة، و شطآنه نهايتهم المؤلمة الصادعة.
كلّنا ذلك الذئبُ المُفترس , يردع غيره عن اتيانِ الموبقاتِ وهو زعيمها وحامل لوائها , المُقوّض لصروح الفضيلة , ورافع أساس بناءِ الرذيلة .
الحياةُ سلسلة اضطراباتٍ وأهوال , والمرءُ يتقلَّب في أعماقها , حتى يأتيه داعي الموت, فيذهب الى المجهولِ الرهيب , وهو يجهلُ موته , كما كان يجهلُ حياته .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقومَ بأعمالِ الخير نحو الانسانيّة .
المالُ ميزان الشرِّ في هذا العالم .
السعادةُ ليست في المال , ولكن في هدوءِ البال .
كلُّ شيءٍ عظيمٍ في النفسِ العظيمة , أمّا في النفسِ الحقيرة فكلُّ شيءٍ حقير .
الرُّوح نسمةٌ يُرسلها الخالق لخلائقه لأجل , ثم تعودُ اليه بعجل .
الرُّوح نفثةٌ الهيَّة تحتلُّ الخلائق , وكل منها للعودة الى خالقها تائق .
الرُّوح سرٌّ الهيٌّ موصَدْ لا يعرفه الاّ خالق الأرواح بارادته , فمنه أتتْ واليه تعود .
أنا أؤمن بأنه توجـد عدالةٌ سماويّة , وأنَّ جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدُّنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدارٍ انَّ هـو الاَّ جـزاء وفاق لمِا أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور . ولهـذا يجب علينا أن نستقبل كلَّ مـا يحـلُّ بنـا من آلام الحياة ومآسيها غير م
الحرّيةُ منحة من السماءِ لأبناءِ ألأرض .
الموتُ ملاكُ رحمةٍ سماويّ يعطف على البشر المُتألّمين , وبلمسةٍ سحريّة من أنامله اللطيفة يُنيلهم الهناء العلويّ .
ما أنقى من يتغلّب على ميولِ جسده الوضيع الفاني , ويتبع ما تُريده الرُّوح النقيّة .
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
الراحة التامّة مفقودة في هذا العالم , وكيفما بحثت عنها فأنت عائدٌ منها بصفقةِ الخاسر المَغبون .
ليس أللّــه مع الظالم بل مع الحقّ.
ان الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الكاذب.
ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين وغوث الملهوفين والحنو على القانطين , وما أقلَّ تنفيذهم القول.
يظنُّ بعض ألأنذال ألأدنياء أنّهم يُبيّضون صحائفهم بتسويدِ صحائف الأبرياء , غير عالمين بأنَّ الدوائر ستدور عليهم وتُشهّرهم.
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السَّلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
رهبة المجهول شقاء للبشرِ الجاهلين للأسرارِ الروحيَّة , وسعادة للذين تكشّفت لهم الحقائق السماويَّة .
الموتُ نهاية كل حيّ , ولكنه فترة انتقال : امّا الى نعيم , وامّا الى جحيم .
الحياةُ خير معلِّمٍ ومُؤدِّب , وخيرَ واقٍ للمرءِ من الأنزلاقِ الى مهاوي الحضيض .
حين تشكُّ بأقربِ المُقرَّبين اليك تبدأ في فهمِ حقائق هذا الكون .
مَنْ يكون ذلك القدّيس الذي لم تخطرُ المرأة في باله ؟ لو وجدَ هذا لشبَّهته بالآلهة .
المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السُّلطان. و هي تحملُ بيدها سيفاً قاطعاً لو حاولَ رجالُ الأرض قاطبةً انتزاعه منها لباؤوا بالفشلِ و الخذلان .

الأستاذ عبد القادر الحصني

شاعر سوريٌّ. عمل في الصحافة الأدبية محررًا في مجلة "الثقافة" السورية. رأس تحرير جريدة "الأسبوع الأدبي" الصادرة عن "اتحاد الكتاب العرب" في سورية. وهو حاليًا مديرٌ لتحرير مجلة "الموقف الأدبي" وعضوُ المكتب التنفيذي في "اتحاد الكتاب العرب" في سورية. شارك في عدة مؤتمراتٍ أدبية ومهرجاناتٍ شعرية في داخل الوطن العربي وخارجه. مما صدر له: "ماء الياقوت" (مجموعة شعرية 1993)، "الشجرة وعشق آخر" (مجموعة شعرية 2000)، "سرُّ المدينة النائمة" (مجموعة قصصية للأطفال 1985)، "أوقفني الورق وقال لي" (مقالات 2005).

في الطريق إلى ينابيع الداهشية

صرحٌ وعواصف

حين هممتُ بمقاربة عالَمِ الدكتور داهش في حياته ورؤياه وإبداعِه وجدتُني أمام صرح باذخٍ لعطاءِ رجلٍ استثنائيٍّ ومختلف... صرحٍ له أبراجُه العالية، وبواباتُه الفارهة المشرعة، ورحباتُه اللامتناهية.

          على جنبات هذا الصرح تتلاطمُ الأحداث، فتضطرب، وتضطرم، وتتكسَّرُ دون النيل من قواعده الراسخة.

          وبأسواره تعصفُ الريح العاتية فلا تزيد على أن تؤرجحَ قناديلَه، فتنسكبُ أنوارُها على نحوٍ يجعل معالِمَ ذلك الصرح أكثر بهاءً وسطوعًا وائتلافًا، ثم لا تجد تلك الريحُ بدًّا من أن يمارسَ حقدها الغيبة والنميمة، وربما التشهير والافتراء، فتبوح مضطرة بما حملته من شذا الورد وتغريد البلابل وشقشقةِ العصافير وسجع الحمام. فهي عندما عصفت، عصفَت بما انداح في أرجاءِ ذلك الصرح من حدائق غنَّاء وجنَّاتٍ شهاء وينابيع تمزجُ النماءَ بموسيقا الماء، فيذكرنا مُجتنى تلك الجناية بقول أبي الطيب المتنبي، أولاً:

ربَّ أَمرٍ أتاكَ لا تَحمَدُ الفعـــــــــــــــــال               فيـــــــــــــــــــه، وتحمَـــــــــــــــــــدُ الأَفعـــــــــــــــــــــــــالا

وبقول أبي تمام ثانيًا:

وإذا أراد الله نشـــــــــــــــر فضيلــــــــــــــــــــةٍ                طُويَت، أتاح لهـــــــــــــا لسانَ حَسودِ

لولا اشتعالُ النارِ في ما جاورَتْ                 ما كان يُعرَفُ طِيبُ عَرْفِ العودِ

تعرُّفاتُ أُولى

تعرَّفتُ، أوَّلَ ما تعرَّفتُ، إلى الدكتور داهش في ذلك اللقاء الروحيِّ العالي الذي ضمَّني والصديق الشاعر علي محمود جمعة، حين زرتُه في بيته بـ"علي النهري" في لبنان، 2008، ففتحَ لي نافذةً على الدكتور داهش، بل قل: وضعني على مطلةٍ استشرفتُ منها آفاقاً حافلةً بما هو إنسانيٌّ ووجوديٌّ وكونيّ، حين استرسلَ في تأمُّلاته، واستفاضَ بالإفصاح عن مكنوناتِ نفسه، نثرًا وشعرًا وحديثًا عذبًا وبسيطًا وعميقًا، وعزا كلَّ ذلك إلى ما تشبعت به روحُه من فلسفة الدكتور داهش وتعاليمه ورؤياه، في الحياة وما وراءَ الحياة، ثمَّ وضع بين يديَّ ما تيسَّر له آنذاك من نصوصِ الدكتور داهش وفنِّه، لتبدأ بعد ذلك رحلتي مع ذلك الرجل الاستثناء، سفرًا في أسفاره، و"كلُّ سَفَرٍ لا يُسفِر لا يعوَّلُ عليه،" 1 على حدِّ قول ابن عربيّ، فأسفرَ ذلك السفرُ عن حبٍّ وإيمانٍ وشمسٍ لها مشرقٌ وليس لها مغرب.

          وتعرَّفتُ إلى الدكتور داهش في ما كتبَه مريدوه وحَواريّوه ودارِسوه، شهادةً، وتأريخًا، وتحليلاً، فتعرفت إلى كواكب متألقة في فضاء الداهشية الرحب: يوسف الحاج، ماري حدّاد، حليم دمُّوس، جورج حدّاد، جورج خبصا، فريد أبو سليمان، عبد الله العلايلي، إسكندر شاهين، وآخرين.

          وتعرَّفتُ إليه أيضًا في ما افتَراه خصومُه، ولفَّقه حاسِدوه، وشنَّع به المرجفون عليه والمتآمرون على أفكارِه وحياته ممَّن يترفَّعُ القلمُ عن أن يسوِّد وجهَ الورقِ بأسمائهم، فكان هؤلاء أيضًا بمثابةِ الليلِ الذي أحاطَ سوادُه بنورِ الفجر، فبدا النورُ أبهى وأكمَلَ وأجمل. "النورُ يضيءُ في الظلمةُ لم تدركه"2.

--------------------------------------------

1 ابن عربي: "الرسائل"، رسالة لا يعوّل عليه (دار صادر، ط1، بيروت 1997) ص 248.

2 إنجيل يوحنا 1/5.

--------------------------------------------

مَدينٌ أنا، إذًا، لكلِّ هؤلاء بتعرُّفي إلى الدكتور داهش.

وها أنذا أتطلَّع إلى أن أخطَّ ما يُمليه عليَّ ذلك التعرُّف، فإذا لم يؤْتَ أحدُنا أن يكون هون النورَ، فليكن شاهدًا له.1

من أين أبدأ؟

هل أبدأُ من معجزاته وخوارقه؟

لا... فما أظنُّ المعجزاتِ والخوارقَ إلاَّ لمَن تطلَّبوا شهادةً من كثافة المادَّة على رهافةِ الروح، ومن مبنى الكلمة على معناها. أولئك يذهبون إلى الهيكل ليتعرفوا إلى الربّ، أمَّا الذين عرفوه، فيذهبون إلى الهيكل لأنَّ الهيكلَ مُعرَّفٌ به. وقد لا يذهبون إذا اكتشفوا أن الربَّ فيهم، وأنَّهم هيكلُه.

          سمعان وأخوه أندراوس، ويعقوب بن زبدى وأخوه يوحنا لم يتركوا شباكهم ويتبعوا المسيح لأنهم رأوا معجزاته، بل لأن الرب قال لهم اتبعوني.

          أبو بكر الصديق رضي الله لم يتلق معجزةَ الإسراء والمعراج كآيةٍ، تزيده إيمانًا بمحمد (ص)، بل اتخذ من قول محمد (ص) آيةً على صدق وقوعها.

          وبعد ذلك ما أكثر الممارين بالمعجزات، والجاحدين لها، والمشككين فيها!

          فهي مرهونةٌ بزمنها، ومقصورةٌ على مَن عاينها، ومحتاجةٌ إلى صدق مَن ينقل خبرَها... ثم شتان بين مَن وقفَ تصديقُه على ما رأت عيناه، أو عندما رأت، وبين من أناطَ تصديقه بما رأى قلبُه. فرؤيةُ العينِ للبصر، وتكتفي بمفعول واحد، في ما يرى النحويُّون، أما رؤيةُ القلب فهي للبصيرة، وتتعدَّى إلى غير مفعولٍ من المفعولات... ولها الرؤيا أيضًا.

          وإذا كانت المعجزاتُ والخوارق عُرضةً لمحاولات الدحض، وفيها فسحةٌ لمَن يُثيرُ اللُّبسَ، ومَدعاةً للمنازلة: (وإن كنتم في ريبٍ مما نزّلنا على عبدنا، فأتوا بسورة من مثله، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين،)2 فإن رؤية القلب لا تقع في إطار هذا الأخذ والردّ: (ما كذب الفؤاد ما رأى* أفتمارونه على ما يرى. )3

1 إنجيل يوحنا 1/8 "لم يكن هو النور بل كان ليشهدَ للنور".

2 القرآن الكريم، البقرة/ 23.

3 القرآن الكريم، النجم/ 11 -12.

--------------------------------------------

هل أبدأ من معاناتهِ وعذاباته؟

لا... فالمعاناة والعذابات إنما هي معالِمُ لا بدَّ منها ف مسيرة كل نبيٍّ ووليٍ ومصلح، بل هي معالمُ في سيرةِ كل من نبذ الباطل وأرادَ الحق على هذه الأرض. قال محمد رسول الله (ص): "أشدّ الناس بلاءً: الأنبياء ثم الصالحون".

                وقال: "أشد الناسِ بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل..."2

          وها هي ذي معاناةُ الأنبياء والأولياء الصالحين وعذاباتُهم مسطورةٌ في كتب الأولين والآخرين، شاهدةً على ما لا قوه من عنَتٍ وظلمٍ واضطهاد وألونِ قَتْل:

          أُضرمَت النارُ لإبراهيم عليه السلام.

          ونُفي إسماعيلُ عليه السلام إلى أرضٍ قفرٍ لا ماءَ فيها ولا زرع.

          وابيضَّت عينا يعقوب عليه السلام من الحزن.

          ورُميَ يوسفُ عليه السلام في البئر، ومكثّ سنين في السجن.

          وحُملَ رأسُ النبيّ يوحنَّا على طبق.

          "والنبيُّ زكريا عليه السلام ذُبح ذبحًا أو نُشر بالمناشير."3

          وحَملَ المسيحُ صليبَه إلى الجلجلة.

          ولاقى ما لاقى محمَّد (ص) من أهله وقبيلته، وهُجِّر، وأتهم بالسحرِ والشعوذة والجنون.

          ولاقى ما لاقى الأنبياءُ القديسون والأولياءُ الصالحون والمُصلحون:

          قُتلَ عمر وعثمان وعليّ، رضي الله عنهم، وصُلب الحلاَّج، وسُلخَ جلد النسيمي، وقُتل السهرورديّ صبرًا، ورُميّ القديسون في النار وإلى الوحوش المفترسة، وتجرَّع سقراط السُمَّ... وقُتلَ غاندي.

          فلماذا لا يعاني ما عاناه الدكتور داهش؟!

          "بل كيف لا يكون غريبًا عن البشر مَن كانت ميولُه غير ميولِهم، واتجاهاتُه غير

---------------------------------------------

"نوادر الأصول" 14 – 20

2 من حديثٍ ذكره المتقي الهندي في "كنز العمال" ج3/ ص 3329 وعَزاه لابن حيان من حديث أبي سعيد الخدريَّ.

3 "نوادر الأصول"، ص 717.

---------------------------------------------

اتجاهاتهم، ومذهبُه غير مذاهبهم، وحنينُه غير حنينهم، ومطامحُه غير مطامِحهم، وصلاتُه غير صلاتِهم؟!

"وكيف يأتلفُ السَّاعون للنساءِ والخمر والجاهِ والمال، والنفوذِ والسلطان والحياة، والساعي مدى العمرِ للَّه والسماء، والحقِّ والمعرفة، والعدالةِ والمجهول، وللاندماجِ بالقوة الموجدة؟!"1

حُقَّ عليكَ العناء

أجل. إنَّه العناء.

وإنَّ الحقَّ والباطل لا يأتلِفان

بل دعني أقول في حضرة روحِك النبيلة، أيُّها الدكتور داهش: لقد حُقَّ عليك العناء.

أنتَ يا مَن تأمَّلت وجودَك بين الموجودات، لتجيبَ عن السؤال الكبير: "أنا مَن أنا؟ ومَن كنتُ في غابر الأزمان؟"2

          فكان أن طوَّفتَ في رحابات عوالم وجودِك في قطرةِ الماء وحبَّةِ الرمل وزهرةِ البَيلسان وشجرةِ التفَّاح والخمرةِ المعتَّقة والعصفورِ الغرِّيد والنَّهرِ المتدفِّق والصخورِ الصَّماء... وفي النجم والسماء والملاك والشيطان والنحلة والفراشة والبنفسجةِ والنرجسة والنسر والسلحفاة والدوحة الغنَّاء... وفي العقرب والزجاج والقاتل واللصِّ والمدينة والمنارة والريشة والجبَّار العنيد والقديس المُستنير بهدي السماء...

          وكان أن وضعتنا بصدقِ تجربتك وما اعتراها من شوقٍ وحنين وحيرةٍ ورجاء على شُرفةٍ مأنوسة، فيها ما فيها من العَزاء، على الرغم من آلامِ الحياة وما فيها من شقاء، لنتطلع من مكاننا، أيًّا كان هذا المكان، إلى لا نهائية ما كان، ولا نهائية ما يكون، ولنُصغي لصرختِكَ المُفعمةِ بالألَم والرُؤيا العميقةِ والمتشحةِ بالنُّور والأسَى الشفيف. نُصغي إلى السؤال الذي تستحقُّ إنسانيَّةُ وجودنا وما نعانيه في هذا الوجود أن نُجيب عنه:

          "أمْ كنتُ عدمًا رهيبًا فوهبَني اللَّه كياني؟

--------------------------------------------

الدكتور داهش: "ابتهالات خشوعية" (دار النار والنور للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 1983)، ص 15 – 16

2 الدكتور داهش: "قيثارة أورفيوس" (دار النسر المحلَّق للطباعة والنشر، بيروت 1984)، ص 119.

---------------------------------------------

وَيحَ قلبي!... أين أصبحتُ الآن، وأين محطُّ أمانيّ؟

نعم، أنا مَن، ومن كنتُ، واليوم هذا مكاني".1

سلامُه علينا

تُرى إلى كَم من العناءِ كانت منذورةً هذه الروح؟!

وكم من المكابدة كان لا بدَّ أن يكابدَ من حملَ اللانهايةَ إلى المركوسين في حمأةِ ماديتَّهم المُستَسلمين لصغائر أقفاصهم وقيودهم وأغلالهم، وما يستتبعُها من أحقادهم وضغائنهم ومكائدهم له ولمَن آمن بحكمته! فَلندَعْ آلامَه وعذاباته، مُكبِّرين، مُقدِّرين؛ فقد كان جديرًا بها، شأنه في ذلك شأن كلِّ عظيم مرَّ بهذا الكوكب، ولنتلقّ سلامَه علينا:

          " سلامٌ على مَن اضطُهدوا وعُذبوا في سبيل عقيدتهم الثابتة الحقة!

          سلامٌ على مَن ذاقوا الهوان، وشربوا كأسَه المريرةَ حتى ثمالتها!

          سلامٌ على أرواحنم السعيدة من الأزل إلى الأبد!

          سلامٌ أنثرُه على هذا الطرس

          من قلبٍ كسيرٍ خافقٍ، حزينٍ مكلومٍ ممزّق"2

          ولنتطلع إلى خلاصِنا وسلامنا الأبدي في العالَم الأسمى، فمملكةُ المسيح، عليه السلام، لم تكن من هذا العالَم، ومملكةُ الدكتور داهش التي يبثُّها حنينَه، ويرسلُ إليها سلامَه ليست من هذا العالَم أيضًا:

          "سلامٌ على عالَم غيرِ عالَمنا الماديِّ المَرذول!

          سلامٌ عَبِقٌ فوَّاحٌ عطريٌّ، لا ماديٌّ موبوءٌ قَذِر!

          سلامٌ أبديٌّ إلى أحكامِه العادلة النافذة!

          سلامٌ من عالَمي الحقيرِ هذا،

          أُرسلُه إلى ذلك العالَمِ العظيمِ السَّامي!"3

          نرفعُ سلامَنا معك، أيُّها المعلِّم بمعاناته وعذاباته، إلى ذلك العالم الحقِّ العدل، إلى ذلك الحُلم الإنسانيّ بمدارجَ للنفس الإنسانية، ترقاها درجة، بالثوب الذي يليقُ بكلِّ درجة، حتى تعودَ إلى الروحِ الكليِّ في براءته ونقائه وصفائه وعليائه، وحتّى تصيرَ الكينونةُ والصيرورةُ واحدًا في الكون والتكوين والكائنات؛ ذلك الحلُمِ المُنقذ من تدلي النفس إلى ما يُسِفّ، وينحطّ، فترسُف في ما لا يُطاق من أثوابِ ماديتها. وقد طالما أمعنتُ النظر في هذه الرحلة، من قبل، فقلتُ في صديقٍ رحل:

"يا راحلاً،

والسنديانُ رفيقُ رحلتهِ الأبيدُ

إنْ رثَّ ثوبٌ

يصطفيكَ لنفسِه ثوبٌ جديدُ

متنزلاً في الخلقِ

حسبُك، لا تُراد ولا تُريدُ

أو صاعدًا درجَ الوجودِ

وفي المدى نجمٌ بعيدُ"1

هذا ما قلتُ من قبل. وقد يكون ما أقوله من بعد شيئًا آخر.

ولكن لا بدَّ من المضيِّ مع الدكتور داهش. فما زلتُ في أوَّل الطريق. وما زلت أتلمَّس من أين أبدأ.

هل أبدأُ ممَّا كُتِبَ عنه؟

لا...

فما كُتِب عنه ليس هو.

ما كُتبَ عنه صورتُه في مرايا الآخرين، وللمرايا طبائعُها وأوضاعُها، تستضيفُ المرئيَّ على النحو الذي تستطيعُه، فتُريكَ ما تُريك.

          صحيحٌ أنَّ بعض هذه المرايا كان صقيلاً ومُستويًا ونقيَّ الجوهر، ولكنَّ بعضَها الآخر لم يكن كذلك، فابدَت تشوُّهَها في ما تراءَى فيها. ولمَّا المرايا/ النفوس غيرَ

---------------------------------------------

1 الحصني، عبد القادر: "ينام في الأيقونة" (دار الكنوز الأدبية، ص 1، بيروت 2000) ص 104.

---------------------------------------------

حيادَّيةٍ، فقد جاء التشويهُ مقصودًا، ومفتعلاً، ومُفترًى في بعض تلك المرايا/ النفوس.

          وأنا لن أخوضَ هنا في تُرَّهات ما صدرَ عنها. فما زلتُ في أوَّل الطريق.

          قلت: فلأبقَ مع صورته في المرايا التي كانت أكثرَ قُربًا وصَدقًا، فقرأتُ، وقرأت، وكِدتُ أشتبكُ في مداخلاتٍ مع ما تبدَّى فيها، ولكني أرجأتُ ذلك لأسباب:

          أوَّلها: ضرورةُ الإطِّلاع على المزيد ممَّا رشحَ من الأقلام عن الدكتور داهش.

          وثانيها: حضورُ جبران خليل جبران وكتابه "يسوع ابن الإنسان"، فقد أبدى لنا في هذا الكتاب صورةَ المسيح لدى مَن عاينوه وعايشوه، فإذا هي صورٌ لهم مثلما هي صورٌ لتصوُّرِهم عنه.

          وثالثُها: أنَّ رجلاً كونيًّا كالدكتور داهش، يتحدَّر من الأزليَّة، ويتشوَّق إلى الأبدية، ويتطلَّعُ إلى الاندماج بالنير فانا، فيقول:

          "هناك في الأعالي.

          نورٌ متوهِّجٌ متلالي.

          بهاؤُه مُذهل!... ولستُ أُغالي

          فمتى أندمجُ به فتُحقَّق أحلامي وأمالي؟"1

          مِثلُ هذا الرجل جديرٌ بأن تكونَ مقاربتُه بالاقترابِ منه، لا بالتقرُّب إليه بوسيط.

          مِثلُ هذا الرجل النهر، جديرٌ بنا أن نذهبَ إلى ينابيعه، وأن نمكثَ طويلاً هناك...

          هناك في الكلام البعيد، لنرى حقيقتَه، ولنرى حقيقتنا فيه، ولنستطيعَ أن نقولهَ من جديد، على النحو الذي يتُيحُه لنا اقترابُنا منه، فنتعرَّفُ به، ويتعرَّفُ بنا:

          "الكلامُ البعيدْ

          سوف يلقَى على طرفِ الأرض شيخًا على شكل نهرٍ،

          فيأخذَه في شعافِ الجبالِ إلى بركة علَّقَتها الينابيعُ

          في حيث لا فوق لا تحت إلاّ يد الشيخ،

          تنْزعُ عنه ادِّعاءاتِه واحدًا واحدًا، ثمَّ حتَّى إذا هو عريانُ

          قالَ له الشيخ: انظرْ

----------------------------------------

1 الدكتور داهش: "مفاتن الشعر المنثور" (دار النسر المحلِّق للطباعة والنشر، بيروت 1984)، ص 160.

---------------------------------------------

فلمَّا رأى الماءَ، لم يرَ في الماءِ صورته

قال:اصغِ، فأصغي لصمتٍ مديدْ

صدِّقوني: هو الآن في البابِ

لا يتذكَّرُ ماذا يريدْ

إلا إذا قلتُه من جديدْ

الكلامُ البعيدْ"1

رحلةٌ إلى الينابيع

إلى الينابيع، إذاً. إلى حيث أستطيعُ أن أقولَ للدكتور داهش، على طريقةِ الصوفيين: "ما دلَّني أحدٌ عليك"، مؤمنًا بأن لا مرآة للنور إلا ما فينا من نور:

"لأنَّ كتابَ المرايا يقول:

بشمسِ ترى الشمسَ، لا بسواها".2

----------------------------------------

ها أنذا في الأعالي، أمام الينابيع، فأيُّها أقصد؟ ومن أين أبدأ؟

* فلسفةٌ وجوديَّةٌ إنسانية تسلكُ كائناتِ الوجود والحياة في أنساقٍ محكومةٍ بسيالاتها الروحية، وماضيةٍ في ظهوراتها من أفقٍ إلى أفقٍ أعلى، ومن دركٍ إلى دركٍ أدنى،

في دوراتٍ من عناءِ الوجود، متاقُها أن تتحرر من التقيُّد والتعين والتحيُّز، وأن تعانقَ المُطلق الذي هو روحُ الكون، فتكون فيه، وتكونـَ(ـه).

هل على هذا أثرٌ من تصورُّرِ أنكسيمندرس الفلسفيّ، حيث رأى "أنَّ هناك جوهرًا غير مُتناهٍ سبقَ الاشياء جميعًا، وأنَّ هذه الأشياء تخرجُ من مادَّته الأولية حينما يتحرَّكُ تحرُّكَه الخاصّ، أي أنَّ الجواهرَ خرجت منه بانفصالِها عنه، وهي تعودُ إليه بعد تحلُّلِها، وأنَّها تقومُ بذلك مرَّة بعد مرَّة، ممَّا يعني أنَّ هناك دورًا حقيقيًا تمرُّ العناصرُ به"،3

-------------------------------------------

1 ينام في الأيقونة"، مرجع سابق، ص 65.

2 الحصني، عبد القادر: "كأني أرى" (اتحاد الكتاب العرب، ص1، دمشق 2006) ص 60.

3 شيخ الأرض، تيسير: "الفحص عن أساس التفكير الفلسفي!"، (اتحاد الكتاب العرب، ط1، دمشق 1993) ص 276.

أم أثرٌ من فيثاغورس الذي رأى "أنَّ الروحَ الحقيقيةَ ليست هي التي نجدُها في الموجودات فقط، بل تلك التي تسودُ الكونَ كلَّه أيضًا، فالكونُ روحٌ وحياة. ويبدو حضورُ الروحِ في النظام الذي يسودُ كلَّ شيء. فالكونُ منظَّمٌ بحيث تترابطُ أجزاؤُه بعضُها مع بعضٍ بروابط متناسقة. لهذا كان تناسقُ الروح يبدو في أفعالها كلِّها"؛1

          أم أثرٌ من التفكير الإلهيّ لدى أفلاطون؟ و"وحدة الوجود" لدى ابن عربّي؟ و"مراتب الوجود" لدى عبد الكريم الجبليّ؟ ونظريَّه "الفيض" لدى ابن سينا والفارابيّ والسهر ورديّ؟ ونظريّات الطاقة الكونيّة الحديثة؟

          أعتقدُ بتفاعُلِ هذه الآثار جميعًا في فلسفة الدكتور داهش. وإنَّه لتفاعلٌ وجوديٌّ حيّ أنجزَته روحٌ كبيرةٌ في تواصُلِها مع الحياةِ والوجود والكون، وتركته لنا لنكشفَ أبعادَه الثقافية بما أُوتيناه من علم في مجالاتٍ معرفيةٍ متعددة. ولكن الطريق طويلة، والزاد قليلٌ، والينابيعَ عالية... ولكن السماءَ أعلى منها.

* عالمٌ من الفنِّ التشكيليّ الرائع، صوره الخيالُ الفذُّ للدكتور داهش. هذا العالَمُ هو ينبوعٌ آخر، تأخذُنا فيه الألوانُ والأشكال إلى مراتب الوجودِ الأربعة في ممالكها الزاهية:

الجمادُ والنبات والحيوان والإنسان، فيشرقُ فينا انسجامُ هذه الممالِك وتناغُمها، وكأننا نباشرُ، توًّا فطرتنا الأولى؛ تلك الفطرةُ التي لم تعرفْ بعدُ انقسامَها على ذاتها، فهي ما زالت في ملَكوتها المنزَّهِ المُبرَّأ.

          لوحاتٌ لا تحسبُ أنَّ الألوانَ بأخضرِها وأحمرِها وأزرقِها وأصفرِها و... قد صنعَت فتنتَها، بل تَخالُ أنَّ فجرًا لاحَ، وصباحًا انداح، وماءً انساب، وربيعًا همسَ في أُذنِ الأرض، فأخرجَت كلَّ ما استودِعَت من كنوزِ زينتِها وزُخرُفِ حَيواتها... وترى فيها روحًا تبلَّج، وتألَّق، وشفَّ، ورفَّ، وراقَ، ورقَّ، وسكبَ بَهاه وسَناه في كلِّ ما تراه، فيقول لك: أنا النُّور. فتُدهَش، وتَمتلئُ غبطةً، ويسكنُ سؤالُ الحيرة في عينيك: تُرى. ما لونُ النور؟!

* وتراثٌ إبداعيٌّ ثَرٌّ، خطته يراعُه بمِدادِ الصدق، وارسلَته بين منظومٍ ومنثور، يعبقُ بالحقِّ والخير والجمال، ويسجل الخلجات والمشاعر والأحسايسَ لروحٍ استثنائيٍّ مرَّ بهذا الكوكب، وعاش غريبًا، غربةَ الناي التي لا يفقَهُها إلا الصوفيون أولئك الذين حَكَوا لِمَن اعترض على إدخالهم الناي في طقوسِ تسبيحهم ومواجيدهم وإنشادِهم، فقالوا له: أتعرفُ ما تقولُ هذه الناي؟

قال: إنها تصفرُ، وتنغم، وترنِّم، ولا تقول غير ذلك.

قالوا: بل هي تروي سيرةَ حياتها، فتقول: لقد كنتُ قصبةً خضراءَ بين مثيلاتي من القصبات على ضفة النهر، وكنت أتمايلُ مع الهواء، وأرتوي بالماء، وأبتهجُ بزقزقةِ العصافير وتغريد البلابل وسجع الحمام… ولكنني قُطعت، وغُرِّبت عن ضفة النهر، ورُميتُ في العراء تحت وهج الشمس، فجفَفتُ، ويبستُ، ثم قطعوني بالسكين، وأحْموا السيخَ على النار وجوَّفوني، وثقبوني، وكَوَوا فَمي، فصِرتُ كما ترى.

ولكن على الرغم من ذلك ما زلتُ أتذكَّر ماضيَّ البعيد ومن أين أتيت، وكلَّما وضعَ أحدُهم شفَتيه على شفتيّ يثورُ فيَّ الحنين، فأتنهَّد وأبثُّ وأبثُّ أنيني، وأقول لنفسي: ما أقسَى غُربتي وما أشدَّ ألمي!! والى متى سأبقى في أوجاعي؟ وهل يا ترى أعودُ مرَّةً أخرى إلى ذلك المكان الذي غُرِّبتُ عنه، قصبةً خضراءَ على ضفَّة النهر.

أجل إنَّه الحنين… حنينُ الأشياء إلى أصلِها الذي تحدَّرت منه… حنينُ قصبةٍ إلى ضفَّة نهر…

فكيف إذا كان هذا الحنينُ حنينَ إنسان غلى مُوجِده؟

          وكيف إذا كان هذا الإنسان متحدِّرًا من جوهرِ الحقِّ والخير والجمالِ كالدكتور داهش؟! وكافُ التشبيه، هنا، مُقحَمةٌ إلى درجةٍ كبيرة. فما أندَرَ أمثالَ الدكتور داهش في هذا العالم!

                                           ***

هنا في الأعالي، أمام هذه الينابيع أقِف، أتأمَّلُها بعيني الدهشة، أقرأ خطوطها الكبرى، وأستقرئُ ما فيها من أبعادٍ إنسانية، وأحاولُ أن أتقرِّى ما بين هذه الينابيع من وشائج، تستجمعُ خلاصةَ ما في الأرضِ من حكمةٍ وجمالٍ وشعر، وتنهضُ بها إلى أفقٍ عالٍ وفضاءٍ رحب، على أجنحةٍ ملوَّنة من الحبِّ والشوقِ إلى معانقةِ وجودِنا الأسمى.

هنا في الأعالي سأمكثُ طويلاً لأجيبَ عن سؤالين ليسا حول الفلسفةِ أو الفنّ أو الشعر، بل حول الحياةِ والموت. سؤالين هما:

مَن هو الدكتور داهش؟

ما هي الداهشية؟

Developed by WARM Studios        Copyright 2017 This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.nfo All Right Reseved This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.