أنا أؤمن بأنه توجـد عدالة سماويّة, وأن جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدنيا من مُنغصات انَّ هـو الاّ جـزاءٌ وفاق لِما أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور.ولهـذا يجب علينا أن نستقبلَ كلّ مـا يحـلّ بنـا من آلامِ الحياةِ ومآسيها غير مُتبرّمين ولا متذمّرين , بل قانعين بعدالةِ السماء ونُظمها السامية.

Highlighter
أحبُّ الكُتُبَ حبَّ السُكارى للخمر , لكنَّني كلَّما أزددتُ منها شرباً, زادتني صَحوا
ليس مّنْ يكتُبُ للهو كمَن يكتُبُ للحقيقة
الجمالُ والعفّــة فـردوسٌ سماويّ .
لا معنى لحياةِ ألأنسان اذا لم يقم بعملٍ انسانيٍّ جليل .
اعمل الخير , وأعضد المساكين , تحصل على السعادة .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقـوم بأعمالِ الخير نحـو ألأنسانيّة .
الموتُ يقظةٌ جميلة ينشُدها كل مَنْ صَفَتْ نفسه وطَهرت روحه , ويخافها كلّ من ثقُلت أفكاره وزادت أوزاره .
ان أجسامنا الماديّة ستمتدّ اليها يـد ألأقـدار فتحطِّمها , ثمّ تعمل فيها أنامل الدهـر فتتَّغير معالمها , وتجعلها مهزلةً مرذولة . أمّا ألأعمال الصالحة وألأتجاهات النبيلة السّامية , فهي هي التي يتنسَّم ملائكة اللّه عبيرها الخالد .
نأتي إلى هذا العالمِ باكين مُعولين، و نغادره باكين مُعولين! فواهً لك يا عالمَ البكاء والعويل!
جميعنا مُغترٌّ مخدوعٌ ببعضه البعض.
العدلُ كلمة خُرافية مُضحكة.
أمجادُ هذا العالم وهمٌ باطل، و لونٌ حائل، و ظلٌّ زائل.
لا باركَ الله في تلك الساعة التي فتحتُ فيها عينيّ فإذا بي في مكانٍ يطلقون عليه اسم العالم .
أنا غريبٌ في هذا العالم، و كم احنُّ إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.
الحياةُ سفينةٌ عظيمة رائعة تمخرُ في بحرٍ، ماؤه الآثام البشريَّة الطافحة، و امواجه شهواتهم البهيميَّة الطامحة، و شطآنه نهايتهم المؤلمة الصادعة.
كلّنا ذلك الذئبُ المُفترس , يردع غيره عن اتيانِ الموبقاتِ وهو زعيمها وحامل لوائها , المُقوّض لصروح الفضيلة , ورافع أساس بناءِ الرذيلة .
الحياةُ سلسلة اضطراباتٍ وأهوال , والمرءُ يتقلَّب في أعماقها , حتى يأتيه داعي الموت, فيذهب الى المجهولِ الرهيب , وهو يجهلُ موته , كما كان يجهلُ حياته .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقومَ بأعمالِ الخير نحو الانسانيّة .
المالُ ميزان الشرِّ في هذا العالم .
السعادةُ ليست في المال , ولكن في هدوءِ البال .
كلُّ شيءٍ عظيمٍ في النفسِ العظيمة , أمّا في النفسِ الحقيرة فكلُّ شيءٍ حقير .
الرُّوح نسمةٌ يُرسلها الخالق لخلائقه لأجل , ثم تعودُ اليه بعجل .
الرُّوح نفثةٌ الهيَّة تحتلُّ الخلائق , وكل منها للعودة الى خالقها تائق .
الرُّوح سرٌّ الهيٌّ موصَدْ لا يعرفه الاّ خالق الأرواح بارادته , فمنه أتتْ واليه تعود .
أنا أؤمن بأنه توجـد عدالةٌ سماويّة , وأنَّ جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدُّنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدارٍ انَّ هـو الاَّ جـزاء وفاق لمِا أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور . ولهـذا يجب علينا أن نستقبل كلَّ مـا يحـلُّ بنـا من آلام الحياة ومآسيها غير م
الحرّيةُ منحة من السماءِ لأبناءِ ألأرض .
الموتُ ملاكُ رحمةٍ سماويّ يعطف على البشر المُتألّمين , وبلمسةٍ سحريّة من أنامله اللطيفة يُنيلهم الهناء العلويّ .
ما أنقى من يتغلّب على ميولِ جسده الوضيع الفاني , ويتبع ما تُريده الرُّوح النقيّة .
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
الراحة التامّة مفقودة في هذا العالم , وكيفما بحثت عنها فأنت عائدٌ منها بصفقةِ الخاسر المَغبون .
ليس أللّــه مع الظالم بل مع الحقّ.
ان الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الكاذب.
ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين وغوث الملهوفين والحنو على القانطين , وما أقلَّ تنفيذهم القول.
يظنُّ بعض ألأنذال ألأدنياء أنّهم يُبيّضون صحائفهم بتسويدِ صحائف الأبرياء , غير عالمين بأنَّ الدوائر ستدور عليهم وتُشهّرهم.
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السَّلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
رهبة المجهول شقاء للبشرِ الجاهلين للأسرارِ الروحيَّة , وسعادة للذين تكشّفت لهم الحقائق السماويَّة .
الموتُ نهاية كل حيّ , ولكنه فترة انتقال : امّا الى نعيم , وامّا الى جحيم .
الحياةُ خير معلِّمٍ ومُؤدِّب , وخيرَ واقٍ للمرءِ من الأنزلاقِ الى مهاوي الحضيض .
حين تشكُّ بأقربِ المُقرَّبين اليك تبدأ في فهمِ حقائق هذا الكون .
مَنْ يكون ذلك القدّيس الذي لم تخطرُ المرأة في باله ؟ لو وجدَ هذا لشبَّهته بالآلهة .
المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السُّلطان. و هي تحملُ بيدها سيفاً قاطعاً لو حاولَ رجالُ الأرض قاطبةً انتزاعه منها لباؤوا بالفشلِ و الخذلان .

الأستاذ أحمد عيد مراد

أديبٌ وشاعر، عميدُ الصحافيين العرب الكنديين، رئيس المركز العربي الكندي للصحافة والإعلام في أوتاوا، نائب رئيس سابق لمؤسسة نادي الصحافة الوطني الكندي، رئيس لجنة المنح للدراسات الصحافية في مؤسسة نادي الصحافة الوطني الكندي.

 

مئويَّةُ ميلاد داهش: تأبينٌ أَم تقريظ!

لستُ طويلَ عهدٍ بمجلة "صوت داهش". ولا غضاضةَ في أن أقولَ إنني لم أقرأ كتابًا للدكتور داهش قطّ، فكيف لي أن أُجيزَ لدلوي أن يرافقَ دلاءَ العارفينَ في تخليد عبقري إن جاز لي الوصف، وأُشاركهم في ذكرى ميلاده المئوية الأولى!

قبل سنواتٍ، على ما أذكر، بينما كنتُ في مكتب صديقٍ في أُوتاوا، العاصمة الكندية، مدينتي التي اخترتُها وفيها أٌقيم، أنتظرُ قدومَه، وقعَ نظري على مجلةٍ أنيقةٍ بدت وكأنَّ يدًّا لم تمسها بعدُ. لم أدرِ لِمَ لفتت نظري وشدتني إليها، فتناولتُها وبدأتُ أتصفحُها، وسرعان ما شعرتُ أنَّ يدًا سحريةً أمسكت بي ولا تريدُ فكاكًا. لحُسنِ حظي أن الصديقَ لم يقرأها، والاَّ، على أغلبِ الظنِّ، لما وافق على طلبي بأخذها، وحُرمتُ من أن أطلعَ على "كنزٍ لغوي" وأدبيٍّ وفكريٍّ ثمينٍ. فـ"ما أجمل اللقيا بلا ميعاد!" بعد اللقاءِ، استجابَ الصديقُ لطلبي، وأذنَ لي أن أحتفظ بالمجلة. هكذا كانت البدايةُ، وتحولتِ العلاقةُ إلى رباطٍ وثيقٍ وشغفٍ في الاستزادةِ من مَعينِ" صوت داهش"، وأصبحتُ أحدَ أسراها. وعلى حدِّ قولِ مَالئ الدنيا وشاغلِ أهلها: "ومَنْ وَجَدَ الإحسانَ قيدًا تقيدًا".

لَمْ يَدُرْ بخلَدي أنني، بعد سنواتٍ، سوف يُتاحُ لي شرفُ الكتابةِ فيها، وفي ذكرى مئوية من تنتسبُ إليه تحديدًا! لقد كنتُ طوالَ عهدي بـ"صوت داهش" تلميذًا وفيًا، أنتظرُ قدومها بشغَفٍ وتلهُّفٍ. وكمْ أعدتُ قراءةَ موضوعٍ فيها أسرني أسلوبُه الساحرُ، ونقاءُ لغته وسلامتها وسلاسةُ عباراته وروعتُها مراتٍ ومراتٍ! حقًا "إن من البيان لسحرًا". وها أنا أتخرجُ في "معهد صوت داهش" وأتحوَّلُ بسحرها الذي أمسكَ بي أول مرةٍ، وما يزال، إلى "معلم" يوفى التبجيلا!

          قدم لي لغةً عربيةً سليمةً، وأنا حريٌّ بأن أجد في موضوعك، مهما اكتنفه الغموض، القصدَ والمعنى اللذين تريدُ إيصالهما لي. فعندي أن سمو الفكر وروعته ونبله من سلامة اللغة وصونها من العجمة والعامية والابتذال. فالمعنى السليمُ في القول السليم. ولا ريب في أن أنحدارَ قومٍ في تفكيرهم وسلوكهم ونمط حياتهم يتزامنُ مع تهاونهم بلغتهم، ويكونُ بداية انحدارهم من على سلم الحضارة والرقي، وعدم القدرة على مُجاراة الآخرينَ في مضمار الحياة. ولا أغالي إذ أقولُ إن ما نشاهدُه الآن من انحطاطٍ في شتى ميادين حياتنا مردُّه سُهولةُ هوانِ لغتنا علينا، والقبولُ بتعليلاتٍ مريضةٍ وذرائعَ واهيةٍ تلُخصُ بقول:

"خطأٌ شائعٌ خيرٌ من صحيح مهملٍ أو ضائع". لا وألفُ لا. صحيحٌ راجعٌ أفضلُ ألف مرةٍ من خطإٍ شائع وإن استمرأته ألسنةُ العامة، واستجابت له على مضضٍ أو قبولٍ ألسنةُ المتعلمين أو المثقفين. ومتى كان أسهلُ الأمورِ أفضلها!

          قلما تقرأُ كتاباً أو مجلةً أو منشوراً أو مخطوطًا على شبكة الـ"إنترنت" أو تسمعُ ما تبثُّه الإذاعاتُ العربيةُ المسموعةُ والفضائياتُ دون أن تُصابَ بالغثيان والدُوارِ لفاحة الأخطاء وتبريرها، لا من أنصاف المثقفين الذين يتباهون بـ"إجادة" لغةٍ أجنبية، وهُم في مُجملِ الحال ليسوا بمجيديها، بل من أساتذةٍ ومفكرين تقعُ على كواهلهم مهمَّةُ تنشئة أجيالٍ تتعلم أخطاءهم ظنًا منها أنها تتلقى الصحيح السليم! ورحم الله إبراهيم ناصيف اليازجي حين نبه إلى تدني لغة الصحافة في مطلع القرن العشرين وبيَّن في كتابه "لغة الجرائد" ما يقعُ فيه الكاتبون والصحافيون من أخطاءٍ لغويةٍ ونحويةٍ تادُ تشوه جمال لغةِ الضاد وتمسخُها. فكيف به لو اطلعَ على ما يُنشرُ في معظمِ الصحافة المكتوبة وما يُقالُ في الإذاعات والفضائيات الآن! أما عن "الشعر" الحديث، فحدث بلا حرج. تحررٌ من الومن والقافية واللغة قواعد ونحوًا وصرفًا وإعرابًا، ومع ذلكَ يُصرُّون على أنها من متطلباتِ العصر الحديث ومن ضرورات مُجاراةِ التقدم والتحديث.

          وفي هذا، أستعيرُ بيتين من قصيدةٍ لي أنشأتها بعد أن امتلأت الصحفُ بفاسد القول لغةً ومضمونًا بما سُمِّي زورًا واستخفافًا الشعرُ الحديث"، أو "شعرُ التفعيلة"، وشفت الآذان بكلماتٍ اختلطت معانيها، وبجملٍ لا رابط بينها ولا معنى واضحًا فيها:

          قلو سَمعَ الخليلُ عجيبَ لفظٍ                           لخالَ كلامهم مـــن غيرِ لِسنِ

          وأنبأهُــــــــــــــــــم حدثتُهُم هجينٌ                           على رَملٍ قُصورَ الوَهْم تبني

          أما عن الكتابة عامةً، والصحافية تحديدًا، والصحافية تحديدً، فقد لخص اليازجيُّ، رحمه الله، كل ذلك حين قال: "ما نزالُ نرى في بعض جرائدنا ألفاظًا قد شذت عن منقولِ اللغة، فأنزلت في غير منازلها، أو استعملتْ في غير معناها، فجاءت بها العبارةُ مشوهةً، وذهبت بما فيها من الرونق وجودةِ السبك، فضلاً عما يترتبُ على مثل ذلك من انتشار الوهم والخطإ، ولا سيما إذا وقع في كلام من يُوثقُ به، فتتناولُه الأقلامُ بغير بحثٍ ولا نكير. ولا يخفي أن الغلط في اللغة أقبحُ من اللحنِ في الإعراب، وأبعدُ من مظانِّ التصحيح، لرجوعها إلى النقل دونَ القياس، فيكونُ الغلطُ فيها أسرعَ تفشيًا وأشدَّ استدراجًا للسقوط في دركاتِ الوهم". ولما اشتد به الحنقُ والغيظُ على هؤلاء الذين أمسكوا بزمام نشر النور والمعرفة في صحفهم، قال: "ولمَّا كان الاستمرارُ على ذلك ممَّا يُخافُ منه أن تفسدَ اللغةُ بأيدي أنصارِها والمُوكلِ إليهم أمرُ إصلاحِها، وهو الفسادُ الذي لا صلاحَ بعدَهُ...".

          لا جَرَمَ أنَّ الصحافة كان لها، وما يزال، قَصبُ السبقِ في تثقيفِ الناس. فقد أثرت في ألسنتهم واسلوبِ تخاطُبهم، وغدا الخطأُ فيها أسرعَ من صوابِ اللغة، فابتعدَ عن مظانِّ التصحيح واستعصى على التقويم. ومع مرور الزمنِ، اشتد المرضُ وتفشى، فانحدرَ التفكيرُ وهبطَ مستواه إلى دركاتِ الوهم". ولما اشتد به الحنقُ والغيظُ على هؤلاء الذين أمسكوا بزمام نَشر النورِ والمعرفة في صُحُفهم، قال: "ولمَّا كان الاستمرارُ على ذلكَ مما يُخافُ منه أن تفسدَ اللغةُ بأيدي أنصارِها والمُوكل إليهم أمرُ إصلاحِها، وهو الفسادُ الذي لا صلاحَ بعدَهُ...".

          لا جَرَمَ أنَّ الصحافة كان لها، وما يزال، قصبُ السبقِ في تثقيفِ الناس. فقد أثرت في ألسنتهم وأسلوبِ تخاطُبهم، وغدا الخطأُ فيها أسرعَ من صوابِ اللغة، فابتعدَ عن مظان!ِ التصحيح واستعصى على التقويم. ومع مرور الزمنِ، اشتد المرضُ وتفشى، فانحدرَ التفكيرُ وهبطَ مستواه إلى دَركاتِ الوهم. و"بعضُ" الجرائد التي أشار إليها اليازجيُّ غدت، بعد مرور قُرابة قرنٍ، "جُلَّها". فكلما كَبُرَ الخطأُ، صَغُرَ الصواب. وقياسًا على ذلك، يضمحلُّ الصوابُ تمامًا، ويُمسي الخطأُ صَوابًا، وأسلوبَ حياة؛ وهذا ما نشاهده ونحياه الآن.

          ومهما قيل في ذكرى الراحل الكبيرِ الدكتور داهش، ومهما تعدَّدت صفاتُه، فلا شكَّ في أنَّه تركَ تُراثًا يجدُ الباحُ فيه ضالَّتَه على اختلافِ مَرماها وتنوُّعٍ في مُبتغاها.

          وليس عبثًا أن قيل: "إنَّ قوة صُنعِ الأفكارِ أوَّلُ شيءٍ وأهمُّه في الأدبِ العظيم، وإنَّ العظمةَ الأدبية صدًى للشخصية العظيمة". فصدى "الهادي الحبيب"، كما يسميه أحدُ مريديه، يرتجع قويًّا مع تقادم العهد. ولأن هذا الصدى فنٌّ رحيبٌ وارفٌ، يُمسي الرواقَ الذي ندخلُ فيه إلى معبدٍ تحومُ حولَه فروعُ المعرفةِ مهما كثُرت. ومع تراثِ داهش، تقفُ الفلسفةُ في ساحةِ المعبد، وتستقرُّ فيه، وتغدو بعضَ مكوناته.

ما إن وافقتُ على طلب الكتابة عن الدكتور داهش في مئويتهن حتى اعترتني رهبة.

فكيف بي وأنا، كما أسلفتُ، لم أقرأ له واحدًا من عشراتِ وعشرات كتبه التي اشتملت على مُعظم أنواعِ الفنون وشتى ميادين الآداب، وهو، كما قيلَ وثبتَ، لم يتلقَّ تعليمًا مدرسيًّا يؤهلُه أو يُمكنه من تركِ تُراثٍ هائل من المعرفة بلغةٍ عربيةٍ سليمةٍ في زمنٍ غلبت فيه العُجمةُ والعامية وأصبحً القابضُ عليها كالقابضِ على الجمر؟ لَم تطُلْ بي الحيرةُ، فقد تذكرتُ أنني احتفظُ بملفٍّ بملفٍّ كبيرٍ أُدون فيه منقتطفاتٍ واقتباساتٍ من "صوت داهش"، فبدأت صفحاتٌ غزيرةٌ منها تنسابُ في ذاكرتي تتكشفُ عن كنوزها اللغوية ومواضيعها الشائقة والمتعة التي كنتُ أعيشُ فيها وأنا أقرأُ بقبولُ يساوره الشكُّ أحيانًا عن سيرةِ رجلٍ، مهما قيلَ فيهن قد أُوتيّ من العلم حظًّا عظيمًا لا يُمكن له، لولا سرٌّ إلهيٌّ، أن يتبوَّأَه. لم يغب عني أبدًا أن الله قد يضعُ سرَّه في أضعفِ خلقه، وينزلُ عليه من روحه ما يضعُه في منزلةٍ فوق الآخرين. (رفيعُ الدرجات ذُو العرشِ يُلقي الروحَ من أمره على من يشاءُ من عباده لينذرَ يوم التلاق). (غافر: 15). ولا ريبَ أن ما خُصّ به داهش، كما ثبت وأيدته الأدلةُ والبراهينُ والشهودُ الثقاةُ، لا يخرجُ عن كونه من فعلِ الرحمنِ وإرادته. فالله، جل جلاله وعلت قُدرتُهُ، يُعلمنا: (ينزلُ الملائكةَ بالرُّوحِ من أمرِه على مَن يشاءُ من عبادِه أن أنذرُوا أنه لا إله إلا أنا فاتقُونِ). (النحل: 2). وليست حكايةُ السر الإلهي أو الإلهام السماوي أو السيالات العلوية بغريبةٍ عن تراثنا أو جديدةً فيه. وسواءٌ وجدَ المؤمنُ بها تبريراتٍ أو تفسيراتٍ دينية لها أم لا، فهي تبقى، في كُنهها، لغزًا ربما لا يُدرِكه العقلُ البشري. وعدمُ إدراكهِ لا يعني استحالةَ وجودِه. وأمرُ داهش مهما اختلطت في أسطورتِه رواياتٌ، تبقى حقيقتُها أكبرَ من ظنِّها أو ما يعلقُ بها من أوهام. فمن القراءاتِ التي طالعتُها عن هذه الشخصية الغريبة المحيرة، يؤكدُ مُريدو الدكتور داهش أنه صاحبُ رسالةٍ تؤمنُ بالرسالات السماوية، وتتبعُ تعاليمها، ولكنها تنفردُ بخصوصيةٍ لم يألفها أبناءُ جيله، لذلك كانت الشكوكُ تحومُ حوله، وتقللُ من شأنها، أو تتجاهلُها أو تحاولُ القضاء عليها. لم يأتِ خصومُ داهشَ بما يُثبتُ زعمَهم، بل اكتفوا برفضها والنيل من صاحبها. وفي المقابل، انبرى مؤيدوه للدفاع عن رسالته بإصرارٍ وعزيمةٍ وإيمانٍ مع ما كانَ يمكنُ ان يُحيقَ بهم من جرَّاء ما يفعلون. لقد أدركوا أن في شخصِ داهش اجتمع "الذكاءُ البشريُّ المتوقد والإلهامُ الروحيُّ والسيالاتُ العلوية". ومما احتفظُ به في "ملف صوتِ داهش" وصفٌ رائعٌ في حضرةِ "صاحبِ الرسالة" من قالس للأديب ياسر بدرِ الدين بعنوان "خطواتٌ في رفقةِ الدكتور داهش"، يقولُ فيهك "كنا نشعرُ في حضرته أننا في عالمٍ علويٍّ؛ فالآياتُ الفنيةُ في كل مكانٍ، وجوٌّ من الأمانِ يرينُ، وهو جالسٌ كقبسٍ من الضوء في الممر الشرقي، أو متنقلاً بين الغُرف، تطربُ لخطواتِه الجدرانُ والمقاعدُ وسائرُ الأشياء، فتنطلقُ أغاريدُ لا تعيها آذانُنا الصماءُ، بل تسمعها القلوبُ وتُحسُّ بها الأرواح".

          أقرأُ مقتطفاتٍ من أقوالِ الدكتور داهش من مقالاتٍ كُتبت عنه واقتُبِسَت من كُتبِه، فأشعرُ بأنني في رحلةٍ أجولُ معها، كما وصفها مَقالٌ في "صوت داهش"، و"في النورِ والمعرفةِ في رحلةٍ محفوفةٍ بالشعر والعِطر". ومع كل المتعةِ والانتشاء، أُحسُ بندمٍ او تقصيرٍ لأنني آخُذُ من تفرُّعاتِ هذا العطاءِ الثرِّ، لا من معينه. ومع كل زيادةٍ في الاطلاع، أزدادُ رغبةً ولو في قراءة كتابٍ واحدٍ لهذا النابغة العبقريِّ الذي أُلهِمَ ما كَتبَ، وما هو فيه إلا ناقلٌ آمينٌ.

          قوةُ الروح الخارقةُ لنواميس الطبيعةِ، والمتجاوزةُ حدودَ العقلِ البشري، والمستعصيةُ على الأفهام ليستْ ضربًا من الخيال أو أضغاث أحلام؛ فعلى مرِّ العصور، أكد الإنسانُ الذي أُوتي من الحكمة والنبوغِ ما لم يؤتَه سوادُ البشر أنَّ خالقَ الكونِ يُنعمُ بها على مَن يجتبيهم من عباده. فسقراطُ، على سبيل المثال، يقولُ بأن خيال الشاعرِ ضربٌ من "الجنون العُلوي". واعتقد أفلاطونُ أن الشعراءَ متبوعون بأرواحٍ عُلويةٍ تُملي فيكتبون.

وفي تراثنا العربي نجدُ للشاعر قرينًا أو خليلاً، أملاكًا كان أم شيطانًا، يُلقنه أو يلهمه فيكتبُ. وها هو الفرزدق يزعُمُ بأنه كان صديقًا لإبليس وابنه، وفي ذلك يقول:

          هُما نفثا في فِيَّ من فمويهما                   على النابح العاوي أشد رجام

          ولتأكيد أن الدكتور داهش كان يُملى عليه فيستجيبُ ويكتبُ، أعودُ مَرةً أخرى لمقالِ "خطواتٍ في رفقة الدكتور داهش" حيث وردَ: "ينفقُ الأديبُ سنةً أو سنتين من عمرهِ لكتابةِ قصةٍ أو تأليفِ كتاب. وقد أنفق دانتي أليغييري أكثر من عشر سنين في تاليف "جحيمه". فكيف لا نعجبُ إذا علمنا أن الدكتور داهش أنجر كتابه "الجحيم" خلال أيام معدودة! وكتاب "مذكرات دينار" الذي وُصِف بـ"أوذيسة" القرنِ العشرين في ما يُعادلُ يومين كاملين فقط! وبحضورنا نحن، كان يكتبُ القصة القصيرة خلال ساعةتٍ واحدةٍ، تزيدُ أو تنقص. لقد رأينا بأمِّ العين كيف كانت الريشة تسيرُ على أوراقِه واثقةً بنفسها بلا تردُّد ولا توقفٍ؛ فلا شطبًا ولا حذفًا ولا إضافةً أو إعادةً، بل حفرٌ وتنزيلٌ وثقبُ جُمَان! والكلمةُ في أمانٍ من اللحنِ وزلاتِ القلم وهنفوات اللسان.

كيفَ لا نعجبُ، وكتاباتُه جميعُها، منذ سنة العشرين، في بداياتها المشرقة إلى آخر كتاب كتبَهُ، هي في المستوى الفني والأدبي نفسه من حيثث العمق والنضج والنظرةُ الصائبةُ إلى الأمور. وآراؤه ثابتةٌ لم يطرأ عليها تعديلٌ أو تبديلٌ وفقًا لمقتضيات الظروف في مختلف شؤون الحياة وما بعد الحياة. فكأنَّ الزمنَ قد توقف بين كتابه الأول وكتابه الأخير، فلم تُشرق الشمسُ بينهما ولم تَغبْ".

          وإذا كان لا بد من تعليل ذلك، فحسبنا هنا شهادةُ الدكتور غازي براكس حين يقولُ بأن السيال وحدةٌ نفسية ذاتُ طاقةٍ حيويةٍ انفعالية وإدراكٍ نسبي ونزعةٍ نوعيةٍ وخصائص وطيفية. والسيالاتُ منها ما هو فطري ومنها ما يطرأُ على تكوين الإنسان الجسدي خلال مراحل نموه. وكل سيالٍ لا بد أن يلقى جزاء عمله خيراً أم شرًا. ونفسُ كل إنسانٍ تتكونُ من سيالات، لكن الهُداةَ الروحيين تمتازُ سيالاتهم بأنها علويةٌ موهوبةٌ قوًى روحية خارقة من لدنه تعالى.

          أمَّا اليسيرُ الذي قرأتُ من "مزامير" داهش في مقالاتٍ أتت على ذكرها، فهي عندي تُضارعُ أو تُضاهي مزاميرَ داوودَ التي أجدُ متعةً رائعةً وساميةً في قراءتها يوميصا. وكما أسررتُ لزميل ذي علاقةٍ وطيدةٍ بـ"صوت داهش". ربما إذا أُتيحَ لي أن أحصل على كلِّ "مزامير داهش" أن أستعيض بها عن مزامير داوود!

          لستُ أدري أأنا، في ما كتبتُ في ذكرى مئوية هذا الفذ الذي ما تزال عقولٌ كثيرةٌ وكثيرةٌ تحارُ في ما تسمعُ عنه أو تقرأ له، مؤبنٌ أو مقرظ! فإذا ماتَ الإنسان، وداهش في كل ما قيلَ عن شخصياته المتعددة قد مات فعلاً، فما يُكتب عنه تأبينٌ، فكيف لي أن ألبس ما أكتبُ في داهش وأنعتُه بالتقريظ؟ قبل أن أجيب عن سؤال افتراضي لا إخالُ القارئ إلا سائله، أودُّ أن أذكر أن كلَّ ما قرأتُ عن الراحل الكبير من أقوالٍ لمستُ فيها شغاف قلب فاضت منه سجيةً، وحرارةَ صدقٍ عبرت عن روحٍ إنسانية علويةٍ، ومشاعرَ إنسانٍ مؤيدٍ بروحٍ لَم تدركها العقول. رسالةٌ ما تزالُ حيةً في روحِ قائلها، أو ما تزالُ روحُه حيةً فيها.

رسالةٌ تنسابُ كلماتُها من السطور إلى القلبِ فأُحسُّ بها بردًا ينعشُ النفسَ، ويُعطي الروحَ معنًى سرمديًّا في الحياة.

          سيان إن كانَ ما كتبتُ في داهش هذا أم ذاك، أُحسُّ فيما أقرأُ له نبضَ حياةٍ ودفقَ روح.

          فإلى الذي جعلَ الكتابَ خليله في يومه وسميره في ليله؛

          إلى الذي ترك مُجلداتٍ خالدةً تراثًا منه لأجيالٍ مُقبلةٍ لن يقوى الزمانُ على طمسها ولا المشككون على رمسها؛

          إلى الذي قال: "لا يعرفُ لذة الحياة من لم يسحقه الألمُ العميقُ المشبع، ولا يعرفُ أسرارَ الوجودِ مَن لم تتكأكأ عليه حادثاتُ الزمن"؛

          وإليه حين يقولُ: "إن قلبي يخفقُ بالحبِّ للجمال، ومَن أدركَ سرَّ الجمال فإنه قد خطا خطواتٍ واسعةً في فهم أسرارِ الأزل والخلود"؛

          وإليه حينَ قال: "تُرى ماذا سيقولُ الناسُ عني بعد موتي وزوالي؟"

          أقولُ: أنا لستُ مؤبنًا، فأنت فيما تركت حيٌّ تتنفسُ في كلماتٍ خالداتٍ تكادُ تبيضُ من وهجها الصفحاتُ. وأزيدُ: "تالله إني فيما أتيتُ مقرظ، كي من سُباتٍ بعضَ قومٍ أوقظ. فنم قريرَ العين، ولا تبالِ بشانئيك".

          وفي الختام، أذكرُ ما قال أحمد شوقي، رحمه الله وإياك، في روايةِ "مصرعِ كليوباترا"، وأتمثله لك:

          تمنيتُ رأسين لا واحــــــــــــــدًا           إذا مستِ الأرض هامُ الرجال

          أُطأطئُ رأسًا لِمجدِ النُبوغ          وأخفِضُ رأسًا لِمجدِ الجَمـــــالْ

                                                                                      أوتاوا – كندا، 3/5/2009

Developed by WARM Studios        Copyright 2017 This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.nfo All Right Reseved This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.