أنا أؤمن بأنه توجـد عدالة سماويّة, وأن جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدنيا من مُنغصات انَّ هـو الاّ جـزاءٌ وفاق لِما أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور.ولهـذا يجب علينا أن نستقبلَ كلّ مـا يحـلّ بنـا من آلامِ الحياةِ ومآسيها غير مُتبرّمين ولا متذمّرين , بل قانعين بعدالةِ السماء ونُظمها السامية.

Highlighter
أحبُّ الكُتُبَ حبَّ السُكارى للخمر , لكنَّني كلَّما أزددتُ منها شرباً, زادتني صَحوا
ليس مّنْ يكتُبُ للهو كمَن يكتُبُ للحقيقة
الجمالُ والعفّــة فـردوسٌ سماويّ .
لا معنى لحياةِ ألأنسان اذا لم يقم بعملٍ انسانيٍّ جليل .
اعمل الخير , وأعضد المساكين , تحصل على السعادة .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقـوم بأعمالِ الخير نحـو ألأنسانيّة .
الموتُ يقظةٌ جميلة ينشُدها كل مَنْ صَفَتْ نفسه وطَهرت روحه , ويخافها كلّ من ثقُلت أفكاره وزادت أوزاره .
ان أجسامنا الماديّة ستمتدّ اليها يـد ألأقـدار فتحطِّمها , ثمّ تعمل فيها أنامل الدهـر فتتَّغير معالمها , وتجعلها مهزلةً مرذولة . أمّا ألأعمال الصالحة وألأتجاهات النبيلة السّامية , فهي هي التي يتنسَّم ملائكة اللّه عبيرها الخالد .
نأتي إلى هذا العالمِ باكين مُعولين، و نغادره باكين مُعولين! فواهً لك يا عالمَ البكاء والعويل!
جميعنا مُغترٌّ مخدوعٌ ببعضه البعض.
العدلُ كلمة خُرافية مُضحكة.
أمجادُ هذا العالم وهمٌ باطل، و لونٌ حائل، و ظلٌّ زائل.
لا باركَ الله في تلك الساعة التي فتحتُ فيها عينيّ فإذا بي في مكانٍ يطلقون عليه اسم العالم .
أنا غريبٌ في هذا العالم، و كم احنُّ إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.
الحياةُ سفينةٌ عظيمة رائعة تمخرُ في بحرٍ، ماؤه الآثام البشريَّة الطافحة، و امواجه شهواتهم البهيميَّة الطامحة، و شطآنه نهايتهم المؤلمة الصادعة.
كلّنا ذلك الذئبُ المُفترس , يردع غيره عن اتيانِ الموبقاتِ وهو زعيمها وحامل لوائها , المُقوّض لصروح الفضيلة , ورافع أساس بناءِ الرذيلة .
الحياةُ سلسلة اضطراباتٍ وأهوال , والمرءُ يتقلَّب في أعماقها , حتى يأتيه داعي الموت, فيذهب الى المجهولِ الرهيب , وهو يجهلُ موته , كما كان يجهلُ حياته .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقومَ بأعمالِ الخير نحو الانسانيّة .
المالُ ميزان الشرِّ في هذا العالم .
السعادةُ ليست في المال , ولكن في هدوءِ البال .
كلُّ شيءٍ عظيمٍ في النفسِ العظيمة , أمّا في النفسِ الحقيرة فكلُّ شيءٍ حقير .
الرُّوح نسمةٌ يُرسلها الخالق لخلائقه لأجل , ثم تعودُ اليه بعجل .
الرُّوح نفثةٌ الهيَّة تحتلُّ الخلائق , وكل منها للعودة الى خالقها تائق .
الرُّوح سرٌّ الهيٌّ موصَدْ لا يعرفه الاّ خالق الأرواح بارادته , فمنه أتتْ واليه تعود .
أنا أؤمن بأنه توجـد عدالةٌ سماويّة , وأنَّ جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدُّنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدارٍ انَّ هـو الاَّ جـزاء وفاق لمِا أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور . ولهـذا يجب علينا أن نستقبل كلَّ مـا يحـلُّ بنـا من آلام الحياة ومآسيها غير م
الحرّيةُ منحة من السماءِ لأبناءِ ألأرض .
الموتُ ملاكُ رحمةٍ سماويّ يعطف على البشر المُتألّمين , وبلمسةٍ سحريّة من أنامله اللطيفة يُنيلهم الهناء العلويّ .
ما أنقى من يتغلّب على ميولِ جسده الوضيع الفاني , ويتبع ما تُريده الرُّوح النقيّة .
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
الراحة التامّة مفقودة في هذا العالم , وكيفما بحثت عنها فأنت عائدٌ منها بصفقةِ الخاسر المَغبون .
ليس أللّــه مع الظالم بل مع الحقّ.
ان الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الكاذب.
ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين وغوث الملهوفين والحنو على القانطين , وما أقلَّ تنفيذهم القول.
يظنُّ بعض ألأنذال ألأدنياء أنّهم يُبيّضون صحائفهم بتسويدِ صحائف الأبرياء , غير عالمين بأنَّ الدوائر ستدور عليهم وتُشهّرهم.
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السَّلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
رهبة المجهول شقاء للبشرِ الجاهلين للأسرارِ الروحيَّة , وسعادة للذين تكشّفت لهم الحقائق السماويَّة .
الموتُ نهاية كل حيّ , ولكنه فترة انتقال : امّا الى نعيم , وامّا الى جحيم .
الحياةُ خير معلِّمٍ ومُؤدِّب , وخيرَ واقٍ للمرءِ من الأنزلاقِ الى مهاوي الحضيض .
حين تشكُّ بأقربِ المُقرَّبين اليك تبدأ في فهمِ حقائق هذا الكون .
مَنْ يكون ذلك القدّيس الذي لم تخطرُ المرأة في باله ؟ لو وجدَ هذا لشبَّهته بالآلهة .
المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السُّلطان. و هي تحملُ بيدها سيفاً قاطعاً لو حاولَ رجالُ الأرض قاطبةً انتزاعه منها لباؤوا بالفشلِ و الخذلان .

الدكتور محمد قبيسي

باحث لبناني. نال شهادة الدكتوراه في الإعلام. خبيرٌ بالتوثيق وترميم وصيانة الوثائق والكتب. يُدرِّس في كلية الضباط مادة منهجية البحث العلمي للمجازين في كلية الحقوق. قام بدراسات ومشاريع توثيقية في عدة مؤسسات رسمية وصحفية. وهو عضوٌ في اتحاد الكُتاب اللبنانيين، واتحاد الكُتاب العرب في دمشق والأردن. من مؤلفاته "مراحل التدوين عند العرب"، "عِلم التوثيق والحفظ في الوطن العربي"، "القرآن الكريم: الوثيقة الأولى في الإسلام"، "شعوب وتقاليد: قصص وحكايات" (في جزأين)، "كيف جُمع القرآن الكريم".

 

داهش... الحكمة العظيمة

إنَّ الكتابةَ عن شخصية الدكتور داهش مهمَّةٌ عسيرة لِما تواجهُه من استحالة الإحاطة بالجوانب الغنية المتعددة التي سكنتْ تلك النفس الكبيرة. فالمزايا والصفاتُ الإستثنائيةُ الخارقة التي يجدها الكاتب، أينما توجه في رحاب ذلك التاريخ الأغرِّ الذي أضاءته مواهبُ داهش وطاقاتُه وأقوالُه وأعماله، هي مما يعجز عن الإحاطة به أي كاتب ونحن هنا إذ نحاول، فلن يُخجلنا الاعترافُ بالعجز عن إدراك تلك الأبعاد البعيدة، ولن يُخجلنا أن نقول: إن ما نبذله من جهد وما نقدمه لا يعدو أن يكون فصلاً من سِفرٍ أو غرفةً من نهر.

          إنَّ تلك المزايا والقُدرات الفريدة لشخصية داهش تتكامل كوَحدةٍ في إطار من التجلي ذي وجهين: وجهِ البناء النظري المعرفيِّ الراسخ والديناميكيِّ في آنٍ معًا، ووجهِ الممارسة المستندة إلى ثبات مبدئيٍّ مشتقٍّ من ذلك البناء النظري دون أي تراجُعٍ أو انحراف، مع مرونةٍ مدهشةٍ في التعامل مع الأحداث والمتغيرات، حيث تكون النتائج دائمًا في صالح ما تريدُه وتراه هذه الشخصية الفذة من مصلحة للأمة وللوطن على حدٍّ سواء.

          ولأن الحكمة هي الخلاصةُ لتفصيلات ذلك كلِّه، فإن الكتابة فيها تقع في حدود الصعوبة التي أشرنا إليها. وهي مقاربةٌ للألق لا دخولٌ في الدوهر أو إحاطة به، لأن مثل هذا الدخول أو الإحاطة متعذر فعليصا أمام هذه الشخصية الحكيمة العظيمة النادرة.

          إن كلِّ من عرف الدكتور داهش لمس فيه هذه الشفافية الإنسانية الرقيقة وذلك التواضعَ الجمَّ الأصيل، تعززهما ثقةٌ عاليةٌ بالنفس. إنَّ هذه الثقة الآسرة، وهي أحدُ العناصر السامية التي تكوَّنت منها شخصيةُ داهش منذ بدء تكوُّنها، امتدت أبعادُها واتسعَت جوانبُها لا تستطيع أن تضيف على الطبائع أو تحذفَ منها، في حين أن الطبيعةَ الفذة المميزة هي التي تصنع السلطة، وتصوغ منها الأنماطَ الاجتماعية.

          إنها الأخلاق النبيلةُ السمحة والتواضعُ المعبر عن أصالةِ التكوين وأصالةِ الإعداد. ومن ذلك كلِّه تكاملَت لدى داهش هذه الشخصيةُ العظيمة التي تقوم على قاعدة رائعة من حبِّ الناس ورعاية شؤونهم ومصالحهم، فبادلوه حبًّا بحبٍّ وولاءً بولاء. وتلك هي غاية الحكمة ومبتغاها في نهاية المطاف.

          وإذا كانت هذه الرؤية لمعنى الحياة ومعنى المسؤولية هي إحدى مفردات "الحكمة" بمعناها الكلي، فإن هذه "الحكمة المفردة" تظلُّ صالحةً على امتداد الأزمان واختلاف الأمكنة ما دامت الحياة الإنسانية قائمة، لأن في أساس كينونتها: صراع العدل ضد الظلم، والحق ضد الباطل، والخير ضد الشر... ومن يتعمق في أقوال الدكتور داهش يجد ما لا يُعدُّ من مثيلات هذه المقولة المتضمنة للحكمة ذات المضمون الذي يصحُّ وصفُه بأنه "مطلق" قياسًا إلى عموم الحياة البشرية. وها نحن نعرض نماذجَ من هذه الأقوال الحكيمة الفريدة مع تعليقاتٍ موجزةٍ عليها تبينُ مدى ما فيها من عُمق اتصال بحقائق الحياة البشرية، على تنوعها وتمايُزِ مجتمعاتها وثقافاتها ومشاكلها وطموحاتها وقضاياها.

          إن هذا الفهم العميق للترابط الشديد بين حرية الفرد وقدرته على العطاء، إيجابًا وسلبًا، يبين بعد المدى الذي وصل إليه داهش في فهم طبائع الأفراد والمجتمعات، إذ أطلقَ حكمته لتكونَ دستورًا أزليًّا يُحكم الرابطة بين الحكمة والحكم. فالعدل أساس المُلك، ولا أدَلُّ على فقدان العدل من فقدان الحرية. كما لا يُنتظر العطاء ممَّن فقد حريته.

          ولا تطوُّر لمجتمعٍ رسفَ أبناؤه بالأغلال. وفي مكان آخر يؤكّد الدكتور داهش وُجوبَ انطلاق الكائن الإنسانيِّ من حتمية التغير الذي هو جوهرُ صيرورة الحياة، كما يصمد بجدارةٍ أمام الهزات التي قد تنتابُه أو تُحيق بمجتمعه ريثما تتغير الظروف والأحوال، فيتبدل وضعُه ووضعُ الجماعة التي يعيش بينها من سيءٍ إلى حسن.

          وهنا نجد العِبرة الأساسية التي أرادت حكمة الدكتور داهش أن ترسخها في ذهن المتلقي. هذه العبرة فحواها أن على الإنسان أن يصبَّ جُهدَه المبدع الخلاق بكل أمانةٍ وتفانٍ وإيمان في سياق حركة الحياة المتغيرة، ليجعل التغير نحو الأفضل مستمرًا قدر الإمكان. فالتفاؤل ليس مجرد (وضع نفسيٍّ) عابر، وإنما هو إيمانٌ وصبرٌ وفعلٌ مبدعٌ باتجاه تحقيق الوضع الأفضل للذات وللمجموع.
          فلنتأمل عظمة هذه الحكمة، ومدى ما فيها من عبرةٍ وموعظةٍ تخصُّ بني البشر جميعًا على اختلاف أمكنتهم وعصورهم.

          من يتأمل سيرة داهش، من حيث الشمولية الفكرية والممارسة الأخلاقية وأدواتها ومرتكزاتها، يجد أنه يجمعُ ذلك كله في شخصيته العملاقة التي تتنوع فيها مكوناتُ العظمة الإنسانية بأعلى أشكالها. فهو المفكر، والمنظر الأخلاقي. ولكنه، فوق هذا كله، امتلكَ القدرةُ المدهشة على إدراك أسرار الحكمة، بواطنها وظواهرها، خفاياها وأسرارها، قُدراتها المذهلة على صياغة نظرياتٍ متكاملةٍ في شؤون الحياة ومناحيها. كل هذه القدرة الهائلة من الامتلاك المعرفي والأخلاقي عند الدكتور داهش صاغت الشخصية الحكيمة القادرة على إبداء الرأي الصحيح والوصول إلى النتائج الصحيحة. والحق أن امتلاك هذه الدرجة العُليا من الحكمة والقدرة على التعامل مع مكوناتها جعل من داهش شخصية تاريخية قل نظيرُها في التاريخ الإنساني.

          حين تُمسكُ القلمَ لتكتبَ عن داهش أعظمِ شخصيةٍ لا بد أن ينتابك شعورٌ من الزهوِ والفخار، ليس لأنك تتأمل في أنبل الإنجازات التي تحققت على يده فحسب، بل لأنك تُعايشُه فعلاً وتحيا في عصره الذي يشهد تجذُّرَ فِكرِه وصوابية قرارته، وعظمة حِكمتِه وسُموَّ أخلاقه.

          الكتابة، إذاً، عن الدكتور داهش هي بطبيعة الحال كتابةٌ عن صانع المجد والشرف والمؤسس للمستقبل الزاهر على مدى أجيال كثيرة. والواقع أنه ليثس وقفًا على ما أدهشَ به فحسب؛ فإن عزمه أصلبُ من صخور الجبال التي كأنما قُدَّت منها أرادتُه التي لا تتزعزع، وحِكمتَه أعمقُ من كل الآراء التي عاصرها بثباته على الموقف، ونهجَه أنه الأكبر بلا منازعِ، تهزُّك مواقفُه من الأعماق، لأنها تتجاوب مع الفكر.

          إنَّ الحفاظَ على البقاء البشري هو غاية الحضارة، أما أساسُ الحضارة فهو الإنسانُ عمومًا، والإنسان الفرد على وجه الخصوص والتحديد. ولكن الإنسان الفرد هو، في نهاية الأمر، ابن وطن وابن مجتمع وابن امَّه. والأمم يتمايزُ بعضها عن بعض، وتتميز الواحدة عن الأخرى بمقدار ما يقدم أبناؤها من إسهامٍ في عملية الارتقاء الإنساني، ومن خدمةٍ لتفتح الشخصية الإنسانية وانطلاقها نحو آفاقٍ جديدةٍ من التسامي والسموّ.

          ويُحسُّ المرء، وهو يقرأ هذه العبارات أو يسمعُها، بعظمةِ السموِّ في فكر داغهش وفي أخلاقه ونُبل مقاصده. فنحن في الواقع أمام حالٍ من نُكران الذات قل نظيرُها، وأمام مُثُلٍ وقيم تحدد أنواعًا يندر أن تجد لها شبهًا إلا لدى القلةِ القليلةِ من حُكماء التاريخ وعُظمائه.

          وممَّا يُثير الانتباه والدهشةَ المقرونةَ بالاعتزاز أن كثيرين هم الذين يفكرون بمثالية، لكنها تسقط عند أولِ اختبار لها بالممارسة. أما الدكتور داهش فقد تفوقت ممارساتُه – وهذه أحدُ أسرار عظمته – لتُشكل أفقًا لتجسُّدِ مُثُلِه وقيمه الرفيعة والعظيمة حقًا. فكان هذا التطابقُ المذهل والخلاق والمتفرد بين الفكر والممارسة.

          إن الإحاطة بشخصية داهش تحتاج إلى دراسة طويلة ودقيقة لمسيرة أعماله على كل الصعد. فالقائد المعلم شخصيةٌ متعددةُ الأوصاف والأعراف، يصعبُ على أي كاتب أن يعالجها في كتاب واحد؛ فهو حكيمٌ وماهر، عزَّ نظيره في مواجهة الأحداثن وإنسانيٌّ يلامس شغافَ القلوب في توجهاته وتطلعاته.

          إن وصف الدكتور داهش بأنه "حكيم" هو وصفٌ يليق بأنه عبقري ونادرٌ مثله. فالحكمة كما اتفق على توصيفها، وكما هي بالفعل، مجموعُ السمات العبقرية المتفردة للشخصية الإنسانية في أعلى درجاتِ ارتقائها الفكري والعقلي، سواءٌ كان هذا الارتقاء على مستوى السلوك والمواقف أم على مستوى الفكر والمعرفة والنموع الأخلاقي القيمي في أعمق تجلياته الإنسانية.

          وفي الجانب الروحي من دلالات ذلك التعبير تنبثق قوة الإيمان لديه عندما يتلمس معالِمَ الطريق الصحيح، فيؤكد أن معرفة سرِّ قدرة الخالق في خلق الأرض وما عليها وما فوقها وما تحتها، يؤهل الكائن للتقرب الروحي من عالم السماء. فالعلم يقوانين الخلق هو في ذاته تبعُّد، (وإنما يخشى الله من عباده العلماء) كما قال سبحانه في مُحكَم التزيل. (فاطر: 28).

          إذاً ثمة صراعٌ دائمٌ من أجل إحقاق الحق والعدل وحمايتهما. والحق والعدلُ كلاهما ضمانٌ لكرامة الحياة الإنسانية وشرفها ومهمة بناء الإنسان بناءً مُبدِعًا قائمًا على تفتُّحِ شخصيته تفتُّحًا حرًّا، وهي طريق الانتصار النبيل.

          حين يواجهُ الدكتور داهش منهجه الفلسفيّ التاريخي العلمي، ويدفعُه باتجاه صناعةِ الحاضر بالقدر الذي يكفلُ ضمان ولادة مستقبلٍ مُشرقٍ مُزهر، فإنه بذلك يصبُّ اهتمامه على ما ينبغي أن يكون بالاستناد إلى كليات ما كان، حيث يترابط جوهرث الثقافة مع ما هو جوهري في الثقافات الإنسانية كلها. المجتمعُ والفردُ هما دائمًا في صُلب هذه العملية الواقعية؛ فلا بد منهما لتحقيق الترابط وإنجاز مقوماته كافة.

          لقد شاهد الدكتور داهش إفلاسَ الأنظمة الجائرة التي ترزح تحت أثقالها البشريةُ، شيوعيةً كانت أم رأسماليةً أم دكتاتورية... كلها بدون استثناء، فأراد وهو المشترعُ الإنسانيُّ العودة إلى الديموقراطية السمحاء المبنية على أخلاق الفرج والمجتمع، والمنبثقة من سُننِ السماء وشريعتها والتي أنبتَت ثمارًا رائعةً وحكمةً وجهودًا عادلةً كجهودِ أبي بكر وعثمان وعليّ...

          إننا في الحقيقة ننظرُ إليه على أنه فيلسوف حكيمٌ نظرَ إلى الإنسان فشاهد تعاسته وشقاءه. هذا الشقاءُ يأتي بسبب جهله لمصيره. لذلك أراد أن يُذكر الإنسان بخلود الروح. أما الحياة الأرضية فهي مرحلةٌ قصيرةٌ آيلةٌ إلى زوال، والحياةُ الحقيقيةُ تبدأ بعد الانتقال من هذا العالم؛ فالروحُ باقيةٌ... خالدة.

          من أقوال الدكتور داهش إن من أسباب الحروب التكالبَ على المال وعلى المقتنيات، وطمعَ الإنسان بما عند سواه؛ وهذا ما يُسمُّونه الاستعمار والاستثمار. وهو يسمِّي كل ذلك انهماكَ الإنسان بالمادة، وابتعاده عن الروح، ويرى أن المادة وحدَها تجعلُ البشرَ بمُستوى الحيوان وربما أدنى قليلاً، في حين أن الروحانيات تجعلُ الناس يرتقون إلى عالمٍ أسمى، كلُّه سعادةٌ ونعيم. إذن يجب أن نعودَ بالناس إلى الروحانيات.

          وكمجاهدٍ كبيرٍ ننظرُ إليه؛ شاهدَ تنافرَ الأديان وتفاوتَ المذاهب وتضاربَ الآراء الفلسفية، فأراد أن يجمعَ كلمةَ الشعوب وقلوبَها حول الكتبِ المُنزلة في جوهرها الأصلي، وحول القرآن خاتم الوحي والإلهام... لقد كان داهش من الرجال الذين يحملون مسؤوليةَ شقاءِ الإنسانية، وكان الواجبُ الإنسانيُّ يدعوه إلى خوض معركةِ الحق وأداءِ الرسالة. فمذ بدأ يفكر، أخذ يهتمُّ بهذه الناحية، ناحيةِ إصلاح البشر...

          المسألةُ ليست مثلما يُظنّ. إنها مسألةٌ صعبةٌ جدًا، إذ إنّ إدخال التعاليم الروحية إلى الأذهان غايةٌ في الصعوبة. ربما كان ذلك سهلاً في الماضي، أما اليوم فأصبح صعباً. أفكارُ الناس تغيَّرتْ، ودرجةُ وعيهم اختلفت. والمبشرُ ينبغي أن يأتي بهذه التعاليم من باب العلم لكي يتم الإصغاءُ إليه. والدكتور داهش خاض المعركة بكلِّ ما فيها من الأخطار، وأراد أن يعودَ الناس إلى الروحانيات بأدلةٍ وبراهين يقبلها العقل ولا تصطدمُ مع العلم. فهو، بواسطة علومة الروحية، عرف السارقَ وأرشدَ إلى مكان المال المسروق... فاسترده. هذا ما رواه شقيقُ الشخص الذي سُرِقَ منه المال.

          يرى الدكتور داهش أن "النبي هو الذي غرضُه في الحياة إنقاذُ الحق من بين أنياب الباطل. وبقدر ما ينصرف إلى هذه المهمة ويضحي في سبيلها ويثبتُ أمامها، تكون نبوتُه أعظم. وإن كل حركةٍ يقوم بها الإنسان دفاعًا عن الحق وغيرةً عليه، سواء كانت قولاً أو فعلاً أو فكرصا، هي كركةٌ فيها شيءٌ من روح النبوة".

          كلُّ الأنبياء الذين ظهروا كانوا يحملون أغراضًا نبيلة. وإذا اختلفوا في تعاليمهم، من بعض النواحي، فذلك مردُّه إلى اختلاف العصور والظروف؛ فلكل عصرٍ حُكمُه. ولو قُمنا بجمع تعاليمهم، لأمكننا أن نستخرج منها عقيدةً روحيةً جديدة تكفلُ للإنسان سعادتَه، وتعملُ على محوِ كل الفوارق بين الإنسان وأخيه الإنسان. وعند ذلك فقط يعمُّ السلام والرخاء، وتنسى القلوبُ أحقادَها، وتذهبُ الضغائنُ الموجودةُ فيها.

          هذا غيضٌ من فيضِ تعاليم الدكتور داهش... وكان الرجُلُ سائرًا في جهاده ينتقل من فوزٍ إلى فوز، لكننا لم نستطع فهمه ولم نقدره. لو أن أحد رهبان فرنسا جاء بهذه التعاليم لكنا قدرناه؛ أو لو أن داهش كان مبشرًا إنكليزياً أو أمريكياً، لتقلينا تعاليمه، من دون إعمال الفكر ولو للحظةٍ واحدة، بالرضا والقبول؛ كنا تلقيناها، وكانت أثارت أعجابنا.

Developed by WARM Studios        Copyright 2017 This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.nfo All Right Reseved This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.