أنا أؤمن بأنه توجـد عدالة سماويّة, وأن جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدنيا من مُنغصات انَّ هـو الاّ جـزاءٌ وفاق لِما أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور.ولهـذا يجب علينا أن نستقبلَ كلّ مـا يحـلّ بنـا من آلامِ الحياةِ ومآسيها غير مُتبرّمين ولا متذمّرين , بل قانعين بعدالةِ السماء ونُظمها السامية.

Highlighter
أحبُّ الكُتُبَ حبَّ السُكارى للخمر , لكنَّني كلَّما أزددتُ منها شرباً, زادتني صَحوا
ليس مّنْ يكتُبُ للهو كمَن يكتُبُ للحقيقة
الجمالُ والعفّــة فـردوسٌ سماويّ .
لا معنى لحياةِ ألأنسان اذا لم يقم بعملٍ انسانيٍّ جليل .
اعمل الخير , وأعضد المساكين , تحصل على السعادة .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقـوم بأعمالِ الخير نحـو ألأنسانيّة .
الموتُ يقظةٌ جميلة ينشُدها كل مَنْ صَفَتْ نفسه وطَهرت روحه , ويخافها كلّ من ثقُلت أفكاره وزادت أوزاره .
ان أجسامنا الماديّة ستمتدّ اليها يـد ألأقـدار فتحطِّمها , ثمّ تعمل فيها أنامل الدهـر فتتَّغير معالمها , وتجعلها مهزلةً مرذولة . أمّا ألأعمال الصالحة وألأتجاهات النبيلة السّامية , فهي هي التي يتنسَّم ملائكة اللّه عبيرها الخالد .
نأتي إلى هذا العالمِ باكين مُعولين، و نغادره باكين مُعولين! فواهً لك يا عالمَ البكاء والعويل!
جميعنا مُغترٌّ مخدوعٌ ببعضه البعض.
العدلُ كلمة خُرافية مُضحكة.
أمجادُ هذا العالم وهمٌ باطل، و لونٌ حائل، و ظلٌّ زائل.
لا باركَ الله في تلك الساعة التي فتحتُ فيها عينيّ فإذا بي في مكانٍ يطلقون عليه اسم العالم .
أنا غريبٌ في هذا العالم، و كم احنُّ إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.
الحياةُ سفينةٌ عظيمة رائعة تمخرُ في بحرٍ، ماؤه الآثام البشريَّة الطافحة، و امواجه شهواتهم البهيميَّة الطامحة، و شطآنه نهايتهم المؤلمة الصادعة.
كلّنا ذلك الذئبُ المُفترس , يردع غيره عن اتيانِ الموبقاتِ وهو زعيمها وحامل لوائها , المُقوّض لصروح الفضيلة , ورافع أساس بناءِ الرذيلة .
الحياةُ سلسلة اضطراباتٍ وأهوال , والمرءُ يتقلَّب في أعماقها , حتى يأتيه داعي الموت, فيذهب الى المجهولِ الرهيب , وهو يجهلُ موته , كما كان يجهلُ حياته .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقومَ بأعمالِ الخير نحو الانسانيّة .
المالُ ميزان الشرِّ في هذا العالم .
السعادةُ ليست في المال , ولكن في هدوءِ البال .
كلُّ شيءٍ عظيمٍ في النفسِ العظيمة , أمّا في النفسِ الحقيرة فكلُّ شيءٍ حقير .
الرُّوح نسمةٌ يُرسلها الخالق لخلائقه لأجل , ثم تعودُ اليه بعجل .
الرُّوح نفثةٌ الهيَّة تحتلُّ الخلائق , وكل منها للعودة الى خالقها تائق .
الرُّوح سرٌّ الهيٌّ موصَدْ لا يعرفه الاّ خالق الأرواح بارادته , فمنه أتتْ واليه تعود .
أنا أؤمن بأنه توجـد عدالةٌ سماويّة , وأنَّ جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدُّنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدارٍ انَّ هـو الاَّ جـزاء وفاق لمِا أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور . ولهـذا يجب علينا أن نستقبل كلَّ مـا يحـلُّ بنـا من آلام الحياة ومآسيها غير م
الحرّيةُ منحة من السماءِ لأبناءِ ألأرض .
الموتُ ملاكُ رحمةٍ سماويّ يعطف على البشر المُتألّمين , وبلمسةٍ سحريّة من أنامله اللطيفة يُنيلهم الهناء العلويّ .
ما أنقى من يتغلّب على ميولِ جسده الوضيع الفاني , ويتبع ما تُريده الرُّوح النقيّة .
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
الراحة التامّة مفقودة في هذا العالم , وكيفما بحثت عنها فأنت عائدٌ منها بصفقةِ الخاسر المَغبون .
ليس أللّــه مع الظالم بل مع الحقّ.
ان الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الكاذب.
ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين وغوث الملهوفين والحنو على القانطين , وما أقلَّ تنفيذهم القول.
يظنُّ بعض ألأنذال ألأدنياء أنّهم يُبيّضون صحائفهم بتسويدِ صحائف الأبرياء , غير عالمين بأنَّ الدوائر ستدور عليهم وتُشهّرهم.
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السَّلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
رهبة المجهول شقاء للبشرِ الجاهلين للأسرارِ الروحيَّة , وسعادة للذين تكشّفت لهم الحقائق السماويَّة .
الموتُ نهاية كل حيّ , ولكنه فترة انتقال : امّا الى نعيم , وامّا الى جحيم .
الحياةُ خير معلِّمٍ ومُؤدِّب , وخيرَ واقٍ للمرءِ من الأنزلاقِ الى مهاوي الحضيض .
حين تشكُّ بأقربِ المُقرَّبين اليك تبدأ في فهمِ حقائق هذا الكون .
مَنْ يكون ذلك القدّيس الذي لم تخطرُ المرأة في باله ؟ لو وجدَ هذا لشبَّهته بالآلهة .
المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السُّلطان. و هي تحملُ بيدها سيفاً قاطعاً لو حاولَ رجالُ الأرض قاطبةً انتزاعه منها لباؤوا بالفشلِ و الخذلان .

الدكتور سلوى الخليل الأمين

أديبة لبنانية ورئيسة "ديوان أهل القلم" في بيروت. حازت الدكتوراه في الحضارة العربية من جامعة بروكسل الحرة (بلجيكا) في العام 1986. عضوٌ مؤسس ومشارك في عدة جمعيات أدبية واجتماعية. شاركت في ندوات ومؤتمرات وأمسيات شعرية وأدبية وفكرية في لبنان وخارجه، ومثلت وزارة السياحة في عدة مؤتمرات دولية ومحلية. لها كتاباتٌ نثرية وشعرية وأبحاثٌ نُشِرت في غير مجلةٍ وجريدةٍ وألقيت من على المنابر الثقافية في لبنان والعالم العربي والغربي، فضلاً عن مقابلاتٍ صحفية وتلفزيونية وإذاعية كثيرة في لبنان وخارجه. نالتْ عدة ميداليات ودروع وشهادات تقديرية. من مؤلفاته: "ترانيم من بقايا الصمت" و"قطوف من ليل الواحات".

 

حين يتكلم العقلُ الداهشي

يتحرك صوتُ الله... والضمير

حين تعرضُ الزمن الغابر، لا بد من التريث عند بعض المحطات، خصوصًا إذا ما كانت تلك المحطاتُ مثقلةً بمواقف الرجال الذين يضخون للمستقبل المواقف المعرفية الروحانية المطبوعة بغزارة البحث العلمي الفكري العقلاني، والمتدرج على منعطفات الحياة برؤية ثاقبة، هدفها نهضوي تنويري يشد الإنسان إلى حالات الوعي المعرفي، وإلى موطن الضعف والقوة في تراكيبه العقلية والنفسية، بهدف مؤانسة الحياة بطرقٍ سوية تختفي عثراتها في مندرجات الإرادة القادرة على مجابهة الصعاب والمعوقات، حين تنثالُ حِممُ براكينها أتُّونَ نارٍ يحرقُ كل مَن لا يستوىي على عرش المعرفة الحقة المُمسكة بحيثيات الحياة والموت، والقدر... وحقيقة الوجود.

          الدكتور داهش واحدٌ من أولئك القِلَّة القادرني المقتدرين الذين آمنوا بالعقل نبراسَ هدايةٍ وانفتاحَ أنوار، تُضيءُ كلَّ الصفحات، عبر تفاعُلِه في ميادين السلوك اليومي العملي الاجتماعي. لذا لهَجتِ الألسُنُ في زمانه بخوارق عقله القادر على الفعل التأملي الروحاين بروحانية شفيفةٍ صافية تماهت بصفاء نفسٍ لا تعرفُ الزيف ولا حبك الأباطيل، بل على خلقِ حالةٍ من تجحليات استنفار الطاقة الإنسانية الروحانية السامية كي تجد سبيلها الآمن في الحياة انطلاقاً من شفافيةٍ في الحواس المتحركة ضمنًا بقدرةٍ ربانية تثبتُ حضور الذات في الواقع الدنيوي، إثباتًا لدور القيم المتفاعلة إبجابًا بالعمل على الحفاظ على دورها السامي القابل للحياة، من خلال تبيان أهمية الذات الروحية وتلازُمها مع واقع الحياة عبر حضورٍ إيجابي يتفاعل صُعدًا مع تموجات الذات الواعية المدركة، المُمسكة بطبقات الزمن المتغير عبر الحركة والتجاذب، حيث الإنسانُ بينهما هو القادر على ترسيخ عملية النشوء والارتقاء.

          هذه المشهديات بل الأفعال التي كان يحركها الدكتور داهش أمام زواره بعقلٍ واعٍ، ظنها الناس، كل الناس، من أعمال السحرة الذين يتقنون الخفة والشعوذة، متجاهلين قدرة الإنسان على التفاعل مع عطيةِ الخالق، ميزته الأولى السامية التي ميزه بها الله عن سائر خلقه... ألا وهي العقل، بحيث تتمُّ من خلاله يقظةُ الفكر الدائمة للتعاطي مع الناس والعالم من حولهم، بحضورٍ متميز، عبر مستوياتٍ مختلفة من انعكاساتِ الوعي المعرفي الروحاني، المجبول بطاقةٍ جبارة على إقامة الفعل المدرك بتراكيبه المختلفة.

          لقد أدهش الدكتور داهش الناس في بيروت وعبر العالم، في زمنٍ كانت وسائلُ الإعلام المرئية غير َ موجودة، وكانت وسائل الإعلام المقرةءة والمسموعة لا تصل إلى كل الناس، ولا حتى إلى كل المناطق اللبنانية. ومع هذا، فقد عمت سيرتُه الأماكن والمطارح والمجالس الفكرية والاجتماعية وحتى السياسية، فأنس به أهلُ الفكر والقلم ورجالاتُ العلم، وباتوا متحركين مع دوران عقله المفتوح عبر كل الاحتمالات. أما رجالات السياسة الذين هم كالزمن المتغير المتبدل باستمرار، فقد أخافتهم وأرعبتهم أرياحُ العقل وروحانياته السماوية، الهابطة من علُ على صفاء نفسٍ بشرية منحها الخالقُ نعمة هداية البشر عبر فعل المعجزات التي تحدث عنها كثيرون من رجالات العلم والفكر، فبات الدكتور داهش عنوانًا كبيرًا لحركةٍ ثورية نهضوية، هدفها الصالح العام لبني البشر. لهذا انتشرت الداهشية بين الناس بسرعة البرق؛ الأمر الذي جعل انتشارها بين طبقةت المتنورين من أهل العلم يشكل حالةً خطرةً على أهل السياسة ورجال الدين أيضًا، بحيث فعلت فعلها من اجل حياكة مساراتٍ تبشيرية حضارية نابعةٍ من الشرائع السماوية التي تدعو إلى وحدة الأديان عبر التعمق في مضامينها الرسولية الهادفة إلى تنشيط حركةِ الوعي عند الناس، من خلال خروجها إلى خارج الأسوار المغلقة والمتحجرة، خصوصصا تلك التي كانت تُحرم على المرأة الجهر بتطلعاتها الفكرية والأدبية وحتى الاجتماعية. لذا حاربَ أهلُ السياسة في لبنان الداهشية، عبر مُعاقبة الدكتور داهش الذي أقلقهم بنظرياته التوحيدية الإيمانية ومعجزاتعه الخارقة، فتم إصدارُ الحُكم بنفيه خارج البلاد.

          كنتُ قد عرفتُ الدكتور داهش من خلال ما حدثتني به والدتي الشيخة مريم الفقيه، ابنةُ العلامة المجتهد الأكبر الشيخ يوسف الفقيه العاملي (قُدس سره) الذي كان رئيس محكمة التمييز الجعفرية التي اعتبرت أعلى مركز ديني إسلامي شيعي على الساحة اللبنانية يومذاك؛ ذلك أنه، بعد استقلال لبنان، اتفق أركانُ الطائفة السنية والشيعية في لبنان على أن تكون رئاسة دار الفتوى للمسلمين السنة، ولهذا حمل كل من تولى هذا المركز لقب "مفتي الجمهورية اللبنانية"، ولا يزال.

          لقد كانت الوالدةُ على معرفةٍ بأعمال الدكتور داهش، لهذا سعَت لزيارته مع صديقاتها، شأنها شأن كثيراتٍ من نساء بيروت المتميزات، آنذاك بسعة الأُفق والإدراك وحبِّ المعرفة. وقد قصت عليَّ وعلى أخواتي حكاية الدكتور داهش. كنا صغيرات، لم نستوعب يومها ما أختبرتنا به، إلى أن كبرتُ وباشرتُ الاطلاع على أماكن الفكر في بيروت. واتفق، في إحدى جولاتي في معرض الكتاب الذي كان يُقام سنويًا في القاعة الزجاجية في وزارة السياحة اللبنانية في منطقة "الحمراء"، أن لفتني الركنُ الخاصُّ بمنشورات الدكتور داهش. وقفت أتأمل الكُتُب الموقعة باسمه وأنا على عجب من الأمر. وقبل أن تتراكم الأسئلةُ في رأسي، اندفعتُ بحشرية اسألُ المسؤول عن المنشورات الداهشية كيف ظهرت هذه المنشورات التي اختفى ذِكرُ صاحبها بعد نفيه من الوطن! وأصابتني الدهشة حين علمتُ أنه لم يمت منفيًا، كما ظنتْ أمي، أو كما شاع الخبر يومذاك.

          قبل أن أقصَّ ما حصل مع الوالدة عند الدكتور داهش، لا بد من التذكير بأن مركز جدي الديني والرسمي والاجتماعي المميز جعل كل ساسة البلاد من كل الطوائف يؤمُّون دارته في برج أبي حيدر في بيروت، للتباحث والتشاوُر وتبادُل الرأي في شؤون الناس. من هؤلاء الزعيم أحمد الأسعد والزعيم صبري حماده وغيرُهم من زعماء بيروت ووُجهائها.

          وقد انعكست هذه اللقاءات علاقاتٍ وُدية بين النساء أيضًا، فكانت والدتي على صلةٍ مع نظيراتها من نساء آل الصلح والجارودي والبارودي والأسعد وحماده وغيرهم.

          وكعادة النساء حين يقمن استقبالاتهن الدورية الأسبوعية، كن يتحدثن عن ذاك الرجل الذي يُدهش بما يُقال عنه من أنه يقوم بأفعالٍ خارقة لا يستطيعها إلا من أوتي من العلم عتيًا. يومها اتفقت والدتي مع سيدة من آل حماده وسيدة من آل البارودي على القيام بزيارةٍ استطلاعية للدكتور داهش. ذهبنَ إليه، وكان منزله، كما أذكر، في محلة النويري في بيروت. دخلن المنزل، وكان بناءً على الطراز القديم، تتوسطه صالة واسعة. جلست السيدات في طرف القاعة، ثم دخل عليهن الدكتور داهش سائلاً عن مغزى الزيارة. بعدما عرف قصد النساء، قال: "لِتحمل كل منكن ورقةً بيضاء، وتكتبْ عليها ما تشاء، ثم تلفها والقلم، وتضعها على أُذنِها وتهمس: أُريدُ الجواب". قُمنَ بما توجه به اليهنَّ. عندئذٍ قال لهنَّ: "فلتفتح كل واحدةٍ منكن ورقتها". وشد ما كانت دهشتهن عظيمة حين وجدن الجواب بخط يده مكتوبًا في أسفل الورقة... عدا والدتي التي كانت ورقتُها بيضاء. وقبل أن تنبسَ ببنتِ شفة، ضحك وسألها: "ورقتُك بيضاء، اليس كذلك؟" حتى إن السؤال الذي كتبته بخط يدها لم تجد له أثرًا. ثم قال لها: "أعيدي الكرة، واكتبي ما تشائين، فستجدين الجواب." وفعلاً وجدت الجواب. ثم قال للسيدة البارودي: "أعطيني القرشَ المثقوب الموجود ف قعر جزدانك." 1 فتحتِ الجزدان وهي مرتبكة، فأردف قائلاً: "القرش موجودٌ في الجهة اليسرى من جزدانك." وجدته، ورمته إليه حيث كان جالسًا قُبالتهن في الجهة الأخرى من القاعة الممتدة طولاً. حكَّ القرشَ المثقوب بأنامله، ثم أعاده إليها رميًا. فتلقفته، فإذا هو ليرةٌ ذهبية عثمانية ضُربت في عام كذا وكذا. عندئذٍ دبَّت الفرحة مع الإعجاب من النساء لرؤية الذهب، لكنها استدرك قائلاً لهنَّ: "سيعود إلى أصله المثقوب بعد قليل. لو أردتُ لملأتُ هذا القاعة ذهبًا! لكن لا يمكن أن أفعل شيئًا مخالفاً لِما شاء الله."

          هنا بيتُ القصيد من كل ما ذكرتُ، ومن كل ما بقي ساكنًا في ذاكرتي، عن داهش المُدهِش الذي لم تنتهِ سيرتُه بانتهاء نفيه من قبل المسؤول السياسي في ذاك الوقت؛ والقصة متداولة ومعروفة كما روتها لنا أمي فيما بعد، خصوصًا أنها كانت تسجل إعجابها الدائم بقدرة الدكتور داهش ، وهي الشاعرةُ القارئة المتمكنة من بواطن العقل، والمتماهيةُ

----------------------------------------------

1 كانت القروشُ المثقوبة من العملة المتداولة في لبقنان يوموذاك.

------------------------------------------

مع مؤلفات الشاعر حليم دمُّوس الذي أدخلته إلى عقولنا تربية فكرية معرفية. كذلك كان كتابُ "ضجعة الموت" للدكتور داهش رفيقها الدائم بعد الزواج الذي حتم وجودها خارج بيروت، في منطقة الجنوب اللبناني حيث وسائلُ الاتصال ليست على حجم ما هي عليه اليوم من التطور التكنولوجي المتقدم.

          أذكرُ حادثة أخرى وقعت حين كنتُ في التاسعة من العمر. حملتني والدتي يومًا إلى عيادة الدكتور خبصا في بيروت بسبب حالةٍ مرضية ألمت بي؛ ولم أكن أعرفُه إلا بهذا الاسم. سألته عن الدكتور داهش وهل صحيح أنه مات، أجابها بصوتٍ خافت: "لا أعلم." وكانت تكرر زياراتها للدكتور جورج خبصا، ومن ثم للدكتور شمس، وأنا رفيقتها الدائمة، والحجة معالجة الطفح الجلدي الذي أصبتُ به بسبب اللعب المتواصل تحت أنوار الشمس القوية خلال عطلة الصيف؛ وهو ما يُشبه حاليًا عملية "البرونزاج" التي تتباهى بها النساءُ في هذه الأيام. وبما أن الأمر لم يكن من الأهمية التي تستدعي هذه الزيارات المتكررة، فقد أدركتُ مؤخرًا رغبة الوالدة في زيارة الدكتور جورج خبصا لاستفساره عن مصير الدكتور داهش. فلربما كانت مؤمنة سرًّا بالداهشية، ولاسباب عائلية تربوية محافظة لم تجهر بالأمر؛ ذلك بأن والدها كان في موقع ديني متميز، فضلاً عن أن التقاليد والأعرف في ذاك الزمن كانت تمنعُ على المرأة الحراك إلا من خلال قوامة الرجل المفروضة أمرًا واقعًا عليها. لكن بعد أن قرأت مؤلفاتِ الدكتور داهش، وما كُتب عنه، خصوصاً بقلم العلامة الشيخ عبد الله العلايلي، أظنُّ أن والدتي كانت داهشية بالفعل، خصوصًا أنها امرأة متعلمة ومثقفة وكثيرةُ الاطلاع.

          وأنا، اليوم، على تواصل جديد مع الدكتور داهش من خلال مؤلفاته المتعددة، أستعيد تلك الذكريات، فتسعدني. لكن ما يؤسف له وأودُّ الجهر به هو الآتي: لماذا يخاف القادةُ في بلادي من أبنائهم المبدعين؟ هل الوصول إلى المراتب العليا من الإدراك الروحاني الشفيف تهمةٌ يعاقب عليها القانون؟ وكيف للبشرية أن تتطور وتتقدم إذا تم الحرص على الانغلاق والتقوقع والعيش ضمن دوائر لا ينسلُّ منها الضوء مطلقاً؟ وهل امتدادات التطور المعرفي خطيئةٌ لا تغتفر؟

          هنا يتماهي الفعل المدرك، حين تُخولُ حالاتُ الاستشراف المعرفي الإنسان القادر على رصد الحقيقة أن يتعاطى مع حوليات الزمان والمكان، وفكرة الوجود وأبعاده وتفاصيله المتجلية ضمن القوانين المدنية والدينية، عبر قُدرته على لجم الاضطرابات الذهنية والنفسية، من خلال بعث السلام الحقيقي والاطمئنان الفعلي في نفس الإنسان وذاته القادرة على التجلي.

          لهذا، وبينما أنا أقرأ مجددًا ما قاله العلامة عبد الله العلايلي في الدكتور داهش – وهو الذي لا يستطيع أحدٌ مهما علا شأؤه وشأنه التسرب إليه بحالةٍ من الشك، أو الإشارة إليه بنقصٍ في المعرفة أو الوعي – فضلاً عما قاله الإعلامي لطفي رضوان، رئيس تحرير مجلة "المصور" المصرية سابقً، وما آمن به الأديبُ الكبير حليم دمُّوس والدكتور جورج خبصا والسيدة ماري حداد وغيرهم وغيرهم من أصدقاء الدكتور داهش وزواره الذين وصلوا إلى المراتب العليا في قنص المعرفة والعلم، أُقِرُّ بأن هؤلاء الناس من أعلام الفكر والعلم واليقظة المعرفية لا يمكن أن يستسلمو للداهشية عن عبث – لهذا أسأل: هل يبقى الشك وسوءُ الظن، ساعتئذٍ، مرسومين ضمن دوائر القلق المفرط في عشوائية التفكير؟!

          هنا لا بد من وُضوح الرؤيثة، وذلك حين يكونُ الرسمُ بالكلمات هو المنطلق لتأكيد حالةٍ علمية روحانية حاولتْ أن تغير وتبدل في حياة الناس، لتأخذ بيدهم إلى حدود يقظة النفس، عبر لمعات التحولات الفردية والاجتماعية، وحتى الإنسانية، بهدف الإصلاح الذي أراده الدكتور داهش نوراً يسكنُ المطارح قبل القلوب ومُهجِ الصدور؛ لأن فعل الإنسان، على وجه الخليقة، فعلُ إيمانٍ بقدرةٍ ربانية أعطته رحابة الغب من كنوز المعرفة الأسمى من أجل التواصل مع الحياة الأرقى والأنقى... و الأفضل.
          هنا تتماهى التساؤلات المختلفة: تُرى لماذا يقهرُ الإنسان نفسه في الدخول إلى الحياة المادية ونزعاتها المدمرة المهلكة؟ تُرى، لو انطلق المرءُ إلى رحاب النفس الروحانية المتفانية في العطاء السمحِ، كما فعل الدكتور داهش، أما كان الفعلُ الأقوم والأسلم لسلام البشرية جمعاء من ويلات الحروب ونزعاتها الشريرة هو الحل الأنسب والأضمن؟ أما كان الهروبُ من حالات الفقر المُدقع وآلامه القاهرة، ومن الموت الفجائيِّ المجبول بأمراضٍ تُهلك العافية وتُبلي الجسد، ومن دوامه السعي وراء الرزق الذي يؤمن العيش الهنيء للإنسان، أسلمَ وأنفع؟

          لقد أراد الدكتور داهش، كما ترأءى لي من خلال ما قرأتُ له وما قرأتُ عنه، التماهي مع بني البشر كي يرفع عنهم العبودية والاستعباد، والخضوع المطلق لشكليات السلطة والمال. لهذا أطلق العنان لأفكاره التنويرية الملونة بالعدالة الاجتماعية، والحب، والتسامح، والغفران، انطلاقاً من مسارٍ ودودٍ ينبذُ الشر، ويزرع الخير في جنبات الوطن عقيدة عمل جهاديةً من أجل الوطن والمواطن على حدِ سواء، بغض النظر عن المصالح الخاصة الشخصيانية الذاتية؛ وهذا ما حدا به إلى القول: "لو أردتُ لملأت هذه القاعة ذهبًا!"

          من جملة ما قرأته عنه، وهو الصحيح بشكله والمضمونن ما خطه قلمُ المحامي حسني أبو ظهر حين قال: "كل عظيم في الدنيا ينقسم الناس فيه إلى قسمين. ولو لم يكن داهش عظيمًا وعبقريًا، لما اختلف فيه الناس، ولما أحدث هذه الضجة الهائلة". هذا القول يؤكد لي مقولة "لا نبي في قومه." والأمثلة على ذلك كثيرة منذ عهد الأنبياء الأول مرورًا بالمسيح عيسى بن مريم والفرنسيين ويهوذا الذي باعه بثلاثين من الضفة، إلى النبي الأكرم محمد بن عبد الله الذي ناهض دعوته أبناءُ عشيرته وقبيلته الأقربون وكان ما كان من هجرته ومخبئه الأول في "غار حراء".

          أزيدُ لأؤكد أن الكلمة الحرة الواثقة النصوح والرأي السديد لا مكان لهما تحت ضوء الشمس في وطني لبنان اليوم وقبل اليوم، وحتى على سطح المعمورة كلها الملونة بصراع البقاء، وبحُكم القوي للضعيف، فكيف في ذاك الزمن الذي عاش فيه الدكتور داهش بين أساطينَ من أهل السياسة المتحذلقين الخائفين على كراسيهم ورُتبهم ومراتبهم ومخلفاتهم، أُولئك الذين حملوا نظرية الاستئثار بالسلطة واستعباد الناس: سلطة حاكمة متحكمة ما زالت أشكالُها سارية المفعول حتى عصرنا الحاضر. لهذا بقي الدكتور داهش المسالمُ في آرائه ومعتقداته الربانية الموحدة الواقف الوحيد مع مريدية بقوةٍ ضد أخطاء الحكام بعبقريةٍ فذة ما عرفت التواءات الضمير، مؤسسصا بذلك لمساراتٍ إنسانية يعلو الحق على مراتبها، ولا تنوءُ مفاهيمها بأثقال الباطل، بل تدحضُه وتتصدى له عب مناشير تُقرأ يوميًا، فتقلق السلطة الحاكمة. وكان همّثه الأوحد من كل ذلك تعميم الإصلاح الجيد والمفيد بين الناس، في حين أن من حاربوه من أرباب السلطة كان همهم زرع الشقاق والنفاق والاسترزاق اللامسؤول المطعم بالفساد في قلب الوطن، بهدف إغراق المواطن في جحيم الجهل المؤدي إلى التبعية المطلقة التي تبني الرتب والمراكز لقبلية تنعم بخيرات البلاد بعيدًا عن مواطجن المعرفة والحس الوطني التي تُعلي مداميك المجد للوطن. لهذا كُثر مناصرو الدكتور داهش ومؤيدوه بين المفكرين والأدجباء والمتنورين من أبناء لبنان والعالم العربي والغربي، وما زالت الداهشية قائمة حتى اليوم؛ وهذا دليلٌ واضح على عمق استدراراتها وأبعادها وحيثياتها المقنعة، خصوصًا وسط هذا العالم المتهالك فوق أديم صراع البقاء، مُهلكًا بعضُه بعضًا، دون أي اعتبار للمبادئ الخلقية والإنسانية التي نادت بها الشرائعُ السماوية كلها، وحتى القوانين الوضعية دون استثناء.

          تُرى لو وقف الزمانُ عند حدود التنافُس الحر، بعيدًا عن حالة القتل المر والمدمر التي دكت أسافينها بين الأخوين قايين وهابيل منذ بدء الخليفة – تُرى أكنا على ما نحن عليه اليوم من تطور وتقدم وارتقاء مفاهيم؟ كلنا يعلم أن الرسل والأنبياء والفلاسفة والعلماء وأهل المعرفة والتنوير هم أوتادُ الأرض التي ثُبتت أسسها، وارتفعت أبراجها، وتهادت راياتها؛ وهم الذين أرسو للبشرية مداميك تقدمها وتطورها اانبعاث حضاراتها. ولا غرو أن يكون الدكتور داهش أحد الدعاة المصلحين الداعيين لصلاح النفس توصلاً إلى صلاح المجتمع، عبر ثورةٍ روحانية بيضاء استصرخت الضمائر المؤمنة في سبيل التآخي بين الناس من اجل بناء الوطن السليم المعافى، ومن اجل بناء إنسانه الودود، المقبل على العمل بنفسٍ قابلةٍ للعطاء دون مشنة، بل عبر التضحيات من اجل الصالح العام والخير المفيد، ضمن حركة بشرية إنسانية تُسقط مفاهيم الربح والخسارة... ومقولة: "من أين لك هذا؟"

          لقد آمن الدكتور داهش، فعلاً، بما تراءى له من حقائق الأمور التي لا تُسيء إلى الإنسان أياً كان، وإلى أية عقيدة انتمى؛ وبقي المؤمن بالله الواحد الأحد الفرد الصمد، لا تغره الدنيا بمشهدياتها الملونة والمتلونة لثقةٍ عميقةٍ بما منحه الخالقُ من روحانية صافية شفيفة مكَّنته من اختراق العقول الجادة التي اخلصت له، وأيدته بجرأةٍ وصبرٍ برغم كل المتاهات التي أسبغت تلاوينها المؤذية نفيًا واضطهادًا عبر كل الحقب المتتالية، والتي مكنت النخب الواثقة برؤاه وسعَةِ فكره واطلاعه الروحاني من أن تحمل أفكارَه رسالةَ قيم ومبادئ، استوت تحت العنوان الكبير "العقيدة الداهشية" التي هي رسالةُ محبةٍ مثاليةٍ في طروحاتها وأفعالها وألقها المتفاعل البارز عبر العالم حتى اليوم.

          هذا ما قرأته عنه، عن دعوته إلى وحدة الأديان المنزلة في إلهٍ واحدٍ أحد، إذ كان يقول: "إن الإسلام... دينُ القوة مع العدل والمساواة، والمسيحية الحقة... دينُ التسامح المطلق". لهذا دعا الجميع إلى قراءة التوراة والإنجيل والقرآن بتمعنٍ وإدراك كي يحصلوا على الإيمان المطلق الصحيح، المنزه عن شهوات الدنيا وخزعبلاتها الشيطانية. ولهذا كله رفض مغريات الحياة ومشهدياتها الملونة، وعكف راضيًا بما هو عليه، يطلق دعوته الروحانية إلى إصلاح النفس البشرية، وصولاً إلى غصلاح المجتمع. حتى كتاباته الأدبية كانت تتمحور حول الذات، والنفس، والموت، والحب، والقيم، والمفاهيم الممنهجة عبر رؤي ونظريات شكلت أساساً لمشروع ثقافي معروفي روحاني، لا يكترث للنظريات المبطنة بالشر، والمضمرة بالتسلط والآثام. قال مخاطبًا الموت بإيمان مطلق:

          "أيها الشاهدُ ما ترتكبه البشرية من مظالم،

          وما ترمي إليه الإنسانية من أطماع!

          أيها الموجود في كل زمان ومكان"

          هذا الرجلُ المدهش الذي خاطب الموت بكل حريةٍ إيمانية، معتليًا الزهد مسارًا، اخترق الحياة بمواهبه وظاهراته الروحانية، وجعل حالةَ الالتفاف حوله ثابتةً وعميقة، فلم تنتف الحماسة إليه مع مرور الزمن، بل ازدادت فعاليته انتشاراً قائمًا على محاكاة العقل بروح سامية، وحكمةٍ ما زالت حولياتها متجلية عبر مُريديه الكثر، عنوانَ هداية لحياة مطمئنةٍ... آمنة.

          هنا دعوني أختم هذا المقال بنفحة وجدان خاصة أهديها إلى روح الدكتور داهش الآمنة المطمئنة في رحاب الله، فأقول:

          حين أبعدوك، كنت الوحيد المنتصر في ساحة الإيمان.

          حين أبعدوك، لم يقرأُوا جيدًا بوارق الأمل بعودتك في صدور محبيك.

          حين أبعدوك، كانت الكلمة هي العدو الأكبر، وكانت لغتثك الصادقة هي السيفُ المُصلَّت على الرقاب، رقاب مَن ظلم، وبغى، وتجبر.

          أرادوا قتل الروح المتماهية عندك مع الضمير الحي بهدف قتل الكلمة الناطقة بالحقيقة، بدون علم منهم أن لغة الحق دومًا هي الغالبةُ مهما قست الظروف.

          لم يصلوا إلى حدود استيعاب قدراتك الروحانية المتميزة التي مُنحَت إليك من رب العالمين. فحين أردت نشر أفكارك في زمن الردة، تنويرًا لمواطن ومجدًا لوطن، جوبهتَ بالنفي. لكن الروح بقيت جوالة من حي إلى حي داخل الوطن، وعبر كل الحروف الممغنطة على بطاقات الخلاص.

          في نهاية المطاف، تنجلي الحقائق... تعلو الراياتُ البيضاء... تنحدر سنواتُ القهر... يرجعُ الصدى المندى بأغاريد النصر، فتهبُّ اللغات، لغاتُ الحق، مجلوَّةً ببرعاتٍ صادقة تشهدُ أن الكلمة الداهشية أمسكتِ الحقيقةت الوجودية والروحانية، عبر تفاعلاتٍ شفافةٍ صادقة، ارتسم من خلالها صوتُ الله، الكامنُ في الصدر، صدرِكَ، صوتًا للضمير، بلا مُنازع.

                                                                                      بيروت، 12/7/2009

Developed by WARM Studios        Copyright 2017 This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.nfo All Right Reseved This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.