أنا أؤمن بأنه توجـد عدالة سماويّة, وأن جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدنيا من مُنغصات انَّ هـو الاّ جـزاءٌ وفاق لِما أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور.ولهـذا يجب علينا أن نستقبلَ كلّ مـا يحـلّ بنـا من آلامِ الحياةِ ومآسيها غير مُتبرّمين ولا متذمّرين , بل قانعين بعدالةِ السماء ونُظمها السامية.

Highlighter
أحبُّ الكُتُبَ حبَّ السُكارى للخمر , لكنَّني كلَّما أزددتُ منها شرباً, زادتني صَحوا
ليس مّنْ يكتُبُ للهو كمَن يكتُبُ للحقيقة
الجمالُ والعفّــة فـردوسٌ سماويّ .
لا معنى لحياةِ ألأنسان اذا لم يقم بعملٍ انسانيٍّ جليل .
اعمل الخير , وأعضد المساكين , تحصل على السعادة .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقـوم بأعمالِ الخير نحـو ألأنسانيّة .
الموتُ يقظةٌ جميلة ينشُدها كل مَنْ صَفَتْ نفسه وطَهرت روحه , ويخافها كلّ من ثقُلت أفكاره وزادت أوزاره .
ان أجسامنا الماديّة ستمتدّ اليها يـد ألأقـدار فتحطِّمها , ثمّ تعمل فيها أنامل الدهـر فتتَّغير معالمها , وتجعلها مهزلةً مرذولة . أمّا ألأعمال الصالحة وألأتجاهات النبيلة السّامية , فهي هي التي يتنسَّم ملائكة اللّه عبيرها الخالد .
نأتي إلى هذا العالمِ باكين مُعولين، و نغادره باكين مُعولين! فواهً لك يا عالمَ البكاء والعويل!
جميعنا مُغترٌّ مخدوعٌ ببعضه البعض.
العدلُ كلمة خُرافية مُضحكة.
أمجادُ هذا العالم وهمٌ باطل، و لونٌ حائل، و ظلٌّ زائل.
لا باركَ الله في تلك الساعة التي فتحتُ فيها عينيّ فإذا بي في مكانٍ يطلقون عليه اسم العالم .
أنا غريبٌ في هذا العالم، و كم احنُّ إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.
الحياةُ سفينةٌ عظيمة رائعة تمخرُ في بحرٍ، ماؤه الآثام البشريَّة الطافحة، و امواجه شهواتهم البهيميَّة الطامحة، و شطآنه نهايتهم المؤلمة الصادعة.
كلّنا ذلك الذئبُ المُفترس , يردع غيره عن اتيانِ الموبقاتِ وهو زعيمها وحامل لوائها , المُقوّض لصروح الفضيلة , ورافع أساس بناءِ الرذيلة .
الحياةُ سلسلة اضطراباتٍ وأهوال , والمرءُ يتقلَّب في أعماقها , حتى يأتيه داعي الموت, فيذهب الى المجهولِ الرهيب , وهو يجهلُ موته , كما كان يجهلُ حياته .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقومَ بأعمالِ الخير نحو الانسانيّة .
المالُ ميزان الشرِّ في هذا العالم .
السعادةُ ليست في المال , ولكن في هدوءِ البال .
كلُّ شيءٍ عظيمٍ في النفسِ العظيمة , أمّا في النفسِ الحقيرة فكلُّ شيءٍ حقير .
الرُّوح نسمةٌ يُرسلها الخالق لخلائقه لأجل , ثم تعودُ اليه بعجل .
الرُّوح نفثةٌ الهيَّة تحتلُّ الخلائق , وكل منها للعودة الى خالقها تائق .
الرُّوح سرٌّ الهيٌّ موصَدْ لا يعرفه الاّ خالق الأرواح بارادته , فمنه أتتْ واليه تعود .
أنا أؤمن بأنه توجـد عدالةٌ سماويّة , وأنَّ جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدُّنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدارٍ انَّ هـو الاَّ جـزاء وفاق لمِا أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور . ولهـذا يجب علينا أن نستقبل كلَّ مـا يحـلُّ بنـا من آلام الحياة ومآسيها غير م
الحرّيةُ منحة من السماءِ لأبناءِ ألأرض .
الموتُ ملاكُ رحمةٍ سماويّ يعطف على البشر المُتألّمين , وبلمسةٍ سحريّة من أنامله اللطيفة يُنيلهم الهناء العلويّ .
ما أنقى من يتغلّب على ميولِ جسده الوضيع الفاني , ويتبع ما تُريده الرُّوح النقيّة .
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
الراحة التامّة مفقودة في هذا العالم , وكيفما بحثت عنها فأنت عائدٌ منها بصفقةِ الخاسر المَغبون .
ليس أللّــه مع الظالم بل مع الحقّ.
ان الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الكاذب.
ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين وغوث الملهوفين والحنو على القانطين , وما أقلَّ تنفيذهم القول.
يظنُّ بعض ألأنذال ألأدنياء أنّهم يُبيّضون صحائفهم بتسويدِ صحائف الأبرياء , غير عالمين بأنَّ الدوائر ستدور عليهم وتُشهّرهم.
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السَّلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
رهبة المجهول شقاء للبشرِ الجاهلين للأسرارِ الروحيَّة , وسعادة للذين تكشّفت لهم الحقائق السماويَّة .
الموتُ نهاية كل حيّ , ولكنه فترة انتقال : امّا الى نعيم , وامّا الى جحيم .
الحياةُ خير معلِّمٍ ومُؤدِّب , وخيرَ واقٍ للمرءِ من الأنزلاقِ الى مهاوي الحضيض .
حين تشكُّ بأقربِ المُقرَّبين اليك تبدأ في فهمِ حقائق هذا الكون .
مَنْ يكون ذلك القدّيس الذي لم تخطرُ المرأة في باله ؟ لو وجدَ هذا لشبَّهته بالآلهة .
المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السُّلطان. و هي تحملُ بيدها سيفاً قاطعاً لو حاولَ رجالُ الأرض قاطبةً انتزاعه منها لباؤوا بالفشلِ و الخذلان .

الدكتور جبران مجدلاني

يحمل الدكتوراه في عِلم الإدارة التربوية من جامعة كولومبيا في نيويورك حيث يُدرس في حقل التكنولوجيا التربوية ويُشرف على الأبحاث وأطروحات الدكتوراه.

عضوً مؤسس وسكرتير التنظيم المعروف باسم public scholls for tomorrow. وهو، أيضًا، خبيرٌ اختاصي في الحقل التربوي، حاضر، وما يزال يحاضر، في المدارس والجامعات في أميركا والمسيك وجزر الكاربين ومصر ولبنان... له مقالات وأبحاث متعددة ف الإدارة والتكنولوجيا التربوية والمناهج التعليمية وتقويمها.

 

فضلُ الدكتور داهش عليَّ

يعود الفضل في تعرفي بالدكتور داهش إلى والدي طانيوس مجدلاني، رحمه الله. فقد كان حلاقاً معروفًا في منطقة المزرعة ببيروت. وتشاءُ الظروف أن يكون صالونُه مجاورًا لمنْزل الدكتور القديم في ذلك الحيِّ. ومنذ منتصف الثلاثينيات من القرن العشرين، أصبح والدي حلاقه الخاص يكادُ يراه يوميًا، فيحلقُ ذقنه, ويُشذِّب شَعره، ويستمع إلى أحاديثه وآرائه، ويُعاينُ ظاهراته الروحية الخارقة، ويشهدُ لها بكلِّ أمانةٍ وتجرد. كان يُعاينُها مباشرةً، سواءً بمفرده أو مع أشخاص آخرين.

هذه المعجزات التي كان يرويها لنا الوالدُ بكل صدقٍ وحماسة أنارت قلبه ورسختْ في نفسه الإيمان الصحيح بالسيد المسيح وتعاليمه الروحية. زدْ على ذلك ما كان يردِّده من أن حياة الدكتور داهش كانت مثالية إلى أبعد الحدود، وأن آراءه أشبه بآراء المهاتما غاندي الداعية إلى المحبة والصلاح والأخوة بين البشر، والمنادية بالعودة إلى ينبوع الإيمان الصافي، وأنه كان القُدوة في مسلكه وسيرته.

ظاهراتٌ روحية كثيرة كان يذكرُها الوالد، منها ما نُشِر في الصحف والمجلات، ومنها ما يزال مخطوطًا في المحفوظات الداهشية. ولا يسعني، هنا، إلا أن أذكر واحدةً حصلت معه، خلاصتها أنه بينما كان يعمل في صالونه في أوائل الأربعينيات من القرن المنصرم – وكان الدكتور داهش محتجبًا بسبب اضطهاد الدولة اللبنانية له – عرَّج عليه الشاعر الداهشيُّ حليم دمَّوس، وحياة بابتسامة قائلاً له: "مرحبا، أبو جبران." فتعجب والدي كثيرًا لهذه المناداة، إذ إنه لم يكن معروفًا بهذا الاسم، دعْ أنه كان ما يزال عازبًا، لا يعتزمُ الزواج يومذاك. فاستمهل الشاعر مستفسرًا سرَّ هذه التحية، فابتسم الحليم له وأردف قائلاً إن المستقبل كشاف.

وانطوت السنوات، فتزوج والدي ورُزِق ثلاث بنات. وفي أثناء حمل والدتي بي خلال العام 1951، ذهبت الأسرة بأكملها في رحلةٍ إلى مَزار سيدة صيدنايا على مقربةٍ من دمشق؛ وهو مكان كان يحج غليه المسيحيون الشرقيون سنويًا. وبينما كانت الوالدة نائمة ليلاً في المزار، حلمت بأنها رُزقت صبيًا، ففرحت بحُلمها الجميل كثيرًا، وأخبرت والدي وجدتي به.

وذات يوم من عام 1954، كان والدي في زيارة الدكتور داهش بعد خروجه من احتجابه القسري، فساله مؤسس الداهشية عن عدد أولاده، فأجابه: "ثلاث بنات وصبي". فبادره قائلاً: "جبران؟" (أي اسم الصبي). ففوجئ والدي، وسرعان ما تذكر مرور الشاعر حليم دمُّوس عليه في صالون الحلاقة قبل زواجه بزمنٍ وحيَّاه باسم "أبو جبران"، كما تذكر حلم الوالدة قبل ولادتي. فروى ذلك أمام الدكتور داهش وزوارِه – وكانوا جالسين في غرفةٍ من غرف المنزل شبيهةٍ بالمكتبة لوفرة الكتب فيها – فطلب إليه الدكتور انتقاء أي كتاب يريدُه، فاختار والدي واحدًا وفتحه، فإذا في داخله رسالةٌ تروي أنه (أي والدي) سيزور الدكتور داهش في اليوم الذي زاره فيه، وسيُخبرُه ما أخبره إياه بالتحديد. وقد عرف والدي، يومذاك، منه أن ثمة نبوءةً دوَّنها حليم دموس في "الواقع الداهشية" تُفيد بأن والدي سيُرزق بعد زواجه مولودًا ذكرًا يُطلق عليه اسم "جبران". ولذلك ألقى عليه الشاعرُ الداهشيُّ التحية باسم "أبو جبران" قبل عدة سنوات من زواجه فسبحان الله، كشاف الغيوب الذي يعرفُ الأحلام وما في الأرحام. هذه الظاهرة كان الوالدُ يرويها بحضور والدتي , فكانت تُثني عليه وتُضيف تجربتها الخاصة مؤكِّدةً صدق الوالد وصحه ما حصل معها هي أيضًا.

وثمة ظاهرة أخرى رواها الوالد، مفادها أنه قام ذات يوم بزيارة الدكتور داهش، كان في تلك الأثناء محتاجًا لبعض المال ليسدّد به جزءًا من الأقساط المدرسية المتراكمة عليه، فأسر للدكتور بهمِّه، وسأله هل يمكنه أن يحصل، بمساعدةِ روحية على ورقةِ يانصيب رابحة – ويبدو أنه لم يكن آنذاك، مُدركًا أن الظاهرة أو المساعدة الروحية لا تتمَّان للمنفعة المادية. ويردف الوالد قائلاً إن الدكتور قام ساعتذاك إلى غرفةٍ مجاورة، ثم عاد منها وفي يده ظرفٌ مختوم عليه اسم الوالد، وسلمه إليه طالبًا منه الاحتفاظ به حتى إشعار آخر. وبعد يومين، استدعاه إلى منزله ومعه الظرف المختوم، ثم طلب إليه فضه، ففعل، فإذا بداخله ورقتا يانصيب تاريخُ سحبه اليوم نفسه. ولمَّا قابل رقميهما بنتائج السحب، وجد أن إحداهما تربح 20 ألف ليرة لبنانية، والثانية تربح 10 آلاف ليرة. على أن الوالد لم يأخذهما لأنهما، كما قال له الدكتور داهش، لم تكونا من نصيبه، ثم إن أخذه لهما يمكن أن يسبب له ضررًا وتجدرُ الإشارة هنا أن الله، سبحانه وتعالى، أنقذَ الوالدَ من ضائقته المالية، فاضطلعَ بنفقات تعليمنا على أكمل وجه.

مَن يعاينْ هذه الظاهرة الروحية يُدرِكْ بالفعل ما يتمتع به مؤسسُ الداهشية من قدرةٍ جبارة. والقارئ النبيه يتعلم من هذه الظاهرة المُذهلة درسًا بليغًا مفادُه أن كل إنسان ينالُ ما هو نصيبهُ في الحياة بجدِّه ونشاطه، وأن السلامة والأمان ليسا بالمال والغنى، بل بالنعمة والبركة الإلهية.

          ظاهراتٌ أخرى حدثت مع الوالد، منها الكتابة الروحية من بعيد؛ فقد كان يجالس الدكتور داهش ذات يوم، وإذا بالروح تحتل الرجل الخارق، فيمدُّ يده إلى الأمام، ويباشر، بإصبعه، خط آياتٍ كريمة على الجدار أمامهما، وكان يبعدُ عنهما قُرابةَ ستة أمتار، فارتسمت عليه!

ومن تلك الظاهرات أنه بينما كان الوالدُ يجالس الدكتور داهش في منزله المجاور لمستشفى الدكتور توفيق رزق في حي المزرعة، شاهدا الدكتور رزق، من خلال النافذة، وهو في مكتبه يحادثُ أحد الأطباء العاملين في المستشفى، واسمُه الدكتور جدعون. عندئذٍ خاطب الدكتور داهش والدي قائلاً: "ما رأيك إذا جعلتُ الدكتور جدعون "يتجدع"؟" وما كاد يفرغُ من كلامه حتى بدأ الطبيبُ المذكور يقفز ويرقص "متجدعًا"، وذلك فجأةً ولمدةٍ وجيزة. والحقيقة أن المشهد كان مضحكًا للغاية. فأين وقارُ ومهابة هذا الطبيب الذي كان يعرف بجديته! وقصد والدي من فوره مكتب الدكتور رزق، وكانت تربطه به معرفةٌ قديمة، واستفسره ما حصل للدكتور جدعون، فحسِبَ الدكتور رزق أن والدي شاهد الطبيب "يتجدع" من خلال النافذة في أثناء مروره صدفةً في الشارع، فأبدى هو أيضًا عجبه وحيرته مما حصل فجأة للدكتور جدعون وهو واقف بجديةٍ واتزان. وإني أترك للقارئ النبيه أمر استنباط الدرس والعبرة من هذه الظاهرة الطريفة التي لا شك في أنها لم تحصل للتسلية، ولكن لسبب أبعد من ذلك.

ومما رواه الوالد مساعدةٌ روحية أنقذتني من براثن الموت وأنا في حدود السابعة أو الثامنة من عمري. فقد أرسل الدكتور داهش، ذات يوم، إلى صالون والدي من يقول له أن أبقى في البيت بعد دوام المدرسة، فلا آتي اليومَ إلى صالونه، وإلا حصل لي مكروه. فأرسل والدي إلى والدتي من يُبلغها الأمر. بيد أنها لم تُولِه الأهمية الكافية، وسمحت لي بالذاهب إلى صالون الوالد الذي يبعدُ حوالى الكيلومتر عن منزلنا، والذي كان يقع بمحاذاته خط للحافلات الكهربائية. وبينما كنتُ أهم بقطع الطريق الرئيسي، إذا بقطار مسرع يفاجئني وأنا بين سكتي الحديد، ويكاد يدهسُني لولا مساعدة إلهية أوقفت القطار فجأة، فكأن قوة غير منظورةٍ لجمته. وكان والدي حينذاك واقفًا أمام صالونه يتجاذبُ أطراف الأحاديث مع صاحبي متجرين مجاورين، فلما شاهدوا الحادث ارتاعوا وهُرِعوا نحوي وفي ظنهم أني قُتِلت. لكن العناية الإلهية ودعاءَ الدكتور داهش أنقذاني من براثن الموت المحتم، فلم أصب بأي أذى، والله الحمد... ولا يداخلني أدنى ريب في أن مساعدات روحية عميمة حصلت لي ولكثيرين سواي في مجرى حياتنا، فأنقذتنا من هلاكٍ محتوم أو عاهاتٍ بالغة، وذلك حتى بدون معرفتنا، معرفةً مباشرةً، بحصول هذه المساعدات.

ونظرًا لضيق المقام، أختتمُ سرد الظاهرات الروحية التي شاهدها ورواها الوالد برواية ظاهرة حدثت في أثناء زيارةٍ رافقته فيها لمنزل الدكتور داهش ببيروت في 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 1974. فبعد أن فرغ الوالدُ من حلاقة ذقن الدكتور، توجها معًا إلى قاعةٍ مجاورة تُعرف بـ"الصالون الصيني".1وما هي إلا مدة وجيزة حتى عاد والدي وعلى وجهه أماراتُ الدهشة والغبطة، وأخبرنا، أنا وسائر الحضور، أن الدكتور داهش قام برسم "الرمز" الداهشي على ورقةٍ صفراء وكتابة دعاء تحته، وأراه إياه؛ ثم طلب إليه أن يرسم "رمزًا" آخر على ورقةٍ صفراء وكتابةِ دعاء تحته، وأراه إياه؛ ثم طلب اليه أن يرسم "رمزًا" آخر على ورقةٍ صفراء ويذيله بالدعاء نفسه، وفيه أن تتم عشرةُ أشياء لخير ابنه جبران. فقام والدي بما طُلب إليه، ثم طوى الورقة وأحرقها. وفجأةً احتلت الروحُ العلوية

-------------------------------------

1 دُعيت كذلك لما فيها من تحفٍ ومنمنماتٍ صينية.

---------------------------------------

الدكتور داهش، وبصوتٍ جهوري ارتعش له والدي خاطبته قائلة: "لماذا لم تطلب إلى الدكتور أن يوقع "الرمز" قبل أن تحرقه. "فاعتذر لهذه الهفوة ولعدم انتباهه لهذا الأمر. عندئذٍ قالت له الروح بأنها ستعيدُ تكوين "الرمز" كما كان قبل إحراقه ليوقعه الدكتور.

وهذا ما حصل بالفعل، إذ تحول الرماد أمام عيني والدي إلى ورقةٍ صفراء وعليها "الرمز" والدعاء بخط يده. فوقعه الدكتور داهش، ثم طواه والدي وأحرقه ثانية.

وأردف والدي يقول بعجب: "تُرى أليس "الرمز" المحروق والمُعاد تكوينه أشبه بالإنسان الذي وافته المنية وانتقلت سيالاته، ثم بُعِث مجددًا" والحق أن هذا هو جوهرُ هذه الظاهرة الباهرة.

ولطالما اخبرني الوالدُ أنه في أحيانٍ كثيرة كان يحلق ذقن الدكتور داهش، فيشعر بأنه (أي الدكتور) قد اختلج قليلاً، وبأن حالة روحية جميلةً قد أحاطته. وهذا ما كان يعرفُ باسم "الاحتلال الروحي" الذي كانت تجترحُ الروحُ في أثنائه معجزاتٍ وخوارقَ مُذهلة تفوقُ حد التصور.

وقد علمتُ، فيما بعد، أنه أتيح لوالدي أن يزور الدكتور داهش عدة مرات في محل إقامته في الولايات المتحدة الأميركية، وأنه الشخص الوحيد الذي صورت له بعدسة الفيديو ظاهراتٌ خارقة اجترحها الدكتور داهش أمامه. وهذا بالفعل حدث تاريخي وبرهانٌ مادي دامغ وثابت. يُضاف إلى ذلك الطاهرات المتعددة التي عاينها الألوف من حياتهم، فأنارت لهم الدرب، وجعلت حياتهم الشخصية مستتقيمة ورحانية بعد أن كانت مادية. وإن فئة كبيرة من هؤلاء الشهود هم من النخبة المثقفة، منهم الأطباء والأدباء والشعراء والفنانون والقضاة والمهندسون والأساتذة الجامعيون.

ولا يسعني هنا إلا أن أختم هذا القسم من مقالي بحادثة لا تخلو من العبرة. ذلك أن من الناس مَن كانوا يلفقون الأكاذيب حول الدكتور داهش وما يأتيه من الخوارق، ولا سيما مع حلاقه. ولقد كان، في خلال مرحلة الاضطهاد، موضوعًا مشوقًا في المنتديات الاجتماعية. واتفق أن قام والدي، ذات يوم، بزيارة نسيب لنا في منطقة الأشرفية ببيروت، يُدعى الحاج نقولا الحايك، إبنُه الياس كان مختار المحلة. وكان منزله يقع قربَ ما يُعرف اليوم بـ"ملعب السلام"، غير بعيد عن مدرسة "زهرة الإحسان". وكان في جملة الذين شاركوا في تلك السهرة العائلية رجلٌ لا يعرفُ والدي شخصيًا. ودارت الأحادث، فراح هذا الزائر يحدث عن خوارق الدكتور داهش، فاستهلها بالحادثة المُختلقة الآتية. قال إنه في أحد الأيام دخل الدكتور إلى صالون حلاقة، فرآه يعجُّ بالزبائن، ففصل رأسه عن جسمه، وطلب إلى الحلاق أن يحلق ذقنه عندما تسنح الفرصة! عندئذ نظر نسيبنا الحاج نقولا إلى والدي مُستعلمًا مُستفسرًا، فخاطب والدي الزائر وقد استاء من كذبه يسألُه: "مَن أخبرك هذا الأمر؟" فأجابه: "حلاق داهش". فامتعض الوالدُ ونسيبنا لهذا الكذب المفضوح، وبادرا يُعلمان الضيف أن والدي هو حلاقه الخاص منذ سنين. فاعتذر "مُسيلمة" مُتذرعًا بأن أحد أصدقائه هو الذي لفق الكذبة. والعبرة من هذه الحادثة أن ما يُشاع عن الدكتور داهش ليس كله صحيحًا. فالمأجورون من الصحفيين والموتورون من رجال الدين كانوا يلفقون الأكاذيب كلما سنحت لهم الفرصة. والغرض من ذلك تشويه صورة مؤسس الداهشية في أذهان الناس. لكن الحق يعلو ولا يُعلى عليه. فقد جنى أعداء داهش ثمارَ ما اقترفت أيديهم، وما زال نجمُه يزدادُ تألقًا في سماء العالم.

                                      ****

أعودُ اليوم بذاكرتي إلى أول اجتماع لي بالدكتور داهش. كنتُ طفلاً يافعًا لا يتجاوز السادسة من عمره لمَّا بدأ والدي يصطحبني إلى منزله في حي المزرعة ببيروت. هذه الذكريات هي، اليوم، صورُ ذلك الماضي البعيد القريب، حين كان يُجلسني أمامه ويُطعمني الثمار الشهية ويخبرني القصص الطريقة وذكريات طفولته في فلسطين. كان يُضحكني، ويثير في نفسي حبَّ المعرفة والكتاب. وما أزال أذكرُ العِبر والفضائل الكثيرة التي كان يُعلمني إياها، ومنها الشهامة والاستقامة والحذرُ من الوقوع ضحية المنافقين المدجلين ممن يدعون الإخلاص والتضحية والروحانية زورًا. ومنها أن أختبر الحقائق والأشياء اختباراً مباشراً. وكنتُ أشعرُ بعنايته الخاصة وحبه الأبوي. ولله كم كانت بريئة وحكيمةً قصص طفولته! وكم كانت البسمةُ جميلةً في عينيه! وكم كنتُ فَرِحًا لزيارته، إذا كان يومُ الزيارة يوم عيد وفرحٍ عندي.

وتشاءُ الظروف، وأنا بعد دون السادسة عشرة من عمري، أن انخرط في صفوف حركةٍ سياسية. ولم أكن على درجة كافية من الوعي لأدرك خطورة ما أقدمتُ عليه؛ فقد غرر بي، وفي مدةٍ وجيزةٍ انغمستُ في بحرٍ صاخب، واندفعتُ بكامل قواي في خدمة تلك الحركة ظنًا مني أنها تجسد الفكرة المثالية، وأنني أقوم بواجباتي كمواطن صالح. وكم من أمورٍ تعرضتُ فيها للمخاطر الجسيمة التي كادت تودي بي! وكم اكتسبت من مساوئ، وغصتُ في مهاوي الرذيلة والفساد... حتى لقد أهملتُ واجباتي المدرسية، فرسبتُ قبل أن أستكمل دراستي الثانوية. هذا، فضلاً عن تدمير حياتي ومستقبلي، ماديًا ومعنويًا. وانقشعت لي في أثناء ذلك خفايا، وبانت أسرار كنت أجهلها عن السياسة والسياسيين. خلاصةُ الأمر أنه لا هذه العقيدة السياسية ولا غيرها من العقائد استطاعت أن تبني فيَّ الإنسانَ الجديد التواق إلى الإصلاح والتغيير. فطريقةُ البناء في تلك العقائد هي كطريقة بناء منزلٍ على أرضٍ غير صلبة، وبدون ركائز متينة. وبالرغم مما كانت تنادي به من شعارات طنانة رنانة، لكنها فارغة، فقد كانت تفتقرُ إلى الوعي الروحي الصحيح الذي هو وحده حجرُ الزاوية في بناء الإنسان الجديد....

لقد أضعتُ خمس سنواتٍ ثمينة من عمري سعيًا وراء سحاب زائل وطيف حائل حتى بلغتُ مرحلة يُرثى لها من الضياع والتشتت الفكري. كنتُ أقدم مع بعض الرفقاء في الحركة على أمورٍ يندي لها الجبينُ حياءً. كنت في الواقع على مفترق طرق، بل على شفير الهاوية السحيقة! فلا الأفكار ولا الفلسفات السياسية التي اطلعتُ عليها كانت تُشبع نهمي أو تروي غليلي إلى الحقيقة المثلى، ولا كان الذين يدعون الإخلاص والنزاهة والتضحية قادرين على التأثير في بعد أن اختبرتهم، ودفعتُ الثمنَ باهظًا.

في أثناء ذلك كله، كانت صورةُ الدكتور داهش تلمع في ذهني، وكان هو يسأل والدي عني دومًا، ويتسقطُ أخباري، ويدعوني إلى زيارته. ولما كنتُ أزوره، كنتُ أشعرُ بانجذاب روحي إليه، كما أشعرُ بأنه إنسانٌ تمثلت فيه النبالةُ والعطاء... إلى أن قُدر لي، فسعيتُ أطلب المعرفة الروحية. ولقد كانت رحمةُ السماء عظيمة، فأسبغتْ عليَّ كنوزها الدرية، فانجلت أمام ناظري حقيقةُ دعوته الروحية انجلاءً ساطعًا لا يقبل الشك، فأدركتُ عظمة الرسالة الداهشية، وعرفتُ بأنني أمام هادٍ عظيم هو المثال الأعلى الذي تتجسدُ فيه قيم الأديان السماوية. ولقد أيده الله تعالى بأسمى الآيات، وبقوةٍ روحية جبارةٍ تفوق حدود التصوُّر العقلي. وكنتُ كمَن انتشل من بين أشداق الموت أو من وَهذه الهلاك، وبعثت فيه روح جديدة. وتأكد لي أني أمام الحدث التاريخي الأجل الذي طالما انتظره أصحابُ العقول النيرة والنفوس الخيرة الحرة الأبية والقلوب المتعبة الظمأى إلى المعرفة الحقة منذ غابر الأجيال.

كانت الحرب اللبنانية الدامية على مبعدةِ عام ونيف من اندلاعها حين تدخلت العناية الإلهية، فرأفت بحالي، وألهمتني الإيمان، فانفتحت عيناي لأرى نور الحق المتوهج، ولأتفهم النظام الروحي والعدالة الإلهية والثواب والعقاب. وقد أرشدتني السماءُ العلوية بإرشاداتٍ ورسائل روحية من العلي القدير، فأنارت لي الطريق. ومنذ تلك اللحظة، شعرتُ بأنني إنسانٌ جديدٌ بكل ما للكلمة من معنى. فقد خلق فيَّ الدكتور داهش انقلاباً جذريًا وجوهريًا، فخلعتُ عني ماضيَّ الرثَّ، وابتدأت حياة جديدة بقلب عامر بالأيمان وفكرٍ نير. وكان لي الدكتور، في الحقيقة، المُرشد والهادي والمعلم. وبعد أن كنتُ قد قطعتُ الرجاء من بناء مستقبلي، أعاد لي الأمل، وكان لي المُشجع والمعزي. فإذا برحمة السماء تُحيطُني، وإذا بي أوفق بالسفر إلى الولايات المتحدة الأميركية للدراسة، وذلك في أصعب الظروف، إذ كانت الحرب اللبنانية الماحقة في بدء اندلاعها، فلا بريد ولا أموال ولا مواصلات... لا شيءَ إلا الموت والدمار والخراب المُحيق الذي حل بلبنان التعيس، والذي جلبه على نفسه. بالرغم من ذلك كله، فقد ذللت المصاعب. وكان الدكتور داهش يطمئنُني ويُدخل العزاء إلى قلبي ببسمته المحيية ورعايته الغامرة.

                                      ******

إني أسجل هذه الشهادة للتاريخ والعبرة. فالدكتور داهش هو صاحبُ الفضل الأول والأخير لهذا الانقلاب في حياتي. فقد كان الراعي والموجه والملهم والهادي والقدوة والأب العطوف. وإن ضميري ووجداني يحتمان عليَّ أن أقول هذه الحقيقة دون تردُّد. فما حصل لي هو مثالٌ حيٌّ للخير العميم والبركة التي أفاضها قلبُ الدكتور الكبير، هذا التجسد الحقيقي الملموس لقيم الخير والحق والجمال والعطاء والتحية والمحبة والحنان والرأفة والتسامح والكرم والنبالة والشجاعة والبطولة والفداء وكل الخصال الحميدة.

وهنا أودُّ أن أختمَ مقالتي هذه بذكرٍ عابرٍ لما حصل معي، أنا شخصيًا، من ظاهرات روحية دامغة؛ وهي موضوع كتاب مفصل لاحق. منها رسائلُ وإرشاداتٌ روحية جاءتني في ظروف مختلفة. ومنها تحول ورقة يانصيب خاسرة إلى ورقة رابحة، ومعرفة الرقم المتسلسل لليرة لبنانية كانت بحوزتي، وسواهما الكثير مما يضيقُ المجال لذكره الآن. ولكن أكتفي بالقول إنها جميعها تثبت إيماني بالعلي القدير وبعدالة السماء ورحمة الله التي لا تُحد.

Developed by WARM Studios        Copyright 2017 This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.nfo All Right Reseved This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.