أنا أؤمن بأنه توجـد عدالة سماويّة, وأن جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدنيا من مُنغصات انَّ هـو الاّ جـزاءٌ وفاق لِما أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور.ولهـذا يجب علينا أن نستقبلَ كلّ مـا يحـلّ بنـا من آلامِ الحياةِ ومآسيها غير مُتبرّمين ولا متذمّرين , بل قانعين بعدالةِ السماء ونُظمها السامية.

Highlighter
أحبُّ الكُتُبَ حبَّ السُكارى للخمر , لكنَّني كلَّما أزددتُ منها شرباً, زادتني صَحوا
ليس مّنْ يكتُبُ للهو كمَن يكتُبُ للحقيقة
الجمالُ والعفّــة فـردوسٌ سماويّ .
لا معنى لحياةِ ألأنسان اذا لم يقم بعملٍ انسانيٍّ جليل .
اعمل الخير , وأعضد المساكين , تحصل على السعادة .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقـوم بأعمالِ الخير نحـو ألأنسانيّة .
الموتُ يقظةٌ جميلة ينشُدها كل مَنْ صَفَتْ نفسه وطَهرت روحه , ويخافها كلّ من ثقُلت أفكاره وزادت أوزاره .
ان أجسامنا الماديّة ستمتدّ اليها يـد ألأقـدار فتحطِّمها , ثمّ تعمل فيها أنامل الدهـر فتتَّغير معالمها , وتجعلها مهزلةً مرذولة . أمّا ألأعمال الصالحة وألأتجاهات النبيلة السّامية , فهي هي التي يتنسَّم ملائكة اللّه عبيرها الخالد .
نأتي إلى هذا العالمِ باكين مُعولين، و نغادره باكين مُعولين! فواهً لك يا عالمَ البكاء والعويل!
جميعنا مُغترٌّ مخدوعٌ ببعضه البعض.
العدلُ كلمة خُرافية مُضحكة.
أمجادُ هذا العالم وهمٌ باطل، و لونٌ حائل، و ظلٌّ زائل.
لا باركَ الله في تلك الساعة التي فتحتُ فيها عينيّ فإذا بي في مكانٍ يطلقون عليه اسم العالم .
أنا غريبٌ في هذا العالم، و كم احنُّ إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.
الحياةُ سفينةٌ عظيمة رائعة تمخرُ في بحرٍ، ماؤه الآثام البشريَّة الطافحة، و امواجه شهواتهم البهيميَّة الطامحة، و شطآنه نهايتهم المؤلمة الصادعة.
كلّنا ذلك الذئبُ المُفترس , يردع غيره عن اتيانِ الموبقاتِ وهو زعيمها وحامل لوائها , المُقوّض لصروح الفضيلة , ورافع أساس بناءِ الرذيلة .
الحياةُ سلسلة اضطراباتٍ وأهوال , والمرءُ يتقلَّب في أعماقها , حتى يأتيه داعي الموت, فيذهب الى المجهولِ الرهيب , وهو يجهلُ موته , كما كان يجهلُ حياته .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقومَ بأعمالِ الخير نحو الانسانيّة .
المالُ ميزان الشرِّ في هذا العالم .
السعادةُ ليست في المال , ولكن في هدوءِ البال .
كلُّ شيءٍ عظيمٍ في النفسِ العظيمة , أمّا في النفسِ الحقيرة فكلُّ شيءٍ حقير .
الرُّوح نسمةٌ يُرسلها الخالق لخلائقه لأجل , ثم تعودُ اليه بعجل .
الرُّوح نفثةٌ الهيَّة تحتلُّ الخلائق , وكل منها للعودة الى خالقها تائق .
الرُّوح سرٌّ الهيٌّ موصَدْ لا يعرفه الاّ خالق الأرواح بارادته , فمنه أتتْ واليه تعود .
أنا أؤمن بأنه توجـد عدالةٌ سماويّة , وأنَّ جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدُّنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدارٍ انَّ هـو الاَّ جـزاء وفاق لمِا أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور . ولهـذا يجب علينا أن نستقبل كلَّ مـا يحـلُّ بنـا من آلام الحياة ومآسيها غير م
الحرّيةُ منحة من السماءِ لأبناءِ ألأرض .
الموتُ ملاكُ رحمةٍ سماويّ يعطف على البشر المُتألّمين , وبلمسةٍ سحريّة من أنامله اللطيفة يُنيلهم الهناء العلويّ .
ما أنقى من يتغلّب على ميولِ جسده الوضيع الفاني , ويتبع ما تُريده الرُّوح النقيّة .
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
الراحة التامّة مفقودة في هذا العالم , وكيفما بحثت عنها فأنت عائدٌ منها بصفقةِ الخاسر المَغبون .
ليس أللّــه مع الظالم بل مع الحقّ.
ان الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الكاذب.
ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين وغوث الملهوفين والحنو على القانطين , وما أقلَّ تنفيذهم القول.
يظنُّ بعض ألأنذال ألأدنياء أنّهم يُبيّضون صحائفهم بتسويدِ صحائف الأبرياء , غير عالمين بأنَّ الدوائر ستدور عليهم وتُشهّرهم.
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السَّلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
رهبة المجهول شقاء للبشرِ الجاهلين للأسرارِ الروحيَّة , وسعادة للذين تكشّفت لهم الحقائق السماويَّة .
الموتُ نهاية كل حيّ , ولكنه فترة انتقال : امّا الى نعيم , وامّا الى جحيم .
الحياةُ خير معلِّمٍ ومُؤدِّب , وخيرَ واقٍ للمرءِ من الأنزلاقِ الى مهاوي الحضيض .
حين تشكُّ بأقربِ المُقرَّبين اليك تبدأ في فهمِ حقائق هذا الكون .
مَنْ يكون ذلك القدّيس الذي لم تخطرُ المرأة في باله ؟ لو وجدَ هذا لشبَّهته بالآلهة .
المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السُّلطان. و هي تحملُ بيدها سيفاً قاطعاً لو حاولَ رجالُ الأرض قاطبةً انتزاعه منها لباؤوا بالفشلِ و الخذلان .

الدكتور علي عقلة عرسان

كاتب مسرحيٌ وشاعر وروائيٌ وباحث سوري. عمل مخرجًا في المسرح القومي، ونقيبًا للفنانين، ومديرًا للمسارح والموسيقى، ومعاونصا لوزير الثقافة. رأس اتحاد الكتاب العرب في سوريا زهاءَ 28 عامًا (1977 – 2005). انتُخب أمينًا عامًا للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، ونائبًا للأمين العام لاتحاد كتاب آسيا وإفريقيا، ورئيسًا مشاركًا فلي المجلس القومي للثقافة العربية بالرباط، وأمينًا مساعدًا لاتحاد الناشرين العرب. حصل على درجة الدكتوراه في الأدب والعلوم الإنسانية.

 

وقفةٌ مع الدكتور داهش والداهشية

أُتيحَ لي أن أقرأ بعض كتب الدكتور داهش، فكانت تلك فرصةً لأطلع على الداهشية ومؤسسها من خلال بعض تراثه الأدبي والفكري، ومواقفه وآرائه، ومواقف أتباعه في أثناء المحنة التي تعرض لها في لبنان، حيث جرد من جنسيته، وأُبعد إلى الحدود التركية، بعد محاولةٍ فاشلة دُبرت لاغتياله. والسبب، كما قال في إحدى رسائله الموجهة للدكتور محمد حسين هيكل باشا، دعوتُه إلى الإيمان بنبوَّة محمد: "تم تجريدي من جنسيتي... لأجل إفهامي مَن تبعني أن محمدًا نبيٌّ..." و"أن قرآنه المُبين مُنزل حقًا،"1 وخروجه على كنيسة روما، ودعوتُه إلى الوحدة الدينية، وتعرُّضُه لدجَلِ بعض رجال الدين، وكشفُه لمواقف وممارساتٍ مرفوضة تحدث عنها وتصدى لها هو وأتباعُه، لا سيما الأديبة والفنانة ماري حداد الداهشية.

          وقد قرأت من إنتاجه "مذكرات دينار"، وسِرتُ مع ديناره العجيب من منجم الذهب الأول في أعماق الأرض إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، فتأسيس هيئة الأمم المتحدة بإشراف الأقوياء المنصرين وتحت مظلة نفوذهم. ثم عدتُ معه إلى منجمه

-------------------------------------------

1 الرسائل المتبادلة بين الدكتور داهش مؤسس الداهشية والدكتور محمد حسين هيكل باشا" جمعه الدكتور فريد أبو سليمان (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1979)، ص 42 و ص46).

-------------------------------------------

الذي تحول، بفعل القنابل الذرية التي يتخيل المؤلف أن هلموث فون هتلر، ابنَ أدولف هتلر، أطلقها عام 1995 انتقامًا منه لما حلَّ بأبيه وببلده، وطلبًا لإنصاف ألمانيا وشعبها واستعادةِ حقوقها – تحوِّل إلى أتُّونٍ يَصهرُ المعادن مع العظم واللحكم والتراب، ويعيدُ ترتيبَ مادَّة الحياة والأرض من جديد... حيث ذاب الدينارُ هناك في بيئةٍ محببةٍ إليه.

          لقد حملني ذلك الدينارُ العجيب إلى أماكنَ شتى، منها هو في داخل النفس البشرية، ومنها ما هو في مشارق الأرض أو في مغاربها. دخلتُ معه الأديرة والمحافل الدولية الكبرى، وغُرَف الساقطات، وخزائنَ الملوك والصيارفة والتجار، وجبهات القاتل، وقبورَ الموتى وجثتهم، وجوف الحوت والحيوان... وجُسْتُ طرقاتٍ وأزقةً وحقولاً، وحلَّقتُ في الفضاء الرحب، وغُصتُ في أعماق المحيطات وفي مناجم الأرض التي حفرها الإنسانُ بحثصا عن الذهب والخامات الثمينة. ولم يكن الدكتور داهش، من خلال عين ديناره، إلا محتقرًا للمال، مؤكدًا سطوته ودوره في الفساد والإفساد وموتِ روح العِباد، كاشفًا للعيوب، فضاحًا للدجل، مُناصرًا للمظلومين والفقراء والمعذبين، ثائرًا على الظلم والطغيان والجشع، حاكمًا باسم الأخلاق والفضيلة، عارفًا بمحيط الأنفس ودواخلها، ومتنبئًا بحُنكةٍ في موضوعاتِ معرفة وخيالٍ وحكمة. كان مكتشفًا مُدهشًا ومتتبعاً لحوادث يحكمها ويحاكمها بعقلٍ ومنطقٍ من خلال استبطان النفس البشرية، وقراءة الحوادث الصغيرة والكبيرة التي تتفرع على شجرةٍ راسخة هي شجرةُ المادة: الذهب، المال الذي يحكمُ نفوسصا وشعوبًا ودُولاً وساسةً وأشخاصًا من كل المُستويات والأنواع، ويجرُّ إلى كوارثَ ومآسٍ يُعاني من جرائها الفقراءُ ويدفعون الثمن الفادح في السلم والحرب. وهو، في قراءاته، قادرٌ على الاسنتاج والاستقراء، يستشفُّ المستقبل معتمدًا على معرفةٍ بالأنفُس البشرية؛ وهي معرفةٌ تقودُه إلى رؤية ما تُشبهُ الاستنساخَ لحوادث وشخصيات وسلوكٍ وقرارات وحروبٍ وتاريخ... فيرى المالَ المحرك الرئيس الذي يُغري بالسطوة والشهوة والجشع، والقوة العمياءَ التي تَحكمُ العدل والحرية، وتضعُ الناس في قفصِ الموت وهم يبحثون عن العدل والأمل والرحمة والحقِّ والخير، فلا يجدون في العالم من ذلك شيئًا، فينزعون أعمارَهم وآمالهم.

          عرضَ الدكتور داهش في كتابه فكرَ غاندي ومواقفَه، فأحسن العرض، وأنصفَ الرجل. وقدم لنا شاعرَ الهند الكبير طاغور من خلال قصائدَ ومواقف، فأجاد. ودخل مع سعد زغلول باشا في عمق مآزق مصر والوطنية المصرية مع الاستعمار البريطاني وأعوانه وأتباعه. وألقى ضوءًا على سفاهة الساسة والسياسة في حربين عامتين كلفتا البشرية ملايين الأرواح، ودمرتا ما بنته الحضارةُ البشرية في قرونٍ من الزمن. وسفَّهَ حُلمَ الساسة الذين يتخذون قراراتِ الموت ويقودون شعوبهم إلى الحروب، ويبيعونها في السوق، ويتركونها في هُوج الرياح بعد أن يُغرقوها في مُستنقعات الخداع والكذب والنفاق والعذاب والموت، وهي في مُزرٍ مُذلٍّ من العُري والجوع والبؤس المادي والروحي، ويلقونها، بعد امتصاص حيويتها وطاقاتها، جُثثًا ونفوسًا تتفسخ وعلاقاتٍ مريضة، وهم لا يكفون عن المراوغة عبر تاريخٍ بشريٍّ هو التجارةُ بالناس والقيم من أجل السلطة والشهوة والمال الذي يخوضون صنوفًا مبتذلةً من الأفعال والأقوال والانحلال للحصول عليه.

          الدكتور داهش في سِفر "ديناره" قادرٌ على السرد الفني بتشويقٍ، وعلى التخييل بتوظيفٍ فني. صاحبُ أسلوبٍ سلِسٍ جميلٍ سليمِ اللغة، وحكمةٍ، وتعلُّقٍ بالفضيلة وأهل الفضل، يقفُ مع الفقراء والبسطاء، وإلى جانب الحرية والحقِّ والعدل. كشَّافٌ للنفاق ولكل أفاق مهما علا قدرُه وأحسن التخفي. عارفٌ بالنفس البشرية، هتاكٌ باقتدارٍ لسُجُف الدجل والزيف والكذب وأقنعتها. يعرفُ الحياة، ويكتبُ في فضائها استنتاجاته التي يبنيها على قراءاتٍ نقدية وعجائبية للحاضر والمستقبل. وتكاد تقول إنه فيضُ خيالٍ مُثقَل بثماره، يَرمحُ في الأرض ويتوقُ إلى التحليق في الفضاء، منفلِتًا من قيود المادة وحماقات الناس، متكئًا على الروح في خضم انعتاقها وتوهجها وغناها. يُسجِّلُ الحدث ويستقيه ويبنيه ويُعيد قراءاته واستنطاقه بمنطق رجلٍ يستندُ إلى مبدئيته ومعاييره وعقله. يتجاوزُ مُعطى الآن ليقرأ، في ضوئه، المستقبل بتخييلٍ ثريٍّ فيه من الخيال العِلميِّ وإبداع المخيلة أشياء، وفيه من الاسنتاج المنطقي والاستقراءِ ما يجعله مُوحيًا ومُقنعًا. هذا هو الدكتور داهش في "مذكرات ديناره" الذهبي العجيب الذي يَروي ما كان معه وما سمعه وما رآه في مُغامراته المحسوبة، منذ أن أُخرج من منجم سحيقٍ في باطن الأرض إلى أن عاد إليه يَشدُّه حنينٌ إلى مثواه من جهة، ويصرفُه عن الأحياء ما رآه من مساوئهم من جهة أخرى. ويقدم، في أثناء استراقِه السمع ومُراقبته وسَردِه وأخذِه وردِّه، أفكارًا وأحكامًا وآراءً في حالات، ويقشعرُّ "بدنُه الذهبيُّ" ممَّا يرى ويسمع من الناس في حالاتٍ أُخرى، فيتساءل: "كيف لا تثورُ العنايةُ الإلهية على هذه البشرية؟" 1 وتَراه يعترضُ ويرفضُ حتى ليكاد يتمزقُ وهو المادة الصلبة. ويثورُ حين تُداسُ الفضيلة أو تمرُّ في عُنق زجاجة، فتشعرُ به يُزمجرُ في أسره المادي، ويودُّ لو ينقضُّ على طُغاة العالَم وظلامِه وظلامه، فيغيره تغييرًا.

          في كتابه "الإلهات الست" نجدُ الدكتور داهش الرومانسي يهيمُ في الطبيعة الخلابة، يرسمُها شعرًا ويتفيأُ الجمال، ويمنحُ من أعماق روحه الفياضة سِحرًا، فيُضفيه على الطبيعة. لقد يبست روحُه، وفقد كثيرًا من سيولة الحياة العذبة بعد أن جرحته شفراتُ العشق وذاق من مكرِ الناس ما ذاق، فانصرفَ عن اللذات الدنيوية إلى البحث عن أعظمها طُرًّا: لذَّةِ التماهي مع الحقيقة بعد التوق الكليِّ للعثور عليها. والحقيقة تتماهى مع مينرفا التي وافقت على أن تُرسِل إليه فينوس (أفروديت)، ربة الجمال، من قمة الأولمب لكي تعيده فتًى عاشقًا يذوبُ في اللذة وجمال الجسد وحميًا العواطف، ويعيشُ مُتع الحياة. غازلتْه ربةُ الجمال والحب، ساحرةُ القلوب، وعرضت عليه نفسها، وتضرعت إليه أن يقبلها. وخطر لها، بسبب صلابته وما يُشبه العُزوف عنها، أن تتخذه حبيبًا بعد فَقْدها لأدونيس، ولكن الشاب لم يأبه لكل ما فعلته. وضاقت فينوس بهذا الذي لا يكترثُ لجمالها وفُيوضِ جسدِها النوراني. وعشقته ومنحته ذاتها، فوجدته باردًا مُتبلِّرًا في الحقيقة التي ينشدُها. شعرت بذلك حين أحس بها تلفُّه بحنانها وجمالها وفُيوضها الحسية، فتلمس فيها مينرفا والحقيقة. عندئذٍ أدركت أنه ليس لها، وأنه يبحثُ عن سواها. وحين غاب غيابه الأخير، وجدته معها في السماء جسدًا رائعًا تملكُه روحٌ تُسيطر على الجسد، وباحثًا عن الحق والعدل والقيم تجسد لقاؤه بكل ذلك خارج حدودِ حياة البشر: في الموت والخروج من مُعاشرة الناس. ففي الحياة لا توجدُ حقيقة. الحقيقةُ خارجَ عالَم الأحياء، كما يرى الشابُّ الذي يُقدِّمه الدكتور داهش ويستنطقُه ويُنطِقُه؛ وربما يرى فيه نفسَه أو هو نفسُه على نحوٍ ما.

          وشتانَ ما بين سلاسةِ الروح التي ينطوي عليها هذا النص الذي يعود لعام 1935 ورعودِ الدكتور داهش وبروقِه وتلويحِه بالانتقام في ديوانه "بروقٌ ورعود" الذي أنجزه عام 1942، وقد قال عن قصائده: "هي بروقٌ نفسية ورعودٌ كلامية حاولتُ فيها شرح ما

-----------------------------------------

1 الدكتور داهش: "مذكرات دينار"، ط2 (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1986)، ص 300.

-------------------------------------------

أشعرُ وأُحسُّ به في مختلف شؤون هذه الحياة بصورةٍ مؤجزة"1 ولكنه، في أول بيتٍ من أبيات الديوان الذي نظمَ مُقطعاته النثرية شعرًا الشاعرُ حليم دمُّوس الداهشيُّ (توفي في 27 أيلول 1957)، يقول:

الانتقامُ مدى الحياة شعاري                   والبطشُ والتأديبُ بعضُ فخاري

          وهو يؤكد ضرورة اتخاذ موقف حادةٍ من الطغاة: "... فالجبانُ، والعديمُ الشرف، والساقطُ النفس هو مَن لا يُحاسب الغطاة حينما تدقُّ ساعةُ الحساب." ويُقيم حكم الحساب والانتقام اللذين يدعو إليهما استنادًا إلى قول السيد المسيح: "بالكيل الذي تَكيلون به يُكال لكم ويُزاد". ولكنَّ ثورته وانتقامه ينصبان على مَن عَتَى وتجبَّر.

          إنَّ فكرَ الدكتور داهش فكرٌ واضحٌ عميق، مبنيٌّ على قيم ومعايير تُعلي شأن الفضيلة والإنسانية والروح. وهو جريءٌ لا يخافُ في الحق لومَ لائم. يهتكُ أستارَ الأنفُس، ويلقي بالأقنعة في الوحل، ويكشفُ الفسادَ، ويُعري المفسدين المموهين باقتدارٍ ونفاذِ بصيرةٍ وقوةِ منطقٍ وحجة ورجاجة عقلٍ وبراعةِ استنتاج. يفعل ذلك بناءً على معرفةٍ عميقةٍ بالنفس البشرية ومحركات الحوادث والأمور، وذلك استنادًا منه إلى إيمان متجذرٍ واسع الأفق، وصدرٍ مفتوح لحرية الرأي وحرية الاعتقاد. وهو يؤمنُ بالرسالات الإلهية كلها، لا يُلغي دينًا من الأديان، ولا يُلاحقُ فكرًا يعارضُ فكرَه، ويدعو إلى وحدة الدين، ولا يُجافي حكمةً راسخة، ولا يُناهضُ عقيدةً ثابتة لأية فئةٍ من الناس أو لأي شعبس من الشعوب. ومَن يبحثْ في ثقافة الداهشيين يجدهم مُشبعين بمعرفةٍ متعمقةٍ في فهم المسيحية والإسلام يفيضُ بها خطابُهم، ويرفعون القيم الروحية والتعاليم الدينية للديانتين على الخصوص حُججًا قوية ضد من يُخالفهم في الفهم الصحيح، أو يسلكُ سلوكًا مثناهضًا لِقيَم الدين الحق.

          وفي كتابٍ حملَ عنوان "كيف عرفتُ الدكتور داهش" ألفَه الشيخ عبد الله العلايلي وختمه بمقالٍ تحت عنوان "أخي الدكتور داهش"، تجدُ الرجل فكرًا وأسلوبًا ولغةً وبلاغة وتوغلاً في النفس البشرية وتجليًا روحيًا، وذلك من خلال المقالات التي ضمَّها الكتاب؛ كما تقفُ على بعضِ تجاربه في الجلسات الروحية... وعلى إشارات لِما

-------------------------------------------

1 أوردها ماجد مهدي في مقدمته لكتاب الدكتور داهش "بروق ورعود" الذي صاغه شِعرًا الشاعرل حليم دمُّوس (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1999)، ص 11.

--------------------------------------------

يُسمَّى خوارق الدكتور داهش. وفي تلك المقالات، تشعرُ بأسلوب العلايلي في كتابة المادة بشفافيةٍ روحيةٍ فائقةٍ وبلاغةٍ لغوية تُحببك بالعربية. وتجدُ نفسَك أمام مقدرةِ الأديب المتمكن من أدواته في التعبير البليغ عن الدكتور داهش ومشاعره وأسرارِ نفسه وقُدراتِه الخارقة الخلاقة التي قال عنها: "إنني مُنحتُ قوةً روحية تُتيح لي القيام بأعمالٍ خارقة وذلك لإثبات وجود عالمٍ آخر"1 وتلمسُ ذلك من خلال رؤيته العميقة للحياة ومعرفته الدقيقة للناس والنفس البشرية. وفي فصول الكتاب، ترى الدكتور داهش في حواره الذي يُديُره مع رفاقه وأتباعه خلوقًا شفيفًا رقيقًا، يهديهم وكأنه يهتدي بهم، ويجدُ في الواحد منهم سَنَدًا ويكون له عينًا وكبدًا. والشيخ العلايلي، في جزءٍ من تلك الفصول، يُتابعُ جوانبَ روحيَّة، ويكشفُ عن حسٍّ مُرهَف، ومشاعرَ رقيقةٍ لا يشعرُ بها سواه لا سيما حينما يرى جمجمةً على منضدةٍ في المكان يستخدمُها أحدُ رُوَّاد المجلس منفضةً لرماد سيجارته، فيستعيدُ كينونتها وحيويتها ولفتاتها حيةً، ويخالُها جمجمةَ غانيةٍ في محجرتها تعليقٌ وكلامٌ وغَمزٌ ولَمز.

          ويتحدث الشيخ عبد الله العلايلي في هذا الكتاب عن ميلادِ صوفيةٍ جديدةٍ يقولُ عن أصحابها: "ظلت صوفيتهم صوفية تحضُّ على منهج وسلوكٍ فقط، وتُحرضُ على إخاء، وتَحرصُ على الصدق في هذا أو هذا... تَمسحُ به الفقاقيع النوافخ من الرغوة، فيما ظنه الناسُ منها حباتِ قلوبٍ في منظومٍ عقودٍ... مطمئنة اطمئنانها، ساعيةً سعيها، فتحتَ الرغوة اللبنُ الفصيح"2

في 28 آب من عام 1944 اعتدي على الدكتور داهش في منزله، وأكد هو وأتباعه أن الرئيس بشارة الخوري وزوجة لور شيحا الخوري وأخاها ميشال هم وراءَ الاعتداء الآثم، لأن ماري شيحا حداد، شقيقة لور وميشال، اعتنقت الداهشية هي وزوجُها وبناتُه الثلاث، وخرجتْ على كنيسة روما. وكانت ماري حداد أقوى من دافع عن الدكتور داهش إبان

----------------------------------------

1 من لقاءٍ صحفي في جريدة "الجهاد" اللبنانية بتاريخ 24/3/1954، نشر في "الرسائل المتبادلة بين الدكتور داهش ومحمد حسين هيكل" (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1981)، ص 204.

2 الشيخ عبد الله العلايلي: "كيف عرفتُ الدكتور داهش" (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1979)، ص 51.

------------------------------------------

محنته وتجريده من جنسيته ونفيه خارج لبنان، ومن أشد المعادين للرئيس بشارة الخوري. وعلى الرغم من أن الداهشية لا تُهادنُ الطغاة، بل تردُّ الصاع صاعين، كما لاحظنا من أقوال مؤسسها، فإنه منع أتباعه من اللجوء إلى الارهاب. ومصداقُ ذلك ما جاء في رسالته الى ماجدة – يكتبونها "ماجدا" – ابنةِ ماري حداد التي قررت أن تقتل بشارة الخوري انتقامًا للدكتور داهش، فنهاها عن ذلك في رسالةٍ موجهةٍ إليها قال فيها: "أعودُ فأكرر عليك الوصية لأن لا تُقدمي على أي عملٍ إرهابي، لا أنتِ ولا أيُّ أخٍ أو أخُتٍ داهشية". فانتحرت ماجدا احتجاجًا مُعلنا على الظلم الذي لحق به، وغضبًا له، وليس غضبًا منه.

          والداهشية، كما يُقدمها مؤسسُها وأتباعُه، دعوةٌ روحيةٌ وفكرية وثورةٌ إصلاحية، خرج مؤسسها وأتباعُه على كنيسة روما وتعاليمها،1 وآمنوا بالروح والقيم التي تدعو إليها الدياناتُ كافةً، لا سيما المسيحية والإسلام. ونُوردُ هنا مقتطفاتٍ مُقتضية هي إشاراتٌ دالة عليها، في محاولةٍ للتعريف الموجز بها.

          قال مؤسسها الدكتور داهش: "ولعل مبدأ السيالات الذي تُبشرُ به الداهشية أقوى دليلٍ على تجاوُبِها مع الإسلام والمسيحية، مع روح هاتين الشريعتين اللتين تلتقيان، عند الذين يعلمون، في الجوهر وفي كل ما هو قيمةٌ ونافعٌ لنبي الإنسان."2

          وجاء في "الرسائل المتبادلة" قوله: "... فالمالُ والعظمة الكاذبة، والغرور، والمجدُ الوهميُّ، والسيادةُ المسيطرة، والجبروتُ والطغيان، هي حلمُ الجميع ومبتغى الكلِّ، وأُمنيةٌ البشرية منذ فجر تاريخها المعروف حتى يومنا هذا، وحتى فناء كوكبنا الأرضي. لهذا تراني الآن أتخيلُ مواكبَ الإنسانية المندثرة وهي لا غاية لها إلا السيطرة والإثراءُ والطغيان. أما العدالة، أما الرحمة، أما المساواة، أما التضحية والمفاداة، فهي كلماتٌ طنانةٌ فارغة، وليس مَن يهتمُّ بتبنيها بصورةٍ صادقة. ولكنهم يتخذونها ستارصا لغاياتٍ يريجون تنفيذها بواسطتها. هذا ما حاولتُ إفهام إخواني إياه، وما غرستُه في نفوسهم، فكان ما كان من الظلم الرهيب الذي نالني".3

-----------------------------------------

1 تقول ماري حداد الداهشية" "أما انفصالنا عن كنيسة روما فقد أعلناه وأشهرناه وأذعناه..." ("الرسائل المتبادلة"، ص158).

2 جريدة "الهدف" اللبنانية، 10 آب 1965 ("الرسائل المتبادلة"، ص 221).

3" الرسائل المتبادلة"، ص 44.

-----------------------------------------------------

وفي مجال الرؤية السياسية وما يتوجب على الساسة القيام به من أجل إصلاح العالم وصلاحه وأمنه وسِلمِه، يقول: "إن على ساسة العالم، في أربعة أقطار المعمور، أن يبنوا (عالمًا واحدًا) إذا رغبوا في أن يسودَ السلامُ العام أرجاءَ هذه الكرة اللعينة".1 ومن هذه الإشارات تقف على النزعة الروحية الإنسانية الكونية، وعلى تعلق بالحرية والعدالة والمثل. وعند الداهشية، "الويل لمَن تأتي على يده الشكوكُ والعثرات"2.

          لقد أشرتُ فيما سبق إلى تأكيد الدكتور داهش أن موقفه من الإسلام كان السبب الأهم في تجريده من جنسيته اللبنانية.3 كما أشرتُ إلى موقفه9 من الكنيسة وموقف رجالها منه بصورة عامة، وكنيسة روما بصورةٍ خاصة، وموقفه من رجال المال والسياسة، وهؤلاء هم الفئة الحاكمة وصاحبةُ السلطة والقرار والنفوذ. كما أشرتُ إلى انفتاحه على كل الأديان وكل البشر الذين يؤمنُ ببعثهم ونُشورهم، وبأنهم لم يُخلقوا عبثًا. وهو يكثف كل ذلك في رؤية يعمل عليها ورسالةٍ يُعلنا قِوامُها الإيمان بالأديان والدعوةُ إلى وحدة الدين. وهو، في هذا التوجه، يوافقُ ما جاء في القرآن الكريم ويتمثلُ قوله تعالى:

(آمن الرسولُ بما أُنزل إليه من ربِّه، والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكُتُبه ورُسُله، لا نُفرق بين أحدٍ من رُسُله. وقالوا سمعنا وأطعنا. غفرانك ربنا، وإليك المصير). (سورة البقرة: 285).

          وقد بقيَ الدكتور داهش ثابتًا على إيمانه ومبادئه، وفيًّا لنهجه ومنهجه، صلبصا في عزمه والتزامه ومواقفه على الرغم من الصعاب التي واجهته والعذاب الذي تعرض له. وبقي واثقًا من نفسه ومن انتصاره، يتفاءل ويناضلُ ويعمل لكي يتحقق ما يؤمن به. وبقي أتباعه على عهده، يتمسكون برسالته ويدافعون عنها ويعملون على نشرها وترسيخ ما آمنبه مؤسسها. وذلك الذي آمن به يبدو له ولأتباعه الداهشيين يقيناً لا ريب فيه. فهم يرددن قوله الذي نقلته عنه ماري حداد الداهشية: "سأنهض، وأحطم قيودي، وأجتازُ جحيمَ هذه الحياة بقلبٍ جريْ وإرادةٍ جبارة، وأتمكَّن من ناصية المجد والانتصار"4

-------------------------------------

1 "مذكرات دينار"، ص 108.

2 المرجع السابق، ص 314.

3 الرسائل المتبادلة"، ص 42 و ص 46.

4 الرسائل المتبادلة"، ص 217.

------------------------------------------------------

لا أظن أن فكرَ الدكتور داهش ودعوتَه قد شاخا. ولا أظنُّ أن أتباعه قد ضعفوا أو ملّثوا، بل هم اليومَ يستعيدون نبضَ قوةٍ وحيويةٍ، ويؤكدون ثباتهم على الرسالة والعهد، ورسوخَ الداهشية ومؤسسها، لا سيما بمناسبة مرور مئة سنةٍ على ولادته. ولا أظن أن مُحركاتِ الأمور والحوادث قد تغيرت؛ فالمالُ والقوةُ العمياء والسلطة والنفوذ والفساد، كلُّ ذلك يُشكل الريح والموجَ وقوة الدفع في عالم تضعفُ فيه الروحُ وتقوى المادة، وينتشرُ فيه الفقرُ والموت، ويسودُه القلق، ويحرك أموره الطُّغاة والبُغاة. وما الإرهابُ والعدوان والكوارث في العالم اليومَ، وما تفاقُمُ الأزمة الاقتصادية العالمية التي تطحنُ الأفرادَ والدول والشعوب الفقيرة، ولا يستفيدُ منها سوى اللصوص، إلا أدلةً وتأكيدًا لمصداق قول من أدان سيطرة المال والمادة على الروح والمُثُل والناس، وحذَّر من استمرار اندفاع البغي والطغيان والظلم على أجنحةِ المال والقوة والفساد في عالَمٍ هو أحوَجُ ما يكون إلى الخير والسلم والعدالة والإصلاح.

          إن بؤس البشر وفقرهم والعدوان على الحقوق والحريات والعدالةِ والقيم، والاتجار بها وتشويه معاييرها ومفاهيمها، كل ذلك يحتاج إلى دُعاةٍ ومُناضلين وروحانيين يؤمنون بحقِ الإنسان في الحياة الكريمة، وبسُموِّ الروح فوق المادة، والفضيلة على الرذيلة، في دنيا إلى زوال.

                                                                             دمشق، في 31/3/2009

Developed by WARM Studios        Copyright 2017 This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.nfo All Right Reseved This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.