أنا أؤمن بأنه توجـد عدالة سماويّة, وأن جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدنيا من مُنغصات انَّ هـو الاّ جـزاءٌ وفاق لِما أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور.ولهـذا يجب علينا أن نستقبلَ كلّ مـا يحـلّ بنـا من آلامِ الحياةِ ومآسيها غير مُتبرّمين ولا متذمّرين , بل قانعين بعدالةِ السماء ونُظمها السامية.

Highlighter
أحبُّ الكُتُبَ حبَّ السُكارى للخمر , لكنَّني كلَّما أزددتُ منها شرباً, زادتني صَحوا
ليس مّنْ يكتُبُ للهو كمَن يكتُبُ للحقيقة
الجمالُ والعفّــة فـردوسٌ سماويّ .
لا معنى لحياةِ ألأنسان اذا لم يقم بعملٍ انسانيٍّ جليل .
اعمل الخير , وأعضد المساكين , تحصل على السعادة .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقـوم بأعمالِ الخير نحـو ألأنسانيّة .
الموتُ يقظةٌ جميلة ينشُدها كل مَنْ صَفَتْ نفسه وطَهرت روحه , ويخافها كلّ من ثقُلت أفكاره وزادت أوزاره .
ان أجسامنا الماديّة ستمتدّ اليها يـد ألأقـدار فتحطِّمها , ثمّ تعمل فيها أنامل الدهـر فتتَّغير معالمها , وتجعلها مهزلةً مرذولة . أمّا ألأعمال الصالحة وألأتجاهات النبيلة السّامية , فهي هي التي يتنسَّم ملائكة اللّه عبيرها الخالد .
نأتي إلى هذا العالمِ باكين مُعولين، و نغادره باكين مُعولين! فواهً لك يا عالمَ البكاء والعويل!
جميعنا مُغترٌّ مخدوعٌ ببعضه البعض.
العدلُ كلمة خُرافية مُضحكة.
أمجادُ هذا العالم وهمٌ باطل، و لونٌ حائل، و ظلٌّ زائل.
لا باركَ الله في تلك الساعة التي فتحتُ فيها عينيّ فإذا بي في مكانٍ يطلقون عليه اسم العالم .
أنا غريبٌ في هذا العالم، و كم احنُّ إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.
الحياةُ سفينةٌ عظيمة رائعة تمخرُ في بحرٍ، ماؤه الآثام البشريَّة الطافحة، و امواجه شهواتهم البهيميَّة الطامحة، و شطآنه نهايتهم المؤلمة الصادعة.
كلّنا ذلك الذئبُ المُفترس , يردع غيره عن اتيانِ الموبقاتِ وهو زعيمها وحامل لوائها , المُقوّض لصروح الفضيلة , ورافع أساس بناءِ الرذيلة .
الحياةُ سلسلة اضطراباتٍ وأهوال , والمرءُ يتقلَّب في أعماقها , حتى يأتيه داعي الموت, فيذهب الى المجهولِ الرهيب , وهو يجهلُ موته , كما كان يجهلُ حياته .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقومَ بأعمالِ الخير نحو الانسانيّة .
المالُ ميزان الشرِّ في هذا العالم .
السعادةُ ليست في المال , ولكن في هدوءِ البال .
كلُّ شيءٍ عظيمٍ في النفسِ العظيمة , أمّا في النفسِ الحقيرة فكلُّ شيءٍ حقير .
الرُّوح نسمةٌ يُرسلها الخالق لخلائقه لأجل , ثم تعودُ اليه بعجل .
الرُّوح نفثةٌ الهيَّة تحتلُّ الخلائق , وكل منها للعودة الى خالقها تائق .
الرُّوح سرٌّ الهيٌّ موصَدْ لا يعرفه الاّ خالق الأرواح بارادته , فمنه أتتْ واليه تعود .
أنا أؤمن بأنه توجـد عدالةٌ سماويّة , وأنَّ جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدُّنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدارٍ انَّ هـو الاَّ جـزاء وفاق لمِا أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور . ولهـذا يجب علينا أن نستقبل كلَّ مـا يحـلُّ بنـا من آلام الحياة ومآسيها غير م
الحرّيةُ منحة من السماءِ لأبناءِ ألأرض .
الموتُ ملاكُ رحمةٍ سماويّ يعطف على البشر المُتألّمين , وبلمسةٍ سحريّة من أنامله اللطيفة يُنيلهم الهناء العلويّ .
ما أنقى من يتغلّب على ميولِ جسده الوضيع الفاني , ويتبع ما تُريده الرُّوح النقيّة .
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
الراحة التامّة مفقودة في هذا العالم , وكيفما بحثت عنها فأنت عائدٌ منها بصفقةِ الخاسر المَغبون .
ليس أللّــه مع الظالم بل مع الحقّ.
ان الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الكاذب.
ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين وغوث الملهوفين والحنو على القانطين , وما أقلَّ تنفيذهم القول.
يظنُّ بعض ألأنذال ألأدنياء أنّهم يُبيّضون صحائفهم بتسويدِ صحائف الأبرياء , غير عالمين بأنَّ الدوائر ستدور عليهم وتُشهّرهم.
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السَّلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
رهبة المجهول شقاء للبشرِ الجاهلين للأسرارِ الروحيَّة , وسعادة للذين تكشّفت لهم الحقائق السماويَّة .
الموتُ نهاية كل حيّ , ولكنه فترة انتقال : امّا الى نعيم , وامّا الى جحيم .
الحياةُ خير معلِّمٍ ومُؤدِّب , وخيرَ واقٍ للمرءِ من الأنزلاقِ الى مهاوي الحضيض .
حين تشكُّ بأقربِ المُقرَّبين اليك تبدأ في فهمِ حقائق هذا الكون .
مَنْ يكون ذلك القدّيس الذي لم تخطرُ المرأة في باله ؟ لو وجدَ هذا لشبَّهته بالآلهة .
المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السُّلطان. و هي تحملُ بيدها سيفاً قاطعاً لو حاولَ رجالُ الأرض قاطبةً انتزاعه منها لباؤوا بالفشلِ و الخذلان .

 

 




النبيّ



و ظل المصطفى , المختار الحبيب , الذي كان فجراً لذاته , يترقب عودة سفينته في مدينة اورفيليس اثنتي عشرة سنة ليركبها عائداً إلى الجزيرة التي ولد فيها .
و في السنة الثانية عشرة, وفي اليوم السابع من أيلولشهر الحصاد صعد إلى قمة إحدى التلال القائمة وراء جدران المدينة و ألقى نظرة عميقة إلى البحر, فرأى سفينته تمخر عباب البحر مغمورة بالضباب
      
فاختلج قلبه في أعماقه, وطارت روحه فوق البحر فرحاً , فأغمض عينيه , ثم صلىّ في سكون نفسه .
غير أنه ماهبط عن التلة حتى فاجأته كآبة صماء, فقال في قلبه: كيف انصرف من هذه المدينة بسلام, وأسير بالبحر من غير كآبة ؟ كلا ! إنني لن أبرح هذه الأرض حتى تسيل الدماء من جراح روحي
فقد كانت أيام كآبتي طويلة ضمن جدرانها , وأطول منها كانت ليالي وحدتي وانفرادي , ومن ذا يستطيع أن ينفصل عن كآبته ووحدته من غير أن يتألم قلبه ؟
كثيرةهي أجزاء روحي التي فرقتها في هذه الشوارع و كثير هم ابناء حنيني الذين يمشون عراةبين التلال فكيف أفارقهم من غير أن اثقل كاهلي و أضغط روحي !
فليس ما أفارقه بالثوب الذي انزعه عني اليوم ثم ارتديه غدا , بل هو بشرة أمزقها بيدي
كلا و ليس فكراً أخلفه ورائي بل هو قلب جمّلته مجاعتي و جعله عطشي رقيقاً خفوقاً
بيد أني لا أستطيع أن أبطئ في سفري
فإن البحر الذي يدعو كل الأشياء إليه يستدعيني فيجبعليّ أن أركب سفينتي و أسير في الحال إلى قلبه
ولو أقمت الليلة ههنا فإنني مع أن ساعات الليل ملتهبة أجمد و أبلور و أتقيد بقيود الأرض الثقيلة
و إنني أود لويتاح لي أن يصحبني جميع الذين ههنا ولكن أنى يكون لي ذلك ؟
فإن الصوت لا يشتطيع أن يحمل اللسان و الشفتين اللوتي تسلحن بجناحيه و لذلك فهو وحده يخترق حجب الفضاء
أجل و النسر يا صاح لا يحمل عشه بل يطير وحده محلقا في عنان السماء

وعندما بلغ المصطفى سفح التلة التفت ثانية "إلى البحر فرأى سفينته تدنو من المرفأ و أبناء بلاده يروحون ويجيئون على نقدّمها
فهتف لهم من صميم فؤاده و قال :
يا أبناء أمي الاولى أيها الراكبون متون الأمواج المذللون مدها وجزرها كم من مرة أبحرتم في أحلامي ! و ها قد أتيتم و رأيتكم في يقظتي التي هي أعمق أحلامي .
إنني على اتم الأهبة للإبحار و في اعماقي شوق عظيم يترقب هبوب الريح على القلوع بفارغ الصبر
و لكنني أود أن اتنفس مرة واحدة في هذا الجو الهادئ وأن ابعث بنظرة عطف واحدة إلى الوراء
و حينئذ أقف معكم ملاحا بين الملاحين
أما انت أيها البحر العظيم أيها الأم الهاجعة
أنت أيها البحر العظيم الذي فيك وحدك يجد النهر و الجدول سلامهما و حريتهما
فاعلم أن هذا الجدول لن يدور إلا دورة واحدة بعد و لن يسمع أحد خريره على هذا المعبر اليوم و حينئذ آتي إليك نقطة طليقة إلى اوقيانوس طليق
و فيما هو ماش رأى عن بعد رجالاً و نساء يتركون حقولهم وكرومهم و يهرولون إلى أبواب المدينة
وسمعهم يصرخون بعضهم ببعض من حقل إلى حقل مرددين اسمه وكل منهم يحدث رفيقه بقدوم سفينته

وسمعهم يصرخون بعضهم ببعض من حقل إلى حقل مرددين اسمه وكل منهم يحدث رفيقه بقدوم سفينته
فقال في نفسه:
أيكون يوم الفراق يوم الاجتماع ؟
أم يجري على الأفواه أم مسائي كان فجراً لي ؟
وماذا يجدر بي أن أقدم للفلاح الذي ترك سكته في نصف تلمه و للكرّام الذي أوقف دولاب معصرته ؟
أيتحول قلبي إلى شجرة كثيرة الأثمار فأقطف منها وأعطيهم ؟
أم تفيض رغباتي كالينبوع فأملأ كؤوسهم ؟
هل أنا قيثارة فتلامسني يد القدير أم أنا مزمار فتمر بي أنفاسه ؟
أجل إنني هائم أنشد السكينة و لكن ماهوالكنز الذي وجدته في السكينة لكي أوزعه بطمأنينة ؟
و إن كان هذا اليوم يوم حصادي ففي أية حقول بذرت بذاري و في أي فصل من الفصول المجهولة كان ذلك ؟
و إن كانت هذه هي الساعة التي يجدر بي أن أرفع فيها مصباحي واضعا إياه على منارتي فإن النورالذي يتصاعد منه ليس مني
لأنني سأرفع مصباحي فارغا مظلما
و لكن حارس الليل سيملأ ه زيتا و سينيره أيضا
قال هذا معبرا عنه بالألفاظ ولكن كثيرة مثل هذا حفظه في قلبه من غير أن يعلنه لأنه نفسه لم يقدر أن يوضح سره العميق
و عندما دخل المدينة استقبله الشعب بأسره و كانوا يهتفون له مرحبين به بصوت واحد
فوقفه شيوخ المدينة وقالوا له: بربك لا تفارقنا هكذا سريعا, فقد كنت ظهيرة في شفقنا, وقد أوحى شبابك الأحلام في نفوسنا
و أنت لست غريب بيننا كلا و لا أنت بالضيف بل أنت ولدنا و قسيم أرواحنا الحبيب
فلا تجعل عيوننا تشتاق إلى رؤية وجهك

ثم قال له الكهان و الكاهنات:
لا تأذن لأمواج البحر أن تفصل بيننا فتجعل الأعوام التي قضيتها بيننا نسياً منسياً, فقد كنت فينا روحا محيية, وكان خيالك نورا يشرق على وجوهنا وقد عشقتك قلوبنا و علقتك أرواحنا
ولكن محبتنا تقنعت بحجب الصمت فلم نستطيع أن نعبر عنها, بيد أنها تصرخ إليك الآن بأعلى صوتها و تمزق حجبها لكي تظهرلك حقيقتها
فإن المحبة منذ البدء لا تعرف عمقها إلا ساعة الفراق
ثم جاء إله كثيرون متوسلين متضرعين فلم يرد على أحد جوابا ولكنه كان يحني رأسه وكان الواقفون حوله ينظرون عبراته تتساقط بغزارة على وجنتيه وصدره
وظل يمشي مع الشعب حتى وصلواإلى الساحة الكبرى أمام الهيكل



المطرة

وحدث إذ ذاك أم امرأة عرافة خرجت من المقدس اسمها المطرة فنظر إليها نظرة ملؤها الحي و الحنان لأنها كانت أول من سعى إليه و آمن به مع أنه لم يكن له إلا ليلة و ضحاها في مدينتهم
فحيته باحترام و قالت له : يا نبي الله قد طالما كنت تسعى وراء ضالتك المنشودة مفتشاً عن سفينتك التي كانت بعيدة عنك
وها قد وصلت سفينتك و لم يبق من بد لسفرك
عظيم هو حنينك إلى أرض أحلامك و تذكاراتك و مواطن الفائقات من رغباتك و لذلك فإن محبتنا لا تقيدك و حاجتنا إليك لا تمسك بك و لكننا واحدة نسألك قبل أن تفارقنا :
أن تخطب فينا و تعطينا من الحق الذي عندك , ونحن نعطيه لأولادنا و أولادنا لأولادهم و حفدتهم و هكذا يثبت كلامك فينا على مر العصور
ففي وحدتك كنت ترقب أيامنا و في يقظتك كنت تصغي إلى بكائنا و ضحكنا في غفلتنا
لذلك نضرع إليك أن تكشف مكنوناتنا لذواتنا و تخبرنا بكل ما أظهر لك من أسرار الحياة من المهد إلى اللحد
فأجاب قائلا :
با أبناء اورفيليس بماذا أحدثكم إن لم أظهر لكم ما يختلج في نفوسكم و تتحرك به ضمائركم حتى في هذه الساعة؟



المحبّة


حينئذ قالت له المطرة : هات لنا خطبة في المحبة
فرفع رأسه و نظر إلى الشعب نظرة محبة وحنان فصمتوا جميعهم خاشعين فقال لهم بصوت عظيم :
إذا أشارت المحبة إليكم فاتبعوها , و إن كانت مسالكها صعبة متحدرة
وإذا ضمتكم بجناحيها فأطيعوها , و إن جرحكم السيف المستور بين ريشها
و إذا خاطبتكم المحبة فصدقوها , و إن عطل صوتها أحلامكم و بددها كما تجعل الريح الشمالية البستان قاعا صفصفاً
لآنه كما أن المحبة تكللكم فهي أيضا تصلبكم , وكما تعمل على نموكم هكذا تعلمكم و تستأصل الفاسد منكم
و كما ترتفع إلى أعلى شجرة حياتكم فتعانق أغصانها اللطيفة المرتعشة أمام وجه الشمس ,
هكذا تنحدر إلى جذورها الملتصقة بالتراب و تهزها في سكينة الليل
المحبة تضمكم إلى قلبها كأغمار الحنطة
وتدرسكم على بيادرها لكي تظهر عريكم
و تغربلكم لكي تحرركم من قشوركم
و تطحنكم لكي تجعلكم أنقياء كالثلج و تعجنكم بدموعها حتى تلينوا
ثم تعدكم لنارها المقدسة لكي تصيروا خبزاً مقدساً يقرب على مائدة الرب المقدسة
كل هذا تصنعه المحبة بكم لكي تدركوا أسرار قلوبكم فتصبحوا بهذا الادراك جزءاً من قلب الحياة
غير أنكم إذا خفتم و قصرتم سعيكم على الطمأنينة و اللذة في المحبة فلأجدر بكم أن تستروا عريكم وتخرجوا من بيدر المحبة إلى العالم البعيد حيثما تضحكون ولكن ليس كل ضحككم ولكن ليس كل ما في مآقيكم من الدموع
المحبّة لا تعطي إلا نفسها , ولا تأخذ إلا من نفسها
المحبة لا تملك شيئا و لا تريد أن يملكها أحد
لأن المحبّة مكتفية بالمحبة
أما أنت إذا أحببّت فلا تقلّْ : " إن الله في قلبي " بل قل بالأحرى : " أنا في قلب الله "
و لا يخطر لك البتة أنك تستطيع أن تتسلط على مسالك المحبة لأن المحبة إن رأت فيك استحقاقاً لنعمتها تتسلط هي على مسالكك
و المحبّة لا رغبة لها إلا في أن تكمل نفسها
و لكن إذا أحببن و كان لا بد من أن تكون لك رغبات خاصة بك فلتكن هذه رغباتك :
أن تذوبَ و تكون كجدول متدفق يشنف آذان الليل بأنغامه
أنت خبر الآلام التي في العطف المتناهي
أن يجرحك إدراكك الحقيقي للمحبة في حبة قلبك و أن تنزف دماؤك و أنت راض مغتبط
أن تنهض عند الفجر بقلب مجنح خفوق فتؤدي واجب الشكر ملتمسا يوم محبة آخر
أن تستريح عند الظهيرة وتناجي نفسك بوجد المحبة
أن تعود إلى منزلك عند المساء شاكراً :
فتنام حينئذ و الصلاة لآجل من أحببت تتردد في قلبك و أنشودة الحمد و الثناء مرتسمة على شفتيك.




الزواج

ثم قالت له المطرة ثانية : وما رأيك فيالزواج أيها المعلم ؟
فأجاب قائلاً :
قد ولدتم معا و ستظلون معا إلىالأبد
و ستكونون معا عندما تبدّد أيامكم أجنحة الموت البيضاء أجل وستكونون معاحتى في سكون تذمارات الله
ولكن فليكن بين وجودكم معا فسحات تفصلكم بعضكم عن بعضحتى ترقص أرياح السموات فيما بينكم
احبوا بعضكم بعضا ولكن لا تقيدوا المحبةبالقيود بل لتكن المحبة بحرا متموجا بين شواطئ نفوسكم
ليملأ كل واحد منكم كأسرفيقه ولكن لا تشربوا من كأس واحدة أعطوا من خبزكم كل واحد لرفيقه ولكن لا تأكلوامن الرغيف الواحد
غنوا ارقصوا معا وكونوا فرحين ابدا ولكن فليكن كل منكم علىحده
كما أن واتار القيثارة يقوم كل منها وحده ولكنها جميعا تخرج نغماواحدا
ليعط كل منكم قلبه لرفيقه ولكن حذار أن يكون هذا العطاء لأجل الحفظ لأن يدالحياة وحدها تستطيع أن تحتفظ بقلوبكم
قفوا معا ولكن لا يقرب احدكم من الاخركثيرا لن عمودي الهيكل يقفان منفصلين
و السنديانة والسروة لا تنمو الواحدة منهمافي ظل رفيقتها




العطاء

ثم قال له رجل غني : هات حدثنا عنالعطاء
فأجاب قائلا:
إنك إذا اعطيت فإنما تعطي القليل من ثروتك
و لكن لاقيمة لما تعطيه ما لم يكن جزءاً من ذاتك لأنه أي شيء هي ثروتك ظ
ألبست مادةفانية تخزنها في خزائنك و تحافظ عليها جهدك خوفا من أن تحتاج إليها غدا ؟
و الغد , ماذا يستطيع الغد أن يقدم للكلب البالغ فطنة الذي يطمر العظام في الرمال غيرالمطروقة و هو يتبع الحجاج إلى المدينة المقدسة ؟
أو ليس الخوف هو الحاجة هوالحاجة بعينها ؟
أو ليس الظمأ الشديد للماء عندما تكون بئر الظامئ ملآنة هوالعطش الذي لا تروى غلته ؟
من الناس من يعطون قليلاً من الكثير عندهم وهم يعطونهلأجل الشهرة و رغيتهم الخفية في الشهرة الباطلة تضيع الفائدة من عطاياهم
و منهممن يملكون قليلاً و يعطونه بأسره
ومنهم المؤمنون بالحياة و بسخاء الحياة هؤلاءلا تفرغ صناديقهم و خزائنهم ممتلئة ابدا
ومن الناس من يعطونه بفرح و فرحهممكافأة
و منهم من يعطونه بألم و ألمهم معمودية لهم



و هنالكالذين يعطون ولا يعرفون معنى الألم في عطائهم و لا يتطلبون فرحا و لا يرغبون فيإذاعة فضائلهم هؤلاء يعطون مما عندهم كما يعطي الريحان عبيره العطر في ذلكالوادي
بمثل أيدي هؤلاء يتكلم الله و من خلال عيونهم يبتسم على الأرض
جميلأن تعطي من يسألك ما هو في حاجة إليه
ولكن أجمل من ذلك أن تعطي من لا يسألك وأنت تعرف حاجته
فإن من يفتح يديه و قلبه للعطاء يكون فرحه بسعيه إلى من يتقبلعطاياه و الاهتداء إليه أعظم منه بالعطاء نفسه
وهل في ثروتك شي تقدر أن تستبقيهلنفسك ؟
فإن كل ما تملكه اليوم سيفترق ولا شك يوما ما , ذلك أعط منه الآن ليكونفصل العطاء من فصول حياتك أنت دون ورثتك
وقد طالما سمعتك تقول متبجحاً : إننيأحب أن أعطي و لكن المستحقين فقط
فهل نسيت يا صاح أن الأشجار في بستانك لا تقولقولك و مثلها القطعان في مراعيك ؟
فهي تعطي لكي تحيا لأنها إذا لم تعط عرضتحياتها للتهلكة
الحق أقول لك إن الرجل الذي استحق أن يقتبل عطية الحياة و يتمتعبأيامه و لياليه هو مستحق لكل شيء منك
و الذي استحق أن يشرب من أوقيانوس الحياةيستحق أن يملأ كأسه من جدولك الصغير
لأنه أي صحراء أعظم من الصحراء ذات الجرأةو الجسارة على قبول العطية بما فيها من الفضل و المنة ؟

و أنت من أنت حتى أنالناس يجب أن يمزقوا صدورهم و يحسروا القناع عن شهامتهم و عزة نفوسهم لكي ترىجدارتهم لعطائك عارية و أنفتهم مجردة عن الحياء ؟
فانظر أولا هل أنت جدير بأنتكون معطاء و ألة عطاء
لأن الحياة هي التي تعطي الحياة في حين أنك و أنت الفخوربأن قد صدر العطاء منك لست بالحقيقة سوى شاهد بسيط على عطائك
أما أنتم الذينيتناولون العطاء و الإحسان و كلكم منهم فلا تتظاهروا بثقل واجب معرفة الجميل لئلاتضعوا بأيدكم نيراً ثقيل الحمل على رقابكم و رقاب الذين أعطوكم
بل فلتكن عطاياالمعطي أجنحة ترتفعون بها معه
لأنكم إذا أكثرتم من الشعور بما أنتم عليه منالدين فإنكم بذلك تظهرون الشك و الريبة في أريحية المحسن الذي أمة الأرض السخية وأبوه الرب الكريم .




الغذاء

و بعد ذلك جاء إليه فندقي شيخو قال له: هات حدثنا عن المأكل و المشرب
فأجاب قائلا: أود لو أنك تقدر أن تعيشعلى عبير الأرض تكتفي بالنور كنباتات الهواء
غير أنك مضطر أن تقتل لتعيش و أنتسرق المولود الصغير من حضن أمه مختطفا حليبها لتبريد ظمأك
لذلك فليكن عملكمظهرا من مظاهر العبادة
ولتكن مائدتك مذبحا تقرب عليه التقادم التقية الطاهرة منالحقول و السهول ضحية لما هو أكثر منها نقاوة في أعماق الإنسان
و إذا ذبحتحيوانا فقل له في قلبك:
إن القوة التي أمرت بذبحك ستذبحني نظيرك
و عندماتحين ساعتي سأحترق مثلك
لأن الشريعة التي أسلمتك إلى يدي ستسلمني إلى يدي من هوأقوى مني
وليس دمك ودمي سوى عصارة قد أعدت منذ الأزل غذاء لشجرة السماء

وإذا نهشت تفاحة بأسنانك فقل لها في قلبك:
إن بذورك ستعيش في جسدي, والبراعم التي ستخرج منها في الغد ستزهر في قلبي
و سيتصاعد عبيرك مع أنفاسي , وسأفرح معك في جميع الفصول
و إذا قطفت العنب من كرومك في أيام الخريف و حملتهإلى المعصرة فقل له في قلبك:
أنا كرمة مثلك و ستجمع أنماري و تحمل إلى المعصرة وسيضعونني كالخمر الجديدة في زقاق جديدة
و عندما تستقي الخمرة في زقاقها أيامالشتاء أنشد في قلبك أنشودة لكل كأس تشربها
و ليكن لك من أناشيدك أجملالتذكارات لأيام الخريف و للكرمة و المعصرة


العمل


ثم جاءإليه فلاح وقال له: هات حدثنا عن العمل
فأجاب قائلاً:
إنكم تشتغلون لكيتجاروا الأرض و نفس الأرض في سيرها
لأن الكسول غريب عن فصول الأرض و هائم لايسير في موكب الحياة السائرة بعظمة و جلال في فضاء اللانهاية إلى غيرالمتناهي
فإذا استغلت فما أنت سوى مزمار تختلج في قلبك مناجاة الأيام فتتحول إلىموسيقى خالدة
ومن منكم يود أن يكون قصبة خرساء صماء و جميع ما حولها يترنم معابأنغام متفقة ؟
قد طالما أخبرتم أن العمل لعنة والشغل نكبة ومصيبة
أما أنافأقول لكم إنكم بالعمل تحققون جزءاّ من حلم الأرض البعيد جزءاً خصص لكم عند ميلادذلك الحلم
فإذا واظبتم على العمل النافع تفتحون قلوبكم بالحقيقة لمحبة الحياة
لأن من أحب الحياة بالعمل النافع تفتح له الحياة أعماقها و تدنيه من أبعدالأسرار

لأن من أحب الحياة بالعمل النافع تفتح له الحياة أعماقها و تدنيه منأبعد أسرارها
ولكن إذا كنتم وأنتم في الآلام تدعون الولادة كآبة و دعامة الجسدلعنة مكتوبة على جباهكم فإنني الحق أقول لكم إنه ما من شيء يستطيع أن يمحو هذهالكتابة و يغسل جباهكم من آثارها سوى سعيكم و جهادكم و قد ورثتم عن جدودكم القول إنالحياة ظلمة فرحتم في عهد مشقتكم ترددون ما قاله قبلكم جدودكم المزعجون
فالحقأقول لكم إن الحياة تكون بالحقيقة ظلمة حالكة إذا لم ترافقها الحركة
و الحركةتكون عمياء لا بركة فيها إن لم ترافقها المعرفة
و المعرفة تكون عقيمة سقيمة إنلم يرافقها العمل
و العمل يكون باطلاً و بلا ثمر إن لم يقترن بالمحبة لأنكم إذااشتغلتم بمحبة فإنما تربطون أنفسكم و أفرادكم بعضها ببعض و يرتبط كل واحد منكمبربه
وما هو العمل المقرون بالمحبة ؟
هو أن تحوك الرداء بخيوط مسحوبة من نسيجقلبك مفكراً أن حبيبك سيرتدي ذلك الرداء
هو أن تبني البيت بحجارة مقطوعة من مقلعحنانك و إخلاصك مفكراً أن حبيبك سيقطن في ذلك البيت
هو أن تبذر البذور بدقةوعناية و تجمع الحصاد بفرح و لذة كأنك تجمعه لكي يقدم على مائدة حبيبك
هو ان تضعفي كل عمل من أعمالك نسمة من روحك , وتثق بأن جميع الأموات الأطهار محيطون بكيراقبون ويتأملون
و كثيراً ما كنت أسمعكم تناجون أنفسكم كأنكم في نوم عميققائلين : إن الذي يشتغل بنحت الرخام فيوجد مثالاً محسوساً لنفسه من الحجر الأصم هوأشرف من الفلاح الذي يحرث الأرض
و الذي يستعير من قوس قزح ألواناً يحول بها قطعةمن النسيج الحقيرة إلى صورة إنسان هو أفضل من الاسكافي الذي يصنع الأحذية لأقدامنا "
ولكني أقول لكم لا في نوم الليل بل في يقظة الظهيرة البالغة إن الريح لاتخاطب السنديانة الجبارة بلهجة أحلى من اللهجة التي تخاطي بها أحقر أعشابالأرض
والعظيم العظيم ذلك الذي يحول هيمنة الريه إلى أنشودة تزيدها محبته حلاوةو عذوبة
أجل إن العمل هو الصورة الظاهرة للمحبة الكاملة
فإذا لم تقدر أنتشتغل بمحبة و كنت متضجرا ملولاً فلأجدر بك أن تترك عملك و تجلي على درجات الهيكلتلتمس صدقة من العملة المشتغلين بفرح وطمأنينة
لأنك إذا خبزت خبزاً و انت لا تجدلك لذة في عملك فإنما أنت تخبز علقماً لا يشبع سوى نصف مجاعة الإنسان
و إذاتذمرت و أنت تعصر عنبك فإن تذمرك يدس لك سماً في الخمرة المستقطرة من ذلكالعصير
و إن أنشدت أناشيد الملائكة و لم تحب أن تكون منشداً فإنما أنت تصم آذانالناس بأنغامك عن الإصغاء إلى أناشيد الليل والنهار







الفرح والترح

ثم قالت له امرأة : هاتلنا شيئاً عن الفرح و الترح
إن فرحكم هو ترحكم ساخرا...
و البئر الواحدةالتي تستقون منها ماء ضحككم قد طالما ملئت بسخين دموعكم
وهل في الإمكان أن يكونالحال على غير هذا المنوال ؟
فكما أعمل وحش الحزن أنيابه في أجسادكم تضاعف الفرحفي اعماق قلوبكم
لأنه أليست الكأس التي تحفظ خمرتكم هي نفس الكأس التي أحرقت فيأتون الخراف قبل أن بلغت إليكم؟
أم ليست القيثارة التي تزيد طمأنينة أرواحكم هينفس الخشب الذي قطع بالمدى والفؤوس؟
فإذا فرحتم فتأملوا ملياً في أعماق قلبوكمتجدوا أم ما أحزنكم قبلا يفرحكم الآن و إذا احاطت بكم جيوش الكآبة ببصائركم ثانيةإلى أعماق قلوبكم و تأملوا جيدا تروا هنالك بالحقيقة أنكم تبكون لما كنتم تعتقدونأنه غابة مسراتكم على الأرض
و يخيل إلي أن فريقاً منكم يقول : " إن الفرح أعظممن الترح " فيعارضه فريق آخر : " كلا , بل الترح أعظم من الفرح "
أما أنا فالحقأقول لكم : انهما توأمان لا ينفصلان يأتيان معاً و يذهبان معاً فإذا جلس احدهمامنفرداً إلى مائدتكم فلا يغرب عن أذهانكم أن رفيقه يكون حينئذ مضطجعاً علىأسرتكم
أجل إنكم بالحقيقة معلقون ككفتي الميزان بين ترحكم وفرحكم و أنتم بينهمامتحركون أبداً و لا تقف حركتكم إلا إذا كنتم فارغين فب أعماقكم
فإذا جاء أمينخزائن الحياة يرفعكم لكي يزن ذهبه وفضته فلا ترتفع كفة فرحكم و لا ترجح كفة ترحكمبل تثبتان على حالة واحدة







المساكن


حينئذدنا منه بناء وقال له : هات حدثنا عن البيوت

فأجاب وقال :

ابن منخيالك مظلة في الصحراء قبل أن تبني في داخل أسوار المدينة لأنه كما كان لك بيتاًمقبلا في شفق حياتك كذلك للغريب الهائم فيك بيت كبيتك

إن بيتك هو جسدكالأكبر

ينمو في حرارة الشمس وينام في سكينة الليل و كثيرا ما ترافق نومهالأحلام أفلا يحلم بيتك و هل يترك الحلم المدينة و يسير إلى الغابة أم إلى رأسالتلة ؟

أواه لو أستطيع أن أجمع بيوتكم بيدي فأبددها في الأحراج و الرياضكما يبذر الزارع في الحقول

أود لو كانت الأودية شوارع لكم و مسالك التلالالخضراء أزفة تطرقها أقدامكم عوضاً عن أزقتكم و شوارعكم القذرة و ياليتكم تنشدونبعضكم بعضا بين الدوالي و الكروم ثم تعودون حاملين عطر الأرض في طياتأثوابكم

و لكن هذه جميعها تمنيات لم تحن ساعتها بعد

لأن آبائكم وجدودكم إذ خانوا عليكم الضياع و الضلال جمعوكم معا لكي تكونوا قريبين من بعض و سبقىهذا الخوف مجمعا لكم زمنا بعد و ستظل أسوار المدينة فاصلة مواقدكم عن حقولكم ولكنإلى حين

بربكم أخبروني يا أبناء اورفيليس ماذا تملكون في هذه البيوت و أيشيء تحتفظون به في داخل هذه الأبواب الموصدة؟

هل عندكم السلام و هو القوةالصامتة التي تظهر ذاتكم الشديدة العزم المستترة في اعماقكم ؟

هل عنكمالتذكارات و هي القناطر اللامعة التي تصل قنن الفكر الانساني بعضها ببعض؟

هل عندكم الجمال الذي يرتفع بالقلب من مصنوعات الخشب والحجارة إلى الجبلالمقدس ؟

بربكم اخبروني هل عندكم كل هذا في بيوتكم ؟

أم عندكمالرفاهية فقط و التحرق للرفاهية الممزوج بالطمع الرفاهية التي تدخل البيت ضيفا ثملا تلبث أن تصير مضيفا فسيداً عاتياً عنيفاً

ثم تتحول إلى رائض جبار يتقلدالسوط بيمينه و الكلاب بيساره متخذا ورغباتكم الفضلى ألعوبة يتلهى بها

ومعأن بنان هذه الرفاهية حريري الملمس فإن قلبها حديدي صلد فهي تهدىء من حدتكم لكيتناموا ثم تقف أمام أسرتكم هازئة بكم و بجلال أجسادكم

تضحك من حواسكمالمدركة و تطرح بها بين الأشواك كأنها أوعية سهلة الانكسار لأن التحرق للرفاهيةينحر أهواء النفس في كبدها فيرديها قتيلة ثم يسير في جنازتها فاغرا شدقيه مرغياًمزبداً

أما انتم يا ابناء الفضاء العائيشين في الراحة والنعيم غيرالمستريحين فإنكم لن تؤخذوا بالأشراك ولن يقدر رائض على ترويضكم لأن بيتكم لن يكونمرساة و ثكنة سيكون سارية

كلا و لن يكون غشاء براقا تغطى به الجراح بل جفناتحفظ به العين و انتم لن تطووا أجنحتكم لكي تستطيعوا أن تدخلوا من الأبواب و لنتحنوا رؤوسكم لئلا تنطح السقف كلا و لن تخشى أن تتنفسوا خوفا من أن تقوض أساساتالجدران و تسقط على الأرض

أجل و لن تقطنوا في القبور التي بناها أبناء الموتلأبناء الحياة

ومع كل ما يزين مناولكم من الجلال و الجمال فإنها لن تستطيعأن تحتفظ بسركم أو أن تؤوي حنينكم لأن غير المحدود فيكم يقطن من منزل السماء الذيبوابته سحابة الصباح و نوافذه سكون الليل و أناشيده

الثياب

ثم قالله الحائك : هات حدثنا عن الثياب

فأجاب قائلاً :

إن ثيابكم تحجبالكثير من جمالكم ولكنها لا تستر غير الجميل و مع أنكم تنشدون بثيابكم حرية التسترو الانفراد , فإنها تفسدكم و تستعبدكم

ويا ليت في وسعكم أن تستقبلوا الشمس والريح بثياب بشرتكم عوضاً عن ثياب مصانعكم

لأن أنفاس الحياة في أشعة الشمس , ويد الحياة تسير مع مجاري الرياح

يقول بعضكم : " إن الريح الشمالية دونغيرها قد حاكت الثياب التي نلبسها."

أنا أقول لكم : " نعم إن الريح الشماليةقد فعلت ذلك , ولكن العار كان نولاً لها , و لدونة العضلات كانت لها خيطاً .

وعندما فرغت من عملها ضحكت منكم و هي تعصف في قلب الغاب

ولكن لايغرب عن اذهانكم أن الحشمة هي ترس منيع متين للوقاية من عيون المدنسين

فإذازال المدنسون من الجود , أفلا تصير الحشمة قيداً للفكر و تلويثاً له في حمأةالعبودية ؟

لذلك ضعوا نصب عيونكم أن الأرض تبتهج بملامسة أقدامكم العاية . والرياح تتوق إلى ملاعبة شعوركم المسترسلة.






البيع والشراء


ثم دنا منه تاجر و قال له : هات حدثنا عن البيعوالشراء

فأجاب وقال : إن الأرض تقدم لكم ثمارها , ولو عرفتم كيف تملئونأيديكم من خيراتها لما خبرتم طعم الحاجة في حياتكم.

لأنكم بغير مبادلة عطاياالأرض لن تجدوا وفراً من الرزق ولن يشبع جشعكم

فيجدر بكم أن تتموا هذهالمقايضة بروح المحبة و العدالة و إلا فإنها تؤدي بالبعض منكم إلى الشراهة و بغيرهمإلى الطمع و المجاعة

و إذا ذهبتم إلى ساحة المدينة أيها الدائبون في خدمةالبحر و الحقول و الكروم فاجتمعوا بالحاكة و الخزافين و جامعي الحنوط و الطيوب

و اضرعوا في تلك الساعة إلى الروح المتسلطة على الأرض أن تحل عليكم وتباركمقاييسكم وموازينكم التي تعينون بها مقدار ما تجري عليه مقايضاتكم

و لاتأذنوا لذوي الأيدي العقيمة من ذوي البطالة أن يشتركوا في معاملاتكم لأنه لا شيءلهم يتاجرون به سوى أقوالهم التي يبيعونها لكم بأعمالكم

بل قولوا لأمثالهؤلاء:

"
تعالوا معنا إلى الحقل , أو اذهبوا مع اولادنا إلى البحر و ألقواهناك شباككم , لأن الأرض و البحر يجودان عليكم ,متى عملتم , كما يجودان علينا "

و إن جائكم المغنون و الراقصون والعازفون , فاشتروا من عطاياهم ولاترفضوهم ,

لأنهم يجمعون الأثمار و العطور نظيركم ومع أن ما يقدمونه لكممصنوع من مادة الأحلام , فإنه أجمل كساء و أفضل غذاء لنفوسكم.

و قبل أنتبرحوا ساحة المدينة انظروا ألا ينصرف أحد منها فارغ اليدين

لأن الروحالسيدة في الأرض لا تنام بطمأنينة وسلام على تموجات الرياح حتى تشاهد بعينيها أنالصغير فيكم قد نال كالكبير بينكم كل ما هو في حاجة إليه .




الجرائم و العقوبات


حينئذ وقف أحد قضاة المدينةوقال له : هات لنا خطبة في الجرائم والعقوبات

فأجاب و قال : عندما تسيرأرواحكم هائمة فوق الرياح و تمسون منفردين ليس لكم طوارئ السوء , حينئذ تقترفونالاثم ضد غيركم و ضد أنفسكم

و لأجل ذلك الاثم الذي تقترفونه يجب أن تقرعوابرهة و تنتظروا على بوابة القدوس

فإن ذاتكم الإلهية بحر عظيم

كانتنقية منذ الازل و ستظل نقية إلى آخر الدهور

وهي كالأثير لا ترفع إلا ذويالاجنحة

أجل إن ذاتكم الالهية كالشمس , لا تعرف طرق المناجذ *( جمع خلد منغير لفظه ) و لا تعبأ بأوكار الأفاعي

غير أنها لا تقطن و حيدة فيكيانكم

لأن كثيراً منكم لا يزال بشراً و كثيراً غيره لم يصر بشراً بعد بل هومسخ لا صورة له يسير غافلاً في الضباب وهو ينشد عهد يقظته

فلا أود أناحدثكم الآن إلا عن هذا الانسان فيكم , لأن هذا الانسان دون ذاتكم الإلهية و دونالمسخ الهائم في الضباب هو الذي يعرف الجرائم والعقوبات على الجرائم فيكيانكم

قد طالما سمعتكم تتخاطبون فيما بينكم عمن يقترف اثما كأنه ليس منكمبل غريب عنكم و دخيل فيما بينكم

ولكنني الحق أقول لكم كما أن القديس والبار لا يستطيعان أن يتساميا فوق الذات الرفية التي في كل منكم

هكذاالشرير و الضعيف لا يستطيعان أن ينحدرا إلى أدنى من الذات الدنيئة التي في كل واحدمنكم

و كما أن ورقة الشجرة الصغيرة لا تستطيع أن تحوّل لونها من الخضرة إلىالصفرة إلا بإرادة الشجرة و معرفتها الكامنة في أعماقها

هكذا لا يستطيع فاعلالسوء بينكم أن يقترف إثما بدون إرداتكم الخفية و معرفتكم التي في قلوبكم

فإنكم تسيرون معاً في موكب واحد إلى ذاتكم الإلهية

أنتم الطريق وأنتم المطرقون

فإذا عثر أحد منكم فإنما تكون عثرته عبرة للقادمين وراءهفيتجنبون الحجر الذي عثر به

أجل و تكون عثرته توبيخاً للذين يسيرون أمامهبأقدام سريعة ثابته لأنهم لم ينقلوا حجر العثار من طريقه

و إليكم يا أبناءاورفيليس هذه الكلمة التي و إن جلت ثقيلة على قلوبكم , فهي القيقة بعينها :

إن القتيل ليس بريئاً من جريمة القتل

وليس المسروق بلا لوم فيسرقته

لا يستطيع البار أن يتبرأ من أعمال الشرير و الطاهر النقي اليدين منبريء الذمة من قذارة
المدنسين


كثيرا ما يذهب المجرم ضحية لمن وقععليه جرمه , كما يغلب أن يحمل المحكوم عليه الاثقال التي كان يجب أ، يحملهاالأبرياء غير المحكومين

لذلك لا تستطيعون أن تضعوا حداً يفصل بين الأشرار والصالحين أو الابرياء و المذنبين لأنهم يقفون معاً أمام وجه الشمس كما أن الخيطالأبيض و الخيط الأسود ينسجمان معاً نول واحد

فإذا انقطع الخيط الأسود ينظرالحائك إلى النسيج بأسره ثم يرجع إلى نوله يفحصه و ينظفه

لذلك إذا جاء أحدكمبالزوجة الخائنة إلى المحاكمة فليزن أولا قلب زوجها بالموازين و ليقس نفسهبالمقاييس

و كل من شاء ان يلطم المجرم بيمينه يجدر به اولا أن أن ينظرببصيرة ذهنه إلى روح من أوقع الجرم عليه

و لإ، رغب أد منكم في أن يضع الفأسعلى أصل الشجرة الشريرة باسم العدالة فلينظر اولاً إلى أعماق جذورها

و هو لاشك واجد أن جذور الشجرة الشيرة و جذور الصالحة و غير المثمرة كلها متشابكة معاً فيقلب الأرض الصامت

أما أنتم أيها القضاة الذين يريدون أن يكونوا أبرارا أينوع من الأحكام تصدرون على الرجل الأمين بجسده السارق بروحه ؟

أم أي عقابتنزلون بذلك الذي يقتل الجسد مرة ولكن الناس يقتلون روحه ألف مرة ؟

و كيفتطاردون الرجل الذي مه أنه خداع ظالم بأعماله فهو موجع القلب , ذليل , مهان بروحه؟

أجل , كيف تستطيعون أن تعاقبوا اللذين لهم توبيخ ضمائرهم وهو أعظم منجرائمهم أكبر قصاص على الأرض ؟

أليس توبيخ الضمير هو نفسه العدالة التيتتوخاها الشريعة التي تتظاهرون بخدمتها؟

فأنتم لا تستطيعون أن تسكبوا بلسمتوبيخ الضمير في قلوب الأبراء كما أنكم لا تقدرون أن تنزعوه من قلوبالأشقياء

فهو يأتي لذاته في ساعة من الليل لا ننتظرها , داعيا الناس إلىالنهوض من غفلتهم و التأمل بحياتهم وما فيها من التداعيات و المخالفات

وأنتم أيها الراغبون في سبر غور العدالة كيف تقدرون أن تدركوا كنهها إن لم تنظرواإلى جميع الأعمال بعين اليقظة في النور الكامل؟

في مثل هذا النور تعرفون أنالرجل المنتصب و الرجل الساقط على الأرض هما بالحقيقة رجل واحد في الشفق بين الليلذاته الممسوخة و نهار ذاته الإلهية

و أن حجر الزاوية في الهيكل ليس بأعظممن الحجر الذي في أسفل أساساته





الشرائع


ثم قالله مشرع : وماذا تعتقد بشرائعنا أيها المعلم

فأجاب قائلاً :

إنكمتستلذون أن تضعوا شرائع لأنفسكم , بيد أنكم تستلذون أكثر أن تكسروها و تتعدوافرائضها

لذلك أتم كالأولاد الذين يلعبون على الشاطئ يبنون أبراج عظيمة منالرمل بصبر وثبات , ثم لا يلبثون أن يهدوموها ضاحكين صاخبين

فعندما تبنونابراجكم الرملية يأتي البحر برمال جديدة إلى الشاطئ و عندما تهدمون أبراجكم يضحكالبحر منكم في نفسه لأن البحر يضحك من الأبرياء ابداً

ولكن أقول لكم في منليست الحياة بحراً في عقيدتهم بل ليست الشرائع التي تسنها حكمة الانسان البالغةأبراجا من الرمال فحسب

أولئك الذين يحسبون أن الحياة صخرة صلدة و أنالشريعة إزميل حاد يأخذونه بأيديهم لكي ينحتوا هذه الصخرة على صورتهم و مثالهم وفيالثور الذي يحب نيره و يتهم الوعل و الإبل و الظبي أنها حيوانات متمردة ناشزة؟

وفي الأفعى العتيقة الأيام التي لا تستطيع أن تخلع جلدها و لذلك تنبريمتهمة جميع الحيوانات بالعري وقلة الحياء ؟

وفي ذلك الذي يسبق غيره إلىوليمة العرس و عندما يملأ جوفه من الأطعمة و يبلغ حده من النهم و اشراهة يتركالوليمى و يذهب في طريقه قائلاً إن جميع الولائم مخالفة للناموس و جميع الذينيجتمعون إليها متعدّو الشريعة ؟

ماذا أقول في امثال هؤلاء؟ انهم كجميع الناسيقفون في أشعة الشمس و لكنهم يولون الشمس ظهورهم

فهم لذك لا ينظرون سوىظلالهم و ظلالهم هي عند التحقيق شرائعهم المقدسة

و هل اعترافاتهم بالشريعةسوى انهم ينحون و يطأطئون رؤوسهم لكي يستقصوا ظلالهم على الأرض ؟

أما أنتمالذين يمشون وهم يحدقون إلى الشمس بأجفان غير مرتعشة فهل في الأرض من صورة تستطيعأن تستوقفكم هنيهة ؟

و أنتم المسافرون مع الريح أية صفحة من الصفحات الدالةعلى مجاري الرياح تقدر أن تقودكم في مسالككم ؟

وما هي الشريعة البشرية التيتفيدكم إذا كنتم لم تحطموا نيركم على باب سجن من سجون الانسان؟

و أية شرائعترهبون إذا كنتم ترقصون ولكنكم لا تعثرون بقيد من قيوم العالم الحديدية؟

ومن هو الرجل الذي يستطيع أن يأتي بكم إلى المحاكمة إذا مزقتم أثوابكم ولكنكم لم تضعوها في طريق أحد الناس ؟

أجل يا أبناء اورفليس إنكم تستطيعون أنتخمدوا صوت الطبل و تحلوا أوتار القيثارة ولكن مَن مِن أبناء الانسان يستطيع أنيمنع قبرة السماء عن الغناء ؟






الحريَّة


ثم قالله خطيب : هات حدثنا عن الحرية
فأجاب قائلاً : قد طالما رأيتكم ساجدين على ركبكمأمام أبواب المدينة و إلى جوانب المواقد تعبدون حريتكم

و أنتم بذلك أشبهبالعبيد الذين يتذللون أمام سيدهم العسوف الجبار يمدحونه و ينشدون له وهو يعملالسيف في رقابهم

نعم , وفي غابة الهيكل وظل القلعة كثيراً ما رأيت أشدكمحرية حمل حريته كنير ثقيل لعنقه و غل متين ليديه و رجليه

رأيت كل ذلك فذابقلبي في اعماق صدري و نزفت دماؤه لأنكم لا تستطيعون أن تصيروا أحراراً حتى تتحولرغبتكم في السعي وراء الحرية إلى سلاح تتسلحون يه و تنقطعوا عن التحدث بالحريةكغايتكم و مهجتكم

إنكم تصيرون أحرار بالحقيقة إذا لم تكن أيامكم بلا عملتعملونه و لياليكم بلا حاجة تفكرون بها أو كآبة تتألمون ذكراها

بل تكونونأحراراً عندما تنطق هموم الحياة و أعمالها أحقاءكم بمنطقة الجاد و العمل و تثقلكاهلكم بالمصاعب و المصائب و لكنكم تنهضون من تحت أثقالها غزاة طليقين

لأنكمكيف تستطيعون أن ترتفعوا إلى ما فوق أيامكم و لياليكم إذا لم تحطموا السلاسل التيأنتم أنفسكم في فجر إدراككم قيدتم بها ساعة ظهيرتكم الحرة ؟

الا إن ماتسمونه حرية إنما هو بالحقيقة أشد هذه السلاسل قوة و إن كانت حلقاته تلمع في نورالشمس و تخطف أبصاركم

و ماذا يجدر بكم طرحه عنكم لكي تصيروا أحراراً سوى كسرصغيرة رثة في اذنكم البالية ؟

فإذا كانت هذه الكسر شريعة جائرة وجب نسخهالأنها شريعة سطرتها يمينكم و حفرتها على جبينكم

بيد أنكم لا تستطيعون أنتمحوها عن جباهكم بإحراق كتب الشريعة التي في دواوينكم كلا و لا يتم لكم ذلك بغسلجباه قضاتكم ولو سكبتم عليها كل ما في البحار من مياه

و إن كانت طاغية تودونخلعه عن عرشه فانظروا أولاً إن كان عرشه القائم في اعماقكم قد تهدم

لأنه كيفيستطيع طاغية أن يحكم الاحرار المفتخرين مالم يكن الطغيان أساسا لحريتهم و العارقاعدة لكبريائهم؟

و إن كانت هماً ترغبون في التخلص منه فإن ذلك الهم إنماأنتم اخترتموه ولم يضعه أحد عليكم

و إن كانت خوفاً تريدون طرده عنكم فإنجرثومة هذا الخوف مغروسة في صميم قلوبكم وليست في يدي من تخافون

الحق أقوللكم إن جميع الأشياء تتحرك في كيانكم متعانقة على الدوام عناقاً نصفياً : كل ماتشتهون و ما تخافون وما تتعشقون وما تستكرهون وما تسعون وراءه وما تهربونمنه

جميع هذه الرغبات تتحرك فيكم كالأنوار و الظلال , فإذا اضمحل الظل ولميبق له من أثر أمسى النور المتلألئ ظلاً لنور آخر سواه

وهكذا الحال فيحريتكم إذا حلت قيودها أمست هي نفسها قيداً لحرية أعظم منها .






العقل و العاطفة


ثم طلبت إليه العرافةثانية قائلة : هات حدثنا عن العقل و الهوى

فأجاب قائلاً : كثيرا ما تكوننفوسكم ميداناً تسير فيه عقولكم ومدارككم حربا عواناً على اهوائكم وشهواتكم و إننيأود أم أكون صانع سلام في نفوسكم

فأحول ما فيكم من تنافر و خصام إلى وحدة وسلام و لكن أنى يكون لي ذلك إذا لم تصيروا أنتم صانعي سلام لنفوسكم ومحبين جميععناصركم على السواء

إن العقل و الهوى هما سكان* ( * دفة السفينة ) النفس وشراعها وهي سائرة في بحر العالم فإذا انكسر السكان أو تمزق الشراع فإن سفينة النفسلا تستطيع أن تتابع سيرها بل ترغم على ملاطمة الأمواج يمنة و يسرة حتى تقذف بكم إلىمكان أمين تحتفطون به في وسط البحر

لأن العقل اذا استقل بالسلطان على الجسدقيد أهواءه و لكن الاهواء إذا لم يرافقها العقل كانت لهيباً يتأجج ليفني نفسه

فاجعل نفسك تسمو بعقلك إلى مستوى أهوائك و حينئذ ترى منها ما يطربك و يشرحلك صدرك

وليكن لك من عقلك دليل و قائد لأهوائك لكي تعيش أهواؤك في كل يومبعد موتها و تنهض كالعنقاء متسامية فوق رمادها

و أرغب إليكم أن تعنوابالعقل و الهوى عنايتكم بطيفين عزيزين عليكم فإنكم ولا شك لا تكرمون الواحد أكثر منالثاني لأن الذي يعتني بالواحد و يهمل الآخر يخسر محبة الاثنين و ثقتهما

وإذا جلستم في ظلال الحور الوارفة بين التلال الجميلة تشاطرون الحقول و المروجالبعيدة سلامها و سكينتها و صفائها فقولوا حينئذ في أعماق قلوبكم متهيبين خاشعين : إن الله يتحرك في الاهواء

وما دمتم نسمة من روح الله وورقة في حرجه فأنتمأيضا يجب أن تستريحوا في العقل و تتحركوا في الأهواء












الألم

ثم نهضت من بينالجمع امرأة و قالت له : هات حدثنا عن الألم

فأجاب و قال : إن ما تشعرون بهمن الألم هو انكسار القشرة التي تغلف إدراككم

و كما أن القشرة الصلدة التيتحجب الثمرة يجب أ، تتحطم حتى يبرز قلبها من ظلمة الأرض إلى نور الشمس

هكذاأنتم أيضا يجب أن تحطم الآلام قشوركم قبل أن تعرفوا معنى الحياة لأنكم لو استطعتمأن تعيروا عجائب حياتكم اليومية حقها من التأمل و الدهشة لما كنتم ترون آلامكم أقلغرابة من أفراحكم

بل كنتم تقبلون فصول قلوبكم كما قد قبلتم في غابر حياتكمالفصول التي مرت في حقولكم

و كنتم ترقبون و تتأملون بهدوء و سكون شتاءأحزانكم و آلامكم

أنتم مخيرون في الكثير من آلامكم

و هذا الكثير منآلامكم هو الجرعة الشديدة المرارة التي بواسطتها يشفي الطبيب الحكيم الساهر فيأعماقكم أسقام نفوسكم المريضة

لذلك آمنوا بطبيب نفوسكم , وثقوا بما يصفه لكممن الدواء الشافي و تناولوا جرعته بسكينة و طمأنينة

لأن يمينه و إن بدت لكمثقيلة قاسية فهي مقودة بيمين غير المنظور اللطيفة و الكأس التي يقدمها إليكم و إنأحرقت شفاهكم فهي مصنوعة من الطين الذي جلبته يدا الفخاري الأزلي بدموعهالمقدسة.



معرفة النفس


ثم قال له رجل : هات حدثنا عنمعرفة النفس
فأجاب قائلاً : إن قلوبكم تعرف في السكينة أسرار الأيام و الليالي , ولكن آذانكم تتشوق لسماع صوت هذه المعرفة الهابطة على قلوبكم غير أنكم تودون لوتعرفون بالألفاظ و العبارات ما تعرفونه بالأفكار و التأملات

و تتوقون إلىأ، تلمسوا بأصابعكم جسد أحلامكم العاري

وحسن أنكم تتوقون إلى جميع ذلك فإنالينبوع الكامن في أعماق نفوسكم سينفجر يوما ما و يجري منحدراً إلى البحر و الكنزالمطمور في أعماقكم غير المتناهية سينقب في ساعة لا تعلمونها و تفتح أبوابه أمامعيونكم

ولكن حذار أن تأخذوا معكم موازينكم لكي تزنوا بها كنزكم غير المعروف

كلا , و لا تسبروا غور معرفتكم بقياس محدود أو حبل مشدود لأن الذات بحر ولاوزن ولا قياس له

أجل ولا تقل في ذاتك : " قد وجدت الحق " بل قل بالأحرى : " قد وجدت حقاً "

و لا تقل : " قد وجدت طريق النفس " بل قل بالأولى : " قدرأيت النفس تمشي على طريقي "

لأن النفس تمشي على جميع المسالك والطرق

النفس لا تمشي على حبل أو خيط كلاّ ولا هي تنمو كالقصبة , النفس تطويذاتها كالبشنين ( نبات يقوم على ساق لا ورق له ) ذي البتلات التي لا تحصى عديدها.

 

Developed by WARM Studios        Copyright 2017 This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.nfo All Right Reseved This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.