أنا أؤمن بأنه توجـد عدالة سماويّة, وأن جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدنيا من مُنغصات انَّ هـو الاّ جـزاءٌ وفاق لِما أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور.ولهـذا يجب علينا أن نستقبلَ كلّ مـا يحـلّ بنـا من آلامِ الحياةِ ومآسيها غير مُتبرّمين ولا متذمّرين , بل قانعين بعدالةِ السماء ونُظمها السامية.

Highlighter
أحبُّ الكُتُبَ حبَّ السُكارى للخمر , لكنَّني كلَّما أزددتُ منها شرباً, زادتني صَحوا
ليس مّنْ يكتُبُ للهو كمَن يكتُبُ للحقيقة
الجمالُ والعفّــة فـردوسٌ سماويّ .
لا معنى لحياةِ ألأنسان اذا لم يقم بعملٍ انسانيٍّ جليل .
اعمل الخير , وأعضد المساكين , تحصل على السعادة .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقـوم بأعمالِ الخير نحـو ألأنسانيّة .
الموتُ يقظةٌ جميلة ينشُدها كل مَنْ صَفَتْ نفسه وطَهرت روحه , ويخافها كلّ من ثقُلت أفكاره وزادت أوزاره .
ان أجسامنا الماديّة ستمتدّ اليها يـد ألأقـدار فتحطِّمها , ثمّ تعمل فيها أنامل الدهـر فتتَّغير معالمها , وتجعلها مهزلةً مرذولة . أمّا ألأعمال الصالحة وألأتجاهات النبيلة السّامية , فهي هي التي يتنسَّم ملائكة اللّه عبيرها الخالد .
نأتي إلى هذا العالمِ باكين مُعولين، و نغادره باكين مُعولين! فواهً لك يا عالمَ البكاء والعويل!
جميعنا مُغترٌّ مخدوعٌ ببعضه البعض.
العدلُ كلمة خُرافية مُضحكة.
أمجادُ هذا العالم وهمٌ باطل، و لونٌ حائل، و ظلٌّ زائل.
لا باركَ الله في تلك الساعة التي فتحتُ فيها عينيّ فإذا بي في مكانٍ يطلقون عليه اسم العالم .
أنا غريبٌ في هذا العالم، و كم احنُّ إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.
الحياةُ سفينةٌ عظيمة رائعة تمخرُ في بحرٍ، ماؤه الآثام البشريَّة الطافحة، و امواجه شهواتهم البهيميَّة الطامحة، و شطآنه نهايتهم المؤلمة الصادعة.
كلّنا ذلك الذئبُ المُفترس , يردع غيره عن اتيانِ الموبقاتِ وهو زعيمها وحامل لوائها , المُقوّض لصروح الفضيلة , ورافع أساس بناءِ الرذيلة .
الحياةُ سلسلة اضطراباتٍ وأهوال , والمرءُ يتقلَّب في أعماقها , حتى يأتيه داعي الموت, فيذهب الى المجهولِ الرهيب , وهو يجهلُ موته , كما كان يجهلُ حياته .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقومَ بأعمالِ الخير نحو الانسانيّة .
المالُ ميزان الشرِّ في هذا العالم .
السعادةُ ليست في المال , ولكن في هدوءِ البال .
كلُّ شيءٍ عظيمٍ في النفسِ العظيمة , أمّا في النفسِ الحقيرة فكلُّ شيءٍ حقير .
الرُّوح نسمةٌ يُرسلها الخالق لخلائقه لأجل , ثم تعودُ اليه بعجل .
الرُّوح نفثةٌ الهيَّة تحتلُّ الخلائق , وكل منها للعودة الى خالقها تائق .
الرُّوح سرٌّ الهيٌّ موصَدْ لا يعرفه الاّ خالق الأرواح بارادته , فمنه أتتْ واليه تعود .
أنا أؤمن بأنه توجـد عدالةٌ سماويّة , وأنَّ جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدُّنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدارٍ انَّ هـو الاَّ جـزاء وفاق لمِا أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور . ولهـذا يجب علينا أن نستقبل كلَّ مـا يحـلُّ بنـا من آلام الحياة ومآسيها غير م
الحرّيةُ منحة من السماءِ لأبناءِ ألأرض .
الموتُ ملاكُ رحمةٍ سماويّ يعطف على البشر المُتألّمين , وبلمسةٍ سحريّة من أنامله اللطيفة يُنيلهم الهناء العلويّ .
ما أنقى من يتغلّب على ميولِ جسده الوضيع الفاني , ويتبع ما تُريده الرُّوح النقيّة .
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
الراحة التامّة مفقودة في هذا العالم , وكيفما بحثت عنها فأنت عائدٌ منها بصفقةِ الخاسر المَغبون .
ليس أللّــه مع الظالم بل مع الحقّ.
ان الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الكاذب.
ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين وغوث الملهوفين والحنو على القانطين , وما أقلَّ تنفيذهم القول.
يظنُّ بعض ألأنذال ألأدنياء أنّهم يُبيّضون صحائفهم بتسويدِ صحائف الأبرياء , غير عالمين بأنَّ الدوائر ستدور عليهم وتُشهّرهم.
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السَّلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
رهبة المجهول شقاء للبشرِ الجاهلين للأسرارِ الروحيَّة , وسعادة للذين تكشّفت لهم الحقائق السماويَّة .
الموتُ نهاية كل حيّ , ولكنه فترة انتقال : امّا الى نعيم , وامّا الى جحيم .
الحياةُ خير معلِّمٍ ومُؤدِّب , وخيرَ واقٍ للمرءِ من الأنزلاقِ الى مهاوي الحضيض .
حين تشكُّ بأقربِ المُقرَّبين اليك تبدأ في فهمِ حقائق هذا الكون .
مَنْ يكون ذلك القدّيس الذي لم تخطرُ المرأة في باله ؟ لو وجدَ هذا لشبَّهته بالآلهة .
المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السُّلطان. و هي تحملُ بيدها سيفاً قاطعاً لو حاولَ رجالُ الأرض قاطبةً انتزاعه منها لباؤوا بالفشلِ و الخذلان .

garobat shames

محمد ذيب عطوي

وغرُبت الشمس

 

توطئة

                                                                            

   يضمُّ هذا الكتاب بين دفّتيهِ مجموعة أفكار وأحاسيس وخواطر بدأ بترجَمَتِها المؤلّف ووضْعِها ضمن الإطار الأدبي بدءاً من العام 1974. هذا العام الذي شهد التحوّل الروحي والفكري في حياة الكاتب وذلك بعد تعرّفهِ إلى الدكتور داهش وتقبّله له هادياً ومرشداً ومخلّصاً،.. وهو العام الذي أعلن فيه المؤلف عن ولادته الثانية حيث نراه يودّعه بهذه الكلمات:

" إمضِ يا عام،

إمضِ بما حملته لي من جواهر لا تُقدّر بثمن،

إمضِ فلن أنسى بهاءك مهما حييت،

وكيف أنسى وبك ولدتُّ، ولدتُّ وكان عمري الأرضيُّ 25سنة.

25سنة قضيتها في صراعاتٍ رهيبةٍ لا تُغني عن الحقِّ شيئاً، قضيتها وكأنها لم تكن.

وهكذا نرى، أخي القارىء، أنّ تعرّف الكاتب إلى الدكتور داهش لم يكن أبداً بالأمرِ العادي في حياته، إذْ أنّه أفرغ جعابه من زاد ماضيه حيث كانت تتصارع بداخله صراعات رهيبة بحثاً عن نفسه وعن حقيقة وجوده.. واختار درب داهش، فراحَ يتهادى عليه متلمّساً الحقائق الروحيّة، ناهلاً من عينها ما استطاعت سعة قدرتهِ أنْ تستوعب وتتحمّل، ومعلناً على الملأ إيمانهِ برسالته:

وبداهشٍ أنا مؤمِنٌ

"فلكلِّ قومٍ هادْ"،

   نعم هو الدكتور داهش بأفكاره وتعاليمه مَنْ يقف خلف كلّ كلمةٍ خطّها المؤلف في هذا الكتاب. وهو الدكتور داهش مَنْ دفعَ بهِ إلى رأس الجبل، ومِنْ ذلك العلو، ومن خلال عينيه وفكره وقلبه، نظر إلى العالم وإلى كلّ ما يدور من حواليه نظرةً ثاقبة وأخذ ينقل المشاهد التي يراها ويحسّها مشهداً مشهداً كشاهدٍ رفض الواقع المؤلم وآلمه وقعهِ على مستقبل البشرية الروحي:

"لا شكّ أنّ هناك غاية لوجودنا الإنساني على ظهر هذا الكوكب التّعيس الشّقي بقاطنيه، وهو الذي وصفه رسول الله بنار المؤمن وجنّة الكافر، ووصفه يسوع ا لفادي بالعالم الزّائل الفاني، والغاية أيها الضّائعون المتبلبلي العقول ما هي إلاّ تنقية النّفس من شوائبها وأدرانها، والارتفاع بها حيث البهاء والسّمو والتّعالي .."

   نعم هو الدكتور داهش مَنْ أغدقَ عليه بالمعارف والحقائق عن واقع الحياة وأسرار الموت وخفايا العوالم المعروفة والمجهولة، وهو لا ينكر له ذلك، لا بل نراه يثبّت داهش في حياته معلّماً أنار له درب الله ومحبّة رسلهِ وهداته:

"علّمْتَني حبَّ المسيح الفادي

علّمْتَني عشق الرسول الهادي،

علّمْتَني لله وحده العبادة

علّمْتَني لصادق الأعمال وحده القيادة،

علّمْتَني الكثير والوفير

علّمْتَني للحقِّ أنْ أكون نصير،

لذا بحبّكَ قلبي نابض

ويداي لمحراث الحقيقة قابض،

فالشكر لله الواحد الأحد

على ما علّمْتَني يا داهش الأبد."                                                                

وأخيراً، أخي القارىء، "وغربت الشمس" نضعها الآن بين يديك وفاءً للكاتب بعد مرور عام على وفاته (توفي في 20 تموز 2015)، وقد تمَّ اختيار هذا الإسم من وحي المناسبة بعد أن غَربت شمسه عنّا لتسطع في مكانٍ آخر.

ملاحظة: نرجو أنْ لا يُؤخذ علينا ورود أخطاء في إعداد هذا الكتاب، إذ آلينا على أنفسنا أن نترك الأمور على حالها إلّا في بعضٍ منه حيث عملنا على ما استدعى التدقيق.  

                                                                               أسام محمود عطوي

                                                                                 20/6/2016                                                                

لبنان إنسانك اليوم

     هُنا وهُناك،

     في بيروت وطرابلس، في زحلة وصيدا وصور،

     شبابٌ وشابّات،

     رهبانٌ وشيوخ،

     متعلّمون وجهلة،

     فُقراء وأغنياء،

     بُسطاء وزعماء،

جميعهم للسلاحِ حملوا، وبالخناجرِ تمنطقوا، وللقنابل كدّسوا، وللخنادقِ حفروا، وللمتاريسِ أقاموا، فانقسم الميدان بين يمينٍ ويسار، و(مسيحية) و(إسلام)، فلعلع الرّصاص، هدرت المدافع، وتفجّرَ البارود، وسال الدّم سيلان بركانٍ غاضبٍ فائر، وكُشِّرت الأفواه عن أنيابٍ أين منها أنيابُ الذِّئابِ السِّيبيرية، وطالت الأظافر فكانت كمخالبِ أشرسِ الحيوان، وكان ذلك كلّه لتقتل دون رحمة، وتفتك دون شفقة.

     أتباع يهوذا، ذاك البائع سيّده(سيّد المجد) الطّاهر برنين الفضّة، يريدون بيع الإنسان في لبنان، ناهجين نهج سيّدهم ومُعلمهم الأسخريوطي اللّعين.

     وأ تباع يزيد السِّكير المُعربد، قاتل حفيد رسول الله ببريق السُّلطةِ، يذبحون الإنسان اليوم في لبنان، وهم بذلك مُخلصين وأوفياء لمرشدهم وسيدهم يزيد الشّيطان.

     وأتباع شهوات الحسِّ والحواس، أولئك الجاعلين من القرن العشرين أنهار دماءٍ قانية، فإنهم يريدون نحر الإنسان في لبنان، وهم ما خرجوا بذلك عن درب سادتهم الجزّارين بعدما لنفوسهم السّادية تقمّصوا.

     وأمّا أتباع الجلاد فرنكو، فإنك تراهم يستميتون في تنفيذ كلّ طرق الجلاد وأساليبه الدّكتاتورية البغيضة.

     هؤلاء هم المتصارعون اليوم في لبنان، تراهم أخصاماً في الظّاهر، وحُلفاء في الغاية والهدف، والكلّ، نعم الكلّ، شيطانُ الأرضِ يسيرهم، ونفوسهم الخبيثة المملؤة مكراً وخداعاً ودمويةً هي وحدها الّتي تنير لهم دروبهم، وكم كان وصف الكتاب المُقدس صادقاً حين وصف أجدادهم، وما هم إلاّ امتداداتهم اللعينة، فقال بهم وبأمثالهم:

  • ما من أحدٍ بار، لا أحد
  • ما من أحدٍ يبتغي وجه الله،
  • ضلّوا جميعاً ففسدوا معاً.
  • ما من أحدٍ يعملُ الصّالحات، لاأحد،
  • حناجرهم قبورٌ مُفتّحة، وبألسنتهم يمكرون،
  • سمُّ الأصلالِ على شفاههم،
  • أفواههم ملؤها اللعنةوالمرارة،
  • أقدامهم تخفُّ إلى سفك الدّماء،
  • وعلى طرقهم دمارٌ وشقاء،
  • سبيل السلام لا يعرفون،
  • وليست مخافة الرّبِ نصبَ عيونهم*  

فيا هداكم الله، أفيقوا، إنهضوا من سباتكم العميق، اخرجوا منْ ظلام كهوفكم العفنة، ولتستنيروا بنور الحق السّاطع.

     أيّها الضّالون المخادعون، قايين لم يكن شيطاناً مارداً قطْ، ولا هابيل ملاكاً سماوياً مُتجسداً، بل هما كانا من أبناء أدم السّماوي، وتقاتلا، والباعث كان الحسد والحقد، فكانت صفة إبليس لقايين كونه خضع بخنوعٍ لرغباته السُّفلية السّاقطة، وكانت الشَّهادة صفة هابيل وما ذلك إلاّ لخضوعه لميوله النّفسية العلوية الرّاقية.

     أيّها التائهون الحائرون :

الإنسان أخو الإنسان، أأحبَّ ذلك أمْ كان له كارهاً، هذه هي الحقيقة، فلا أسْودَ ولا أبيض، ولا مؤمن ولا كافر، ولا عالمٍ ولا جاهلٍ، ما كلِّ هؤلاء إلاّ بشراً، والله يشرق شمسه عليهم جميعاً ويرزقهم جميعاً، ويهب لهم الحياة جميعاً، وهو، نعم وحده هو، الحق له بأخذ ما أعطى، واسترداد ما وهب، وليس إطلاقاً لغيره من حق.

     أيها المبجّلون المحترمون:

غاية الطّالب من الجامعة تحصيل المعرفة، وعندما يتناسى الطالب غايته وهدفه، فلا يكترث إلاّ بالنّدوات والمؤتمرات والمباريات والإضرابات والمظاهرات، عندها لن يكون حصاده غير النّدامة والخيبة والفشل الذّريع..

       فيا رعاكم الله،

لا شكّ أنّ هناك غاية لوجودنا الإنساني على ظهر هذا الكوكب التّعيس الشّقي بقاطنيه، وهو الذي وصفه رسول الله بنار المؤمن وجنّة الكافر، ووصفه يسوع ا لفادي بالعالم الزّائل الفاني، والغاية أيها الضّائعون المتبلبلي العقول ما هي إلاّ تنقية النّفس من شوائبها وأدرانها، والارتفاع بها حيث البهاء والسّمو والتّعالي، (فما خلقت الأنس والجن إلاّ ليعبدون) أي يعرفون، وللحقِّ يخضعون وبطرقه يسيرون، وطريقة ذلك ممارسةٌ للفضيلة وتمسّكٌ بأهدابها، ونبذٌ للرذيلة قولاً وعملاً وتطبيقاً، وصقلٌ للنفس بمحاربة خصائص الغرور والكبرياء، والخضوع لمحبّة السّلطة والتّسلط. وعندما ننسى غاية الوجود الأصلية، فلا بدّ ساعتذاك من حصادٍ مخيف، وفشلٍ ذريع.

       لبنان انسانك اليوم سلك دروب الشّيطان، وها هو يحصد نفوس المعذّبين التّائهين الضّائعين، وما خوفي إلاّ على إنسان هذا الكوكب من أن يسلك هو الأخر درب انسان لبنان، وعند ذاك سيمضي ويلٌ ليحلَّ مكانه ويلات. فهل من يسمع؟ وهل هناك (مِنْ ذوي الحلّ والرّبط) مَنْ يعي؟ أمْ أنّه ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون؟

                                                                                                     20/3/1976                                                                                  

وبظلِّه

وبداهشٍ أنا مؤمِنٌ

"فلكلِّ قومٍ هادْ"،

لمحمّدٍ أُعطي دمي

والنفسَ منّي والفؤادْ،

ليسوع قلبي يخفقُ

وبحبّهِ نُلْتُ المُرادْ،

لموسى في نفسي مكانٌ

أعطاني نوراً للجهادْ،

لبوذا إنّي أحترمُ

فالحقُّ واحدٌ يا عِبادْ،

لله أسعى كادِحاً

يا سعد مَنْ نالَ الودادْ،

الربُّ لي حصنٌ منيعٌ

آوي إليهِ وقتَ الشِّدادْ،

وبظلّهِ دوماً أعيشُ

فهو الحبيب وهو المعادْ.

                                                                                  

                                                                                       21/5/2003

أنوارٌ دائمة السطوع

   حالك هو ظلام العالم اليوم، والإنسان فيه ظالمٌ ومتعجرفٌ صلف، لا الغربي ببصيرته يُبصر ولا الشرقي بأفضل منه حالاً. تساوى الجمع بالضياع، والميازين التي يزنون بها أعمالهم وأفكارهم اختلّت، بل قل فُقِدت، الجميع إلى العجل الذهبي أحنى الرّقاب، وأيديهم لا تعرف سوى سفك الدّماء، وألسنتهم لا تنطق غير الأكاذيب، وأفكارهم لا تتغذّى إلاّ من سيّدهم، سيّد عوالم الظلمات الشيطان الرجيم. وكم هو صادقٌ قول الكتاب المقدّس حين وصف الأجداد وكأنّه يصف أحفادهم اليوم حينما قال:

ما من أحدٍ بارٌ، لا أحد.

ما من أحدٍ يُدرك.

ما من أحدٍ يبتغي وجه الله.

ضلّوا جميعاً ففسدوا معاً.

ما من أحدٍ يعمل الصالحات، لا أحد.

حناجرهم قبورٌ مفتّحة

وبألسنتهم يمكرون.

سمُّ الأصلال على شفاههم

أفواههم ملؤها اللعنة والمرارة

أقدامهم تخفُّ إلى سفك الدّماء

وعلى طُرُقِهم دمارٌ وشقاء

سبيل السلام لا يعرفون

وليست مخافة الله نصب عيونهم.

"رسالة بولس الرسول إلى أهل روما. الآيات 3-10 الإصحاح 18"

ورغم هذه الصورة المأسويّة لعالم اليوم، لا تزال في سمائه أنوارٌ مضيئة، وستبقى كذلك، لأنّها من لدن الله لنورها استمدّت، فكانت دائمة الإشراق، وفي كنفها الكثير من بني الإنسان أُنقذ، والكثير منهم إنْ هم رغبوا سينقذون.

   من بين هذه الأنوار الساطعة دائماً نور موسى نبيّ الله الكليم، ونور داوود صاحب المزامير، ونور سليمان المُعطى الحكمة من لدن الله، ونور المسيح يسوع الفادي، ونور محمد الرسول العربي الكريم، ونور داهش رجل الله والهادي الحبيب للقرن العشرين وما يتلوه من قرون.

أوّلاً: موسى النبي كليم الله

كلماته تشعُّ مشرقة بأنوارها منذ أطلقها لتنير الدّرب لكلِّ إنسان نفسه توّاقة للخلاصِ من سجن الأرض للإنطلاق في ملكوت السماء، حيث الهناء وحيث الصفاء، وحيث السرور والحبور. فهل هناك ما يعادل وصاياه العشر التي تلقّاها من الله الرحمن الرحيم؟ وإنْ سار الإنسان على نورها فهو أبداً لن يعثر.

   ولمن لم يحفرها في قلبه لتكون نبراساً له طوال حياته فهو في الظلمات يعيش، وها هي وصايا موسى الذهبيّة فلنتأمل بوعيٍ وإدراك كلَّ كلمةٍ من كلماتها:

الوصيّة الأولى: أنا هو الربّ إلهكَ. لا يكُنْ لكَ آلهةٌ أُخرى أمامي.

الوصيّة الثانية: لا تصنعْ لكَ تمثالاً منحوتاً صورة ما ممّا في السماء من فوقُ وما في الأرض من أسفلُ وما في الماء من تحت الأرض. لا تسجد لهنَّ ولا تعبدهنَّ لأنّي أنا الربُّ إلهكَ إلهٌ غيُورٌ. أفتقدُ ذنوبَ الآباءِ في الأبناءِ حتّى الجيلِ الثالثِ والرابعِ من الذين يبغضونني. وأصنعُ إحساناً إلى ألوفٍ من محبِّيَّ وحافظي وصايايَ.

الوصيّة الثالثة: لا تنطق باسم الربّ إلهكَ باطلاً.

الوصيّة الرابعة: إحفظ يومَ السّبتِ لتقدّسهُ كما أوصاك الربُّ إلهكَ.

الوصيّة الخامسة: أكرم أباكَ وأمّكَ كما أوصاك الربُّ إلهكَ.

الوصيّة السادسة: لا تقتل.

الوصيّة السابعة: لا تسرق.

الوصيّة الثامنة: لا تزنِ.

الوصيّة التاسعة: لا تشهدْ شهادةَ زُورٍ.

الوصيّة العاشرة: لا تشتهِ بيت جارك ولا زوجتهُ، ولا عبدهُ، ولا أمتّهُ، ولا ثورهُ، ولا حماره، ولا شيئاً ممّا لهُ.

ثانياً: داوود صاحب المزامير

   النفس المتعبة من هموم الدّنيا، والنفس القلقةُ ممّا يحمله الغدُ، والنفس الخائفةُ من غدر الظلمة والظالمين، والنفس التي ترزحُ تحت أحمال الذنوب التي اقترفتْ، والنفس المتوجّعة من آلام المرض وفقد الأحبّة، والنفس الناشدة لخلاصها من أتّون العالم المرعب.. كلُّ هذه النفوس لن تجد عزاءها بأروع ممّا فاضت به قريحة نبيّ الله داوود في مزاميره المدوّنة في الكتاب المقدّس. فهي نورٌ مضيءٌ أبداً ليبلسم الجروح ويطمئن النفس ويعطي الأمل. ومن بين مزاميره القدسيّة هذا المزمور:

المزمور الرابع: الموضوع: الإبتهاج بحماية الله وسلامه.

استجب لي عندما أدعوكَ يا إله برِّي، فقد أفرجت لي دوماً في الضّيق، فأنعمْ عليَّ وأصغِ إلى صلاتي.

إلى متى يا بني البشر تُحوّلونَ مجدي عاراً ؟ وإلى متى تُحبّون الأمور الباطلة، وتسعونَ وراء الأكاذيب ؟

اعلموا أنّ الربّ قد ميّزَ لنفسهِ تقيَّهُ؛

الربّ يسمع عندما ادعوه.

ارْتعدوا ولا تُخطِئوا. فكروا في قلوبِكم على مضاجِعِكمْ مُعتصمين بالصمتِ.

قدّموا ذبائح البرِّ، واتّكلوا على الربِّ.

ما أكثر المتسائلين: " من يُرينا خيراً؟" أشرقْ علينا أيّها الربُّ بنورِ وجهكَ. غرست في قلبي فرحاً أعظمَ من فرحِ من امتلأتْ بيوتهم وأجرانهم بالحنطة والخمر الجديدة.

بسلامٍ اضطجع وأنامُ. لأنّكَ وحدكَ يا ربُّ تُنعم عليَّ بالطمأنينة والسلام.

ثالثاً: سليمان الحكيم

   الحكمة نبراسٌ للسائرِ في الظلمة كان وسيبقى إلى أبد الدهور. ففي الحكمة يهتدي الضّال إلى طريق الصّواب، وبالحكمة يعرف العاقل أن يميّز الخير من الشرّ، وبالحكمة تنال النفس طمأنينتها وتبلغ محطّ خلاصها، فالحكمة شمسٌ دائمة التوّهج وثمنها يفوق كلَّ جواهر الدنيا. ولذا الله سبحانه وتعالى أنعم على نبيّه سليمان بنعمة الحكمة. فكان أن نطق بآيات خالداتٍ الزمن يفنى أمّا هي فباقية، ومن بين روائعه الحكميّة الذهبيّة الخالدة هذه الحكمة الواردة في سفر الأمثال الإصحاح السادس الآيات 16-17-18-19. حيث جاء فيه:

   ستّةُ أمورٍ يمقتها الربُّ، وسبعةٌ مكروهةٌ لديه:

عينان متعجرفتان،

ولسانٌ كاذبٌ،

ويدان تسفكان دماً بريئاً

وقلبٌ يتآمر بالشرِّ

وقدمان تسرعان بصاحبهما لارتكاب الإثمِ

وشاهدُ زورٍ ينفثُ كذباً

ورجلٌ يزرع خصوماتٍ بين الإخوة.

وفي الإصحاح 12 من سفر الأمثال الآيات 1-2-3-4-5-6-7-8-9 جاء:

من يُحبّ التأديب بحبّ المعرفة، ومن يمقت التأنيب غبيٌّ. الصالح يحظى برضى الربّ، ورجل المكائد يستجلب قضاءه. لا يثبتُ الإنسان بالشرِّ، أمّا أصل الصدّيق فلا يتزعزعُ. المرأة الفاضلة تاجٌ لزوجها، أمّا جالبة الخزي فكنخرٍ في عظامه. مقاصد الصدّيق شريفةٌ، وتدابير الشريّر غادرةٌ. كلام الأشرار يتربّص لسفك الدم، وأموال المستقيمين تسعى للإنقاذ. مصير الأشرار الإنهيار والتلاشي، أمّا صرحُ الصدّيقين فيثبتُ راسخاً. يحْمَدُ المرءُ لتعقّلهِ، ويُزْدرى ذو القلب الملتوي. الحقير الكادح خيرٌ من المُتَعاظِم المفتقر للقمة الخبز.

رابعاً: المسيح يسوع الفادي

   كلمة الله العليّ، وروحٌ منه ألقاها إلى مريم المقدّسة، كلّم الناس في المهدِ، وبشّرَ المساكين بالروح بأنّ لهم ملكوت السموات، والحزانى بأنّهم سيُعزَّون، والودعاء بأنّهم سيرثون الأرض، ولأنقياء القلوب لأنّهم سيرون الله ولصانعي السلام فإنّهم سيُدعون أبناء الله.

   مدّة من الزمن جال فيها أرض الأنبياء، بشّر وأنذرَ، وكلّم الناس بسلطةٍ روحيّة لا تقاوم، فكان له منهم بضعٌ ويزيد، أخلصوا لله إيمانهم، وساروا على طريق الهدى الذي رسمه لهم، وأمّا أبناء الضلالة والظلام، فقاوموه واضطهدوه وطاردوه، فيا ويلهم من قساة أجلاف، ويا ويلهم حينما يحشرون إلى جهنّم النار، طعامهم من غسلين ولباسهم من قار.

   فيا سيّدي وسيّد كلّ نفسٍ هدفها في الحياة خلاصها، ويا سيّدي وسيّد كلّ قلبٍ يسعى للحبِّ الصادق المنير، كلماتك الذّهب النقيّ، وعباراتك أسلاك النّور المحي. وهل هناك ما يعادل هذه الكلمات التي أطلقتها في عظة الجبل مخاطباً جمهرة الناس ومن خلفهم البشريّة كافّة، ومن كلماتك في هذه العظة الخالدة هذه الفقرة الرائعة المعاني، المربيّة للنفوس، والمزيلة عنها تراب الوهم، وسراب الأنانيّة.

   وسمعتم أنّه قيلَ: تُحبُّ قريبك وتبغض عدوّكَ. أمّا أنا فأقولُ لكمْ: أحبّوا أعداءكم، وباركوا لاعنيكم، وأحسنوا معاملة الذين يبغضونكم، وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويضطهدونكم، فتكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات، فإنّه يُشرقُ بشمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار وغير الأبرار. فإنْ أحببتم الذين يحبونكم فأيّة مكافأةٍ لكم؟ أما يفعلُ ذلك حتى جُباةُ الضرائب؟ وإنْ رحبّتم بإخوانكم فقط، فأيُّ شيءٍ فائقٍ للعادة تفعلون؟ أما يفعل ذلك حتى الوثنيّون؟ فكونوا أنتم كاملين كما أنّ أباكم السماويّ هو كاملٌ! العين مصباح الجسد، فإنْ كانت عينكَ سليمةً يكون جسدك كلّهُ مُنوّراً. وإنْ كانت عينكَ سيّئةً يكون جسدكَ كلّهُ مُظلماً، فإذا كان النور الذي فيك ظلاماً، فما أشدّ الظلام!

خامساً: محمّد الرسول العربيّ الكريم

   الجزيرة العربيّة غارقةٌ في الجهالة العمياء، ظلمٌ وظلام، قتلٌ ودماء تهرق، أمّهات ثكلى، وطفولةٌ بريئة ملائكيّة تؤود لا لشيءٍ أو لذنبٍ اقترفت، بل لكونها أُنثى، وفي إمبراطورية فارس وروما فسادٌ لا يعلوه فساد، وهرطقاتٌ دينيّة ومذهبيّة ما أنزل الله بها من سلطان، وسط هذا العمى الذي غشى العالم المعروف آنذاك، سطع نور وأشعّت شمس، إنّه نور محمّد (ص) وشمس الإسلام، جاءا ليطردا ظُلمة العالم، وينيرا بصائر الناس إلى طرق الحق والخير والعدل، ويصحّحا ما اُخلط على العقول فهمه من كتب ومعارف روحيّة سابقة، ومن أروع ما حمله القرآن الكريم لوصف القوّة الموجدة أي الله سبحانه وتعالى كانت هذه الآية التي لو لامست الحجارة الصلدة لخرّت ساجدةً مسبحّةً للمهيمن الرحيم.

   "الله نور السماواتِ والأرض، مَثَلُ نورهِ كمشكاةٍ فيها مصباح، المصباحُ في زجاجة، الزجاجةُ كأنّها كوكبٌ دُرّيٌّ، يوقدُ من شجرةٍ مباركةٍ، زيتونةٍ لا شرقيّة ولا غربيّة، يكادُ زيتها يضيءُ ولو لم تمسسهُ نار، نورٌ على نور، يهدي الله لنورهِ من يشاء، ويضرب الله الأمثال للناس، والله بكلِّ شيءٍ عليم." النور الآية 35...

   وانظر بتفكّرٍ وتدبرٍ هذه الحكميّات الذهبيّات والتي لا تقدر بأثمانٍ ماسيّة أو ذهبيّة فانية، فهي لها الخلود الدائم، وهي العقد الفريد الذي من طوّق عنقه به فقد فاز في حلبة السبق الفوز المبين، فقد جاء في القرآن الكريم "إنّما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم واتقّوا الله لعلّكم ترحمون، يا أيّها الذين آمنوا لا يسخرُ قوم من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم، ولا نساء من نساءٍ عسى أن يكنَّ خيراً منهنَّ، ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون. يا أيّها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظنِّ إنَّ بعض الظنِّ إثمٌ، ولا تجسّسوا، ولا يعتب بعضكم بعضاً، أيحبُّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه، واتقّوا الله إنَّ الله توّابٌ رحيم. يا أيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم، إنّ الله عليمٌ خبير."

   واسمع لمحمّد (ص) حين يقول في حديثٍ شريف: " الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر" "لو كانت الدنيا تعدلُ عند الله جناحَ بعوضةٍ ما سقى كافراً منها شربة ماء." ويقول أيضاً " لو إنّكم تتوكّلون على الله حقَّ توكّلهِ لرزقكم كما يرزق الطير، تغدوا خماصاً وتروح بطاناً" . وعن المساواة في العدالة ما أروع ما قاله الرسول الكريم " إنّما أُهلكَ الذين من قبلكم أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أنّ فاطمةً بنت محمّد سرقت لقطعت يدها." وما أروع هذا الوصف النوراني للمجتمع المتعاون أفراده على الخير والبر " مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثلُ الجسدِ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى." وهذه الكلمات الرائعات التي يبيّن فيها النبيّ أن لا شيء للإنسان يصيبه إلاّ نتيجة لاستحقاقه: "يا غلام، إنّي أُعلمكَ كلماتٍ، احفظ الله يحفظك الله تجده تجاهك، وإذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنّ الأمّة لو اجتمعت على أن ينفعون بشيءٍ لم ينفعون إلاّ بشيءٍ قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضرّوك بشيءٍ لم يضرّوك إلاّ بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفّت الصحف." وإليك هذه الحكمة البيّنة التي نورها يشّع كماسٍ مصقول: "يتبعُ الميت ثلاثةً أهلهُ ومالهُ وعملهُ، فيرجعُ إثنان ويبقى واحد، يرجع أهلهُ ومالهُ، ويبقى عملهُ."

سادساً: رجلُ الله الدكتور داهش الهادي الحبيب

   القدس مدينة الأنبياء، ومنها في آخر الأيّام يخرج الهادي الحبيب وبها يولد، ففي حي العمود من هذه المدينة وفي الأول من حزيران العام 1909 وُلِدَ سليم موسى العشّي، والذي بإلهامٍ روحي قدسي أُختير اسمه الذي يُعرفُ فيه بين الناس اليوم بداهش، فأعطاه الله القدير نعمة اجتراح المعجزات الباهرات والتي تناقلت أخبارها معظم صحف العالم العربي والأوروبي فاستدعته الجمعيّة النفسيّة في باريس ليريها ما يثبتُ صحّة ما تناقلته الأقلام، فكان لها معجزة يونان النبيّ، إذْ وُضِعَ داهش في تابوت مُحكم الإغلاق ومختوماً بالشمع وأُنزل في قاع نهر السين مدّة أسبوعٍ من الزمن، وفي نهاية أيّام الأسبوع أُخرِجَ التابوت بعدما حُرِسَ بصرامةٍ قاسية من أعضاءٍ في الجمعيّة النفسيّة فإذا المسجّى فيه يتحرّك نابضاً بالحياة، فكان هذا الحدث دافعاً لهذه الجمعيّة أن تعطيه شهادة الدكتوراه في العلوم النفسيّة، ومن حينها عُرِفَ سليم موسى العشّي بالدكتور داهش، وكما عُرِفَ سابقاً سميّه بإسم سليمان الحكيم.

   وفي هذا القرن، العلم في مختلف ميادينه تبوّأ عرش المجد، وكشف من المخبوء ما كان مستوراً طوال قرونٍ من الزمن، سطّر الإنسان الكثير الكثير من القوانين وسخّرها لمصلحته وزيادة الرفاه له، ولكن رغم هذا الكشف الباهر، بدل أن يقترب الإنسان من ربّه ويتعبّد إليه بعقله وقلبه، بدل ذلك للأسف، وجدته الرافض الأول لكلِّ ما لا يقع تحت كشفه الحسّي، فإذا به يرفض الله سبحانه ويرفض كلَّ غيبيٍّ تحدّثت عنه كتب السماء، وبدل أن تنمو فيه حاسّة الإنسانيّة، وجدته عابداً للأنانيّة الممقوتة، فاتّخذ له العجل الذهبيّ معبوداً لا يباريه معبود آخر، فأُحنيت له الرقاب، وتذلّلت له النفوس، وشُغِفَتْ به الأنفس شعوباً وأفراداً، رافضين للغيب ومؤمنين به، الكلّ أصبح له عابداً خاشعاً عاشقاً. فكانت ثمراته العلقم المرير، والدماء المهراقة، والنفوس المزهقة، واليتامى والثكالى، فمن حربٍ كونيّة أولى إلى حربٍ كونية ثانية، إلى حروب استقلال واستغلال، مُدنٌ هُدِمت، وبلدانٌ روّعِت، فتّوج كلّ ذلك بحربٍ ذريّة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً في هيروشيما وناكازاكي، بكلّ هذا، النفوس في شبكة الحيرة والقلق علقت، وها هي تتخبّط تخبّط العاجز الفاقد للقوّة.

   وسط هذا الضياع الذي غشى المعمور، وفي الثالث والعشرين من آذار العام 1942 أطلق الدكتور داهش بأمرٍ من السماء صرخته المدوّية، وأطلّت على العالم شمسه القدسيّة بأنوارها الأزليّة الأبديّة، داعيةً كلَّ النفوس للخلاص، مُثبِتَةً لكلِّ ذي بصيرة حقيقة وجود العالم الروحيّ الخالد بما أُوتي الهادي الحبيب من قوّة اجتراح المعجزات، فكان لكلماته السند السماوي الذي لا يقاومه إلاّ الجهّال من بني البشر الأغبياء، وكم هم كثرٌ اليوم في عالمنا. لقد كان في صوته صوت موسى وداوود وسليمان والمسيح ومحمّد وبوذا وغاندي وسقراط و...، فرسالته السنيّة فريدة المزايا، فهي العروس التي تغنّى بها سليمان الحكيم حيث قال في سفر نشيد الأنشاد "أختي العروس جنّةً مُغلقة، عينُ مقفلة، ينبوعٌ مختوم"، وشريعته هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله قبل موته في سفر التثنية الإصحاح ال33 حيث قال:" وأتى من ربوات القدس وعن يمينه نار شريعةً لهم". والدكتور داهش هو الذي عناه سيّد المجد يسوع حين قال في إنجيل يوحنّا الفصل الرابع عشر " إنْ كنتم تحبّونني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزّياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد". وهو الذي قال فيه إشعياء النبي مُعزّياً الأمم جميعها في الخلاص المُرتقب من الله سبحانه وتعالى فقال "الشعب السالك في الظلمة أبصر نوراً عظيماً، والمقيمون في أرض ظلال الموت أضاء عليهم نورٌ. كثّرت الأمة وزدتْها فرحاً، ابتهجوا في حضرتك كما يبتهجون في أوان الحصاد، وكما يبتهج الذين يتقاسمون الغنائم. لأنّك قد حطمّتَ كما في يوم مديان، نيرَ ثقله وعصا كتفه وقضيب مُسخّرهِ. إذ كلّ سلاح المتسلّح في الوغى وكلّ رداءٍ ملطّخٍ بالدماء، يطرح وقوداً للنار ويُحرق لأنّه يولدُ لنا ولدٌ، ويُعطى لنا ابنٌ يحمل الرّياسة على كتفه، ويُدعى اسمه عجيباً، مشيراً، إلهاً قديراً، أباً أبديّاً، رئيس السلام.".      

   وفي القرآن الكريم وضعه الربّ موضع قسمه إذ جاء في سورة البروج " والسماء ذات البروج، واليوم الموعود، وشاهدٍ ومشهود" فهو الشاهد في هذه الآية المعني بها، وظاهراته الخارقة ومعجزاته الباهرة هي المشهود. فهل من عقولٍ تعي حقيقة الهادي الحبيب ورسالته المقدّسة المنيرة؟؟...

   ومن بين كلماته التي قيلت وكتبت في ما يزيد على المئة والخمسين كتاباً اخترت هذه الأنوار من كتابه المعنون "كلمات الدكتور داهش" :

  1. "المرأة بؤرةٌ نتنة آسنة، والرجل خنزير قذر دائم التمرّغ فيها" فالمرأة المعنيّة من هذا القول هي المتهتّكة البائعة لعرضها في سوق النخاسة، والرجل المذكور هو البائع لشرفه في سبيل شهوته الجنسيّة القذرة.
  2. " المرأة سببُ شقاء وهناء هذا الكون المترامي الأطراف" فهل يستطيع إنكار هذه الحقيقة ناكر، فإن وُجد، فما عليه عندها سوى بقراءة التاريخ.
  3. 3." المرأة تحمل بيمينها مفتاح السعادة، وبيسارها معول التدمير والشقاء." فحنان المرأة لا يعادله حنان في الوجود، وغيرتها أشدّ تدميراً من زلزالٍ مدمّرٍ مردّم.
  4. 4." أنا أشكّ بنفسي ولا أثقُ بها، فكيف تريد منّي أن أثقَ بكَ ثقةً عمياء لا حدّ لها، أوَلا يُعدُّ هذا منك منتهى الغباء، وغاية الجنون؟!" والشكّ المقصود هنا هو الذي يقود الإنسان إلى الحقيقة الساطعة ليخلق بالنفس السكينة والطمأنينة.
  5. 5." أُحبُّ الكتب حُبَّ السكارى للخمر، لكنّي كلّما ازددت منها شرباً، زادتني صحواً." المعرفة زادُ الواعي في الحياة، والكتب هي المائدة العامرة التي من غذائها تنمو النفوس وتسمو.
  6. 6." الحريّة: منحة السماء لأبناء الأرض. فمهما حاول ( الحاكم الوصوليّ ) أن يعتدي على ذمارها، فإنّها تعود لتنقلب عليه ، وتُعميه برشاش غبارها." القيد ممجوج للنفوس الحرّة حتّى لو صيغت سلاسله من الذهب والماس، فالله جلّت قدرته وهب من نعمهِ الكثير الكثير لمخلوقاته، وأعظم العطايا كانت نعمة الحريّة. حتّى أنّه في القرآن الكريم أوحى إلى صفيّه محمّد (ص) قائلاً: "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" وقال " لست عليهم بمسيطر" وقال: "وهديناه النجدين فأمّا كافراً وأمّا شكوراً" فهل بعد هذا سيطرة ظالمة لفردٍ على آخر؟ فإن وُجد فقانون الحياة يلفظه، وإلى دركات جهنّم يأخذه.
  7. 7." الجبان- في شريعتي- ليس أهلاً للحياة مُطلقاً. فإمّا أن (نجبن) فيستعبدنا القويّ الغاشم، وإمّا نُظهر (شجاعتنا)، ونُطلقُ (بطولتنا) فننتزع بواستطها (حريّتنا) المقدّسة الخالدة." وكم هذا القول الحكميّ يذكّر بالبيت الشعري الخالد للشاعر أبي القاسم الشابي حيث يقول: " إذا الشعب يوماً أراد الحياة   فلا بدّ أن يستجيب القدر"   كما أنّ ذاكرة التاريخ حفظت لنا بطولة شعب صيدا عندما حاصرها الطاغية أرتحششتا، وكيف فضّل هذا الشعب المقدام الموت حرقاً وبيده على أن يُسلّم بذلٍّ وانكسار نفسٍ مدينته إلى الحاكم الظالم الجائر. وفي ذاكرة التاريخ عبرٌ وعبر لكلّ من أراد لنفسه أن تسمو وتخلص من ربقة الطغاة والمستبدّين.
  8. 8." يا رجال التشريع والقضاء!.. إنّ شرائعكم هي إحدى مهازل هذه الدنيا ومساخرها. فالقوانين ليست بقوانين إذا طُبِّقَت على الضعفاء والفقراء دون الأقوياء والأغنياء. فالحرّة ترغمونها على الأكل من ثدييها ثمّ تطلبون محاكمتها. وسارق الرغيف تلقونه في غياهب السجون.... أمّا سارق الألوف فإنّكم تشاركونه الغنيمة وتتقاسمونها فيما بينكم، فيا للعار!" وليس أدلّ على صدقيّة ما جاء إلاّ "الأمم المتّحدة" وعدالتها التي لاكتها ولعنتها جميع أمم الأرض- فيا للمهزلة من الإنسان الذي بمحض إرادته ورغبته صار عبداً للشيطان.
  9. 9

10 " أُشبّه الحياة بقفصٍ رهيبٍ هائل، والبشر بالطيور الرازحة فيه، ومهما بذلت الطيور من مساعٍ وجهودٍ لاجتياز نطاق القفص، لا تستطيع النفاذ منه، حتّى يأتيها داعي الموت ويحررّها من تلك العبوديّة الصارمة، ويعتقها من ذلك القيد الثقيل." حواسنا المعطاة لنا في هذه الحياة هي السلاسل المشدودين إليها، وعقلنا لا يتغذّى إلاّ من خلال هذه الحواس، فكما هي محدودة، كذلك هو، وعند الموت تتحطّم تلك السلاسل، فنعي ونعرف ما لم يكن بالمستطاع، وما أروع الآية القرآنيّة الكريمة الواصفة النفس حين موتها فتقول:" وكشفنا عنك غطاءك، فبصرك اليوم حديد".

11. " كُنْ حذراً من تقلّبات الأيّام وتغّيرات الأعوام، لأنّ قانون الحياة هو الاستمرار على التحوير، ونظام الكون دائبٌ أبداً على التغيير." فكم من ملوكٍ ورؤساء باتوا ليلهم وهم في عزِّ مجدهم، فأفاقوا وهم بأذلّ حال، وفي التاريخ المدّون عبرٌ وعبر. فسبحان الله المحوّل من حالٍ إلى حال والمنذر للناس أن كلَّ شيءٍ إلى زوال.

12. " أنا أؤمنُ بأنّه توجد عدالة سماويّة، وأنّ جميع ما يصيبنا في الحياة الدنيا من منغّصاتٍ وأكدارٍ إنْ هو إلاّ جزاءً وفاق لما اجترحناه في أدوارنا السابقة من آثامٍ وشرور، ولهذا يجب علينا أن نستقبل كلّ ما يحلُّ بنا من آلام الحياة ومآسيها، غير مُتبرّمين ولا متذمّرين، بل قانعين بعدالة السماء ونُظُمها السامية." وما جاء في القرآن الكريم عن النفس ها هو"كلّ نفسٍ بما كسبت رهينة" ، وجاء أيضاً في موقف عدم التذمّر حين التعرّض للمحن والتجارب "وبشّر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون". وجاء أيضاً على لسان عليّ (ع) "لا يلومنّ لائمٌ إلاّ نفسه". وعلى لسان محمّد (ص) حيث قال "ما من عثرة قدمٍ، ولا عرقٍ محمومٍ ولا الشوكة تُشاكها إلاّ بذنب".

   هذه هي الأنوار الدائمة السطوع أبد الدهر ولا ولن يرى نورها المحي سوى ذوي البصائر السويّة والعقول النيّرة. فهل يا أخي منهم أنت ؟!...

                                                                          15 كانون الثاني 2004  

Developed by WARM Studios        Copyright 2017 This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.nfo All Right Reseved This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.