داهش وعوالم الفراديس

المدينة المُقدَّسة

المدينة المُقدَّسة

حلمْتُ أنني أجوسُ جنَّةً قطوفُها دانية،

وطيورها الجميلةُ الألوان تشدو بأعذب الألحان،

ومروجُها عامرةٌ برياحين عجيبةٍ وورود مُذهلة،

وحدائقُها الغناء فيها أشجارٌ ذات أثمارٍ شهية،

فجستُ ربوعَها وتذوقتُ ثمارها العجيبة،

ثم تخلَّلتُ شوارعها، فإذا هي آيةٌ في الرّوعة.

ولعجبي العظيم شاهدتُ الذئبَ يُداعب الحمل،

والنمرَ يلاعبُ الظبي الأهيف ويلاطفه،

والأسدَ يمرحُ بسرور مع بقر الغاب المسمَّن،

والثعلبَ يتناولُ طعامَهُ مع الدجاج المطمئن

ففي هذه المدينة السحرية لا توجدُ قوانينُ ودساتير.

فالسجونُ، لا يعرفها أهلُ هذه المدينة المُباركة،

إذ العدالةُ سائدةٌ بين جميع قاطنيها السعداء.

وفي هذه البقعة الهنيئة لا تجدُّ قويًّا وضعيفًا،

ولا ظالمًا ومظلومًا، ولا غنيًا أو فقيرًا،

فالجميعُ سواسية، وهم يحبون بعضهم بعضًا،

والحقدُ لا يجرؤ أن يجوس ربوع هذه المدينة السماوية.

وبينما أنا مُنذهل مما أُشاهدُه من مُدهشاتٍ رائعة،

إذ بي أشاهدُ كاعبًا هيفاء رائعة التكوين،

إذ كان حسنُها يكسف البدر في عليائه فيتوارى خجلاً.

اقتربت من مكاني، وحيتني وهي تبتسمُ لي ابتسامةً سماوية

جعلت الدماءَ تصعدُ إلى رأسي مُتدفقةً بجبروت،

وسألتني:

        من أي كوكبٍ أتيتَ أيُّها الغريب؟!

فانعقد لساني، وتعثر بياني أمام حُسنها الروحانيّ،

        وسارتْ أمامي وأنا أتبعُها حتى وصلنا إلى منزلٍ عجيب

بُني من الورود والرياحين،

أما سورُهُ الخارجي فقد صنُع من الياسمين.

فدخلناهُ، واذا بمقاعدِهِ من أزهار البنفسج والنيلوفر والأضاليا الفاتنة.

وجلستُ معها على مقعدٍ صُنع من أزهار الفلِّ والمنتور.

وإذا بها تقول لي:

        إني سأنتظرُكَ في هذه المدينة المُقدسة،

عندما تنتهي مدَّةُ وجودك على الأرض.

وثقْ بأنّي أكون مُتلهفةً إذ ذاك لاستقبالك.

وعندئذٍ سأحيا معكَ أبدَ الدَّهر!

واستيقظتُ، فإذا بي وحيدٌ فريد.

لهذا أتمنَّى أن تدنو ساعتي الأخيرة،

لأعودَ فأجتمعَ مع فتاة أحلامي الفاتنة

في المدينة المُقدسة.

                                             بيروت، الساعة العاشرة صباحًا

                                                   تاريخ 5/1/1975

error: Content is protected !!