سنرحل
سنرحل
سنرحل… سنذهب… سنغيب…
سنترك الأرض… سنغادرها… وسنفنى…
مثلما غادرها وفُنِيَ سوانا.
سنتركُ القصور العامرة، والأكواخ الخاوية…
سنتركُ المآكل اللذيذة، مآكل الأغنياء،
والأطعمة التافهة، غذاءَ الفقراء.
سنخلِّف وراءنا الغابات الفاتنة الأشجار،
والجبالَ الشامخة، والأودية السحيقة الأعماق،
والبحار الشاسعة، والصحاري المُمتدَّة المسافات.
سنتركُ آباءنا وأبناءنا، وزوجاتنا وأشقاءنا،
وسنخلِّف وراءنا همومنا الرهيبة،
ولحظات سعادتنا الوهمية السرابية الترابية.
وسيستلُّنا الموتُ الرهيب من بين أذرُع حبيباتنا
النُّجل العيون المُكتنزات الأرداف،
حبيباتنا ذوات الشفاه الرقيقة،
وكأنها أجنحة فراشات الجنة الوارفة الظلال.
وسندخل إذ ذاك ضمن حفرةٍ باردةٍ مُخيفةٍ منسية.
وسيهجرنا الجميع، حتى أقرب الناس إلينا
وأحبُّهم إلى قلوبنا التي توقفت عن الضربات.
وستلتهم الديدانُ أجسادنا التي طالما رفهناها،
وعطرناها بأطيب العطور الذكية.
وستمضي الأعوامُ ونحن مُلحدون في أجداثنا
المنسية من أبناء الأرض اللعينة.
وعندما يأتي فصلُ الشتاء وتمطر السماء أمطارها الغزيرة،
تنصبُّ مياهُها على قبورنا وتتخلل عظامنا النخرة.
وستتأكلنا رطوبة القبر المُظّلم المُرعب.
وستعوِّل العاصفة العاتية وكأنها تنوح على قاطني القبور الرهيبة.
وستومضُ السماءُ في ليالي كانون فوق أجداث الموتى
ثم تُرعدُ السماء وتنقضُّ الصواعق بجبروت.
وستعزفُ الأمطار المجنونة ألحانها العنيفة،
فترتجف المقبرة من هول ثورة العناصر الثائرة بجبروتٍ عاصف.
أواه! إن كل ما يراه الإنسان في دنياه
إنما هو خيالٌ طائف ، وظلٌّ زائف،
فما هو إلا كبرقٍ ومَضَ ومضَى.
بيروت، الساعة 12 إلا 10 دقائق قبل الظهر
تاريخ 17/6/1974


